أبل تعيد بناء استراتيجيتها في الذكاء الاصطناعي حول Siri
تستعد أبل لخطوة توصف داخل وادي السيليكون بأنها “إعادة اختراع” لمساعدها الصوتي Siri، من خلال تحويله من أداة أوامر صوتية بسيطة إلى وكيل ذكاء اصطناعي متكامل يعمل على مستوى نظام التشغيل بالكامل. وفق تقرير حديث لوكالة Bloomberg، تنوي الشركة إطلاق تطبيق مستقل لـ Siri، وإضافة زر مخصص جديد باسم Ask Siri، إلى جانب تجربة تفاعلية قائمة على المحادثة في تحديثات iOS 27 وmacOS 27 المنتظر الإعلان عنها في مؤتمر المطورين العالمي WWDC 2026 يوم 8 يونيو.
هذه الخطوة تعكس رهان أبل على أن مستقبل هواتف آيفون وحواسيب ماك لن يُحسم فقط بالمواصفات التقنية، بل بقدرة النظام على فهم المستخدم، سياقًا وبيانات ومهامًا، عبر طبقة ذكاء اصطناعي مدمجة بعمق داخل النظام.
لماذا تراهن أبل على Siri الآن؟
رغم أن Siri قُدم لأول مرة في عام 2011 كأحد أبرز مميزات آيفون 4S، فإن أداؤه خلال السنوات الماضية اعتُبر متراجعًا مقارنةً بما حققته منصات منافسة مثل ChatGPT من OpenAI، وGemini (سابقًا Bard) من جوجل، وCopilot من مايكروسوفت. كثير من المستخدمين اتجهوا نحو تطبيقات ذكاء اصطناعي خارجية، تاركين Siri في دور محدود مثل ضبط المنبهات أو تشغيل الموسيقى.
بحسب Bloomberg، تدرك أبل أن منصة Apple Intelligence التي كشفت عنها في 2024 لم تحقق بعد مستوى التفاعل والاعتمادية المتوقع، خاصة أن بعض المزايا ظلت متاحة لفئات محدودة من الأجهزة واللغات. ما يحدث الآن يبدو محاولة لإعادة بناء هذه المنصة من الأساس، مع جعل Siri هو الواجهة الرئيسية للذكاء الاصطناعي على أجهزة أبل.
ما الذي يتغير في Siri فعليًا؟
1. تطبيق مستقل وتجربة محادثة كاملة
التسريبات تشير إلى أن Siri لن يأتي فقط كميزة مدمجة في النظام، بل أيضًا كتطبيق مستقل يمكن فتحه مثل أي تطبيق دردشة. هذا يعكس تحوّلًا من نموذج “المساعد الصوتي” إلى نموذج “الوكيل التفاعلي” القادر على إجراء محادثات متعددة الخطوات، وفهم السياق المتغير، بدل الرد على أوامر قصيرة فقط.
الواجهة المتوقعة تشبه إلى حد كبير تطبيقات الذكاء الاصطناعي التوليدي الحالية، حيث يمكن للمستخدم أن يسأل، يطلب تلخيصات، يتابع حوارًا، ويكمل مهامًا دون الحاجة للخروج من المحادثة أو تكرار نفس التعليمات.
2. زر جديد باسم Ask Siri
بحسب المعلومات المتداولة، تستعد أبل لإضافة زر مخصص جديد باسم Ask Siri في واجهة النظام. هذا الزر قد يصبح موجودًا في عدة أماكن مثل:
- شريط المهام في macOS
- مركز التحكم أو الشاشة الرئيسية في iOS
- تخصيصات الأزرار الجانبية في أجهزة آيفون وآيباد
الفكرة هنا هي جعل الوصول إلى Siri يشبه الضغط على زر بحث موحّد، لكن مع قدرات فهم وتنفيذ أعمق بكثير، بما في ذلك التعامل مع ملفات وتطبيقات وحسابات المستخدم.
3. الاسم الرمزي Campo: وصول أعمق لبيانات المستخدم
النسخة الجديدة من Siri، التي تعمل أبل عليها تحت الاسم الرمزي Campo، صُممت – وفق التقرير – لتقدم مستوى أكثر تقدمًا من التحكم في أجهزة آيفون وماك. من بين القدرات المحتملة:
- الوصول إلى البيانات الشخصية للمستخدم مثل الرسائل، الملاحظات، البريد الإلكتروني، والتقويم.
- تنفيذ مهام مركّبة داخل التطبيقات، مثل إنشاء ملف جديد في تطبيق ملاحظات، ملؤه من بريد إلكتروني معين، ثم مشاركته عبر تطبيق مراسلة.
- الوصول إلى المحتوى الإخباري والبحث في الإنترنت المفتوح، عبر نماذج وواجهات طورتها أبل داخليًا، بدل الاعتماد على طرف ثالث بشكل كامل.
