موجة ذعر في البورصة بسبب أداة ذكاء اصطناعي واحدة
شهدت أسهم شركات البرمجيات في وول ستريت تراجعًا ملحوظًا بعد تقرير نشره موقع Bloomberg حول أداة جديدة من شركة Anthropic للذكاء الاصطناعي، اعتبرها بعض المستثمرين تهديدًا مباشرًا لنماذج أعمال شركات البرمجيات التقليدية. الأداة، التي تهدف إلى أتمتة جزء كبير من مهام تطوير البرمجيات وتحليلها، أشعلت نقاشًا واسعًا حول مدى تأثير الذكاء الاصطناعي التوليدي على سوق البرمجيات، بل وعلى السوق المالية ككل.
ما الذي كشفه تقرير Bloomberg؟
بحسب تقرير Bloomberg، عرضت Anthropic مجموعة أدوات تعتمد على نموذجها اللغوي المتقدم Claude، تتيح للشركات استخدام الذكاء الاصطناعي في كتابة الشيفرة البرمجية، واختبارها، وتحليل الأخطاء، وحتى اقتراح تحسينات معمارية على الأنظمة البرمجية القائمة. ما أثار القلق لم يكن مجرد قدرات الأداة، بل الطريقة التي طُرحت بها للمؤسسات وكأنها “طبقة ذكية” يمكن أن تحل محل بعض منتجات البرمجيات المتخصصة باهظة الثمن.
رد فعل السوق كان سريعًا. عدد من أسهم شركات البرمجيات السحابية وخدمات تطوير البرمجيات شهدت عمليات بيع مكثفة، في تكرار لما حدث سابقًا مع إطلاق أدوات مثل GitHub Copilot من مايكروسوفت وCodeWhisperer من أمازون، لكن هذه المرة بدا الخوف أشمل، لكون Anthropic تُقدِّم نفسها كشركة محايدة يمكن لأي طرف الاندماج معها، وليست جزءًا من عملاق تقني واحد.
لماذا تخيف هذه الأداة المستثمرين؟
خلفية القلق تعود إلى عاملين رئيسيين:
- القدرة على خفض التكاليف: إذا استطاعت الشركات تقليص عدد المطورين أو فرق الاختبار عبر الاعتماد على أتمتة ذكية، فهذا يعني ضغطًا على شركات الخدمات البرمجية التي تبيع هذه الخبرات على شكل عقود واستشارات.
- إعادة تشكيل سلسلة القيمة: كثير من شركات البرمجيات تبني نموذجها الربحي على تعقيد الأنظمة وحاجتها إلى دعم مستمر. أدوات الذكاء الاصطناعي التوليدي تهدد بجعل هذه التعقيدات أقل رعبًا، وتضع بعض الوظائف البرمجية في خانة «السلع العامة» التي يمكن لأي شركة الحصول عليها عبر واجهة برمجية (API).
المستثمرون لا يكرهون الذكاء الاصطناعي بحد ذاته؛ بالعكس، أسهم الشركات التي تملك منصات نماذج لغوية كبيرة غالبًا ما تستفيد. لكن الفجوة تظهر لدى الشركات التي تبدو وكأنها «وسطاء» يمكن تجاوزهم عندما تصبح الأداة الذكية قادرة على القيام بجزء كبير من أعمالهم.
سياق عالمي: من GitHub Copilot إلى Claude
هذا الحدث لا يأتي في فراغ. منذ إطلاق ChatGPT من OpenAI في نهاية 2022، ثم GitHub Copilot، والحديث مستمر عن تأثير هذه الأدوات على إنتاجية المبرمجين ووظائفهم. تقارير من Microsoft Research وOpenAI أشارت إلى إمكانية زيادة سرعة إنجاز بعض مهام البرمجة بنسبة تتراوح بين 30% و50% في سيناريوهات محددة.
Anthropic، التي أسسها باحثون سابقون في OpenAI، تقدم نفسها كمنافس يركز على «السلامة» وموثوقية النماذج، لكن دخولها بقوة في مجال أدوات المطورين يشير إلى أن المعركة الفعلية تدور حول من يملك طبقة الذكاء فوق البنى التحتية السحابية الحالية. هذا ما يجعل كل إعلان جديد من شركات النماذج الكبرى حدثًا مؤثرًا في البورصة، وليس مجرد خبر تقني عابر.
هل الذكاء الاصطناعي يهدد شركات البرمجيات أم يعيد تشكيل أدوارها؟
بعض المحللين يرون أن رد فعل السوق مبالغ فيه. تقارير من مؤسسات بحثية مثل Gartner وMcKinsey تؤكد أن الذكاء الاصطناعي التوليدي سيؤدي إلى تحولات عميقة في طريقة تطوير البرمجيات، لكنه لن يُلغي الحاجة إلى شركات البرمجيات نفسها، بل سيجبرها على إعادة تعريف ما تبيعه.
السيناريو المرجح أن تتحول العديد من المنتجات البرمجية من «أدوات تنفذ أوامر المستخدم» إلى «مساعدين أذكياء» مدمجين في سير العمل. أي أن الشركات التي تتبنى الذكاء الاصطناعي مبكرًا قد تستفيد، بينما تتضرر الشركات التي تتأخر أو تكتفي بإعادة تسمية منتجاتها الحالية دون تغيير جوهري