هذا النوع من التكامل يعني أن Siri قد ينتقل من مستوى الأوامر السطحية إلى مستوى “الوكيل الشخصي” الذي يتصرف وفق فهم شامل لبيانات المستخدم واهتماماته، مع الحفاظ على ضوابط الخصوصية التي ترفع أبل شعارها منذ سنوات.
سباق الذكاء الاصطناعي: أين تقف أبل أمام جوجل ومايكروسوفت؟
منذ نهاية 2022، ومع صعود ChatGPT إلى أكثر من 100 مليون مستخدم نشط شهريًا خلال أسابيع قليلة وفق UBS، أصبح الضغط على شركات التقنية التقليدية هائلًا. مايكروسوفت استثمرت مليارات الدولارات في OpenAI ودمجت Copilot داخل ويندوز وOffice، بينما أعادت جوجل بناء منتجاتها حول Gemini، من بحث جوجل إلى Gmail وDocs.
أبل بدت متحفظة في البداية، لكنها في 2024 أعلنت عن Apple Intelligence في مؤتمر WWDC، مع تعهد بدمج الذكاء الاصطناعي في التطبيقات الأساسية مثل Mail وNotes وPhotos. ومع ذلك، واجهت الشركة انتقادات بسبب:
- توفر المزايا على أجهزة حديثة فقط (مثل سلسلة iPhone 15 Pro وما بعدها).
- قيود لغوية وجغرافية حالت دون وصول كثير من المستخدمين حول العالم لتلك المزايا.
- انطباع بأن أبل متأخرة بخطوة أو أكثر في تجربة المحادثة مقارنة بخدمات مثل ChatGPT وGemini.
الجيل الجديد من Siri يبدو ردًا مباشرًا على هذه التحديات. فبدل التركيز فقط على “خصائص ذكية” داخل التطبيقات، تراهن أبل على واجهة موحدة (Siri) قادرة على قيادة تجربة الذكاء الاصطناعي كاملة، مع تركيز قوي على التكامل مع العتاد والنظام.
خصوصية المستخدم: الورقة الأقوى لدى أبل
إحدى النقاط التي تميز أبل عن منافسيها هي تركيزها المستمر على الخصوصية. في إعلانها عن Apple Intelligence في 2024، شددت الشركة على مفهوم Private Cloud Compute، وهو أسلوب يسمح بتنفيذ جزء من العمليات على خوادم سحابية قامت أبل بتصميمها خصيصًا، مع تشديد على التشفير وتقليل الاحتفاظ بالبيانات إلى الحد الأدنى.
إذا كان Siri الجديد سيصل بالفعل إلى بيانات حساسة مثل البريد والرسائل والملاحظات، فمن المتوقع أن تُكثف أبل رسائلها والتزاماتها المتعلقة بالخصوصية. احتمالات ذلك تشمل:
- تنفيذ أكبر قدر ممكن من المعالجة على الجهاز نفسه، مستفيدًا من شرائح أبل مثل Apple Silicon المزودة بوحدات معالجة عصبية (Neural Engine).
- وضع خيارات واضحة للمستخدم للتحكم في ما يمكن لـ Siri الوصول إليه من تطبيقات وبيانات.
- توفير تقارير شفافة توضح كيف تُستخدم بيانات المستخدم داخل نماذج الذكاء الاصطناعي.
هذا النهج يمكن أن يمنح أبل أفضلية في الأسواق التي يزداد فيها القلق حول تتبع البيانات، خاصة في أوروبا التي تطبّق لوائح صارمة مثل اللائحة العامة لحماية البيانات GDPR.
تأثير التغيير على المستخدم العربي
سؤال جوهري لدى المستخدمين في المنطقة العربية: هل سيصل هذا الجيل الجديد من Siri بدعم قوي للغة العربية؟
تجربة الماضي مع Siri لم تكن مثالية للمتحدثين بالعربية؛ فاللغة العربية أضيفت بعد سنوات من دعم الإنجليزية واللغات الآسيوية والأوروبية، كما أن فهم اللهجات المختلفة ظل محدودًا، ناهيك عن غياب كثير من الخدمات المحلية.
المنافسون يتحركون بسرعة في هذا الاتجاه. على سبيل المثال:
- نماذج عربية مفتوحة المصدر من جهات مثل Hugging Face ومركز محمد بن زايد للذكاء الاصطناعي (MBZUAI) تقدم دعمًا متزايدًا للعربية الفصحى وبعض اللهجات.
- شركات إقليمية في الخليج وشمال أفريقيا تطوّر وكلاء ذكاء اصطناعي موجهة خصيصًا للأسواق المحلية، مع تكامل في الخدمات البنكية والحكومية.
إذا أرادت أبل أن تجعل Siri الجديد جزءًا حقيقيًا من حياة المستخدم العربي، فهناك عدة متطلبات أساسية:
- تحسين دقة فهم العربية الفصحى واللهجات الأكثر انتشارًا مثل الخليجية والمصرية والمغاربية.
- دعم أوامر وطلبات محلية مثل الخدمات الحكومية الإلكترونية، وحجز المواعيد الطبية، والتسوق من متاجر عربية.
- التكامل مع منصات محتوى عربية لتقديم نتائج بحث وأخبار ذات صلة بالسياق المحلي.
أبل لم تُفصح حتى الآن عن خارطة طريق واضحة لدعم اللغات، لكن أي تأخير إضافي في العربية قد يفتح الباب لمنافسين إقليميين لا يملكون حجم أبل، لكنهم يملكون فهمًا أعمق لاحتياجات المستخدم في المنطقة.
من مساعد إلى “وكيل”: ما الذي يعنيه ذلك فعليًا؟
التحول من “مساعد” إلى “وكيل ذكاء اصطناعي” ليس تغييرًا في الاسم فقط. الوكيل الذكي يُفترض أن يكون قادرًا على:
- فهم الهدف النهائي للمستخدم (مثل التخطيط لرحلة أو إدارة مشروع صغير)، وليس فقط الأوامر الفردية.
- اقتراح خطوات لم يطلبها المستخدم صراحة، لكنها منطقية في سياق الهدف.
- التنسيق بين عدة تطبيقات وخدمات دون تدخل يدوي في كل خطوة.
تصوّر سيناريو كهذا على آيفون:
- تطلب من Siri: “رتب لي رحلة عمل إلى دبي الأسبوع القادم”.
- يقوم Siri بقراءة جدولك في التقويم، ويقترح تواريخ خالية.
- يفتح خدمات حجز الطيران والفنادق المفضلة لديك، ويقارن الأسعار.
- ينشئ ملفًا بالمواعيد والاجتماعات، ويشارك التفاصيل مع زملائك عبر البريد.
هذه التجربة تعتمد على تكامل عميق مع التطبيقات والبيانات، وهو بالضبط ما تحاول أبل بناءه في Campo. نجاح هذا النموذج سيجعل من Siri واجهة الاستخدام الأساسية لكثير من المهام، وربما يقلل من الوقت الذي يقضيه المستخدم في التنقل بين التطبيقات يدويًا.
ماذا يعني ذلك للمطورين والمنظومة ككل؟
تغيير بهذا الحجم لا يتعلق بالمستخدمين فقط، بل بالمطورين أيضًا. أبل ستحتاج لتوفير واجهات برمجية (APIs) تسمح لـ Siri بالوصول إلى تطبيقات الطرف الثالث بطريقة آمنة وخاضعة للضوابط.
هذا يفتح فرصًا للمطورين العرب أيضًا، سواء لبناء تطبيقات:
- متكاملة مع Siri الجديد، بحيث يمكن للمستخدم التحكم بها صوتيًا أو نصيًا عبر الوكيل.
- متخصصة في مجالات محلية (مثل الخدمات المالية الإسلامية، التعليم العربي، أو إدارة الأعمال الصغيرة في المنطقة).
- تقدم محتوى عربيًا عالي الجودة يمكن لـ Siri الاعتماد عليه في الإجابة والشرح.
لكن في المقابل، قد يتسبب الاعتماد المتزايد على واجهة موحدة (Siri) في تقليل الظهور المباشر لبعض التطبيقات، لأن المستخدم قد ينجز الكثير من المهام دون فتح التطبيق فعليًا. هذا تحدٍّ على المطورين التفكير فيه مبكرًا، وربما إعادة تصميم تجاربهم لتكون “مبنية حول الوكلاء” وليس مجرد واجهات تقليدية.
هل تنجح أبل في إعادة تقديم Siri؟
رغم أن أبل أعلنت فقط عن موعد مؤتمر WWDC 2026 دون الكشف عن تفاصيل رسمية حول Siri الجديد، فإن حجم التسريبات من مصادر مثل Bloomberg يعكس حجم الرهان الداخلي في الشركة على هذه الخطوة. هناك عدة عوامل قد تحدد نجاح التجربة:
- مدى قوة النماذج اللغوية التي طورتها أبل داخليًا مقارنة بالمنافسين.
- فعالية التكامل بين Siri والتطبيقات والبيانات على مستوى النظام.
- سرعة تعميم المزايا على مختلف البلدان واللغات، بما فيها العربية.
- وضوح نموذج الخصوصية وإقناع المستخدم بأن بياناته لا تُستخدم بشكل يضر بمصالحه.
في كل الأحوال، الاتجاه واضح: Siri لم يعد مجرد صوت يجيب عن سؤال سريع، بل يتحول إلى طبقة ذكاء اصطناعي تحاول أبل أن تبني حولها مستقبل أجهزتها وخدماتها خلال السنوات القادمة. المستخدم العربي سيكون جزءًا من هذا المستقبل، بشرط أن تحجز اللغة العربية مكانها مبكرًا في خارطة طريق أبل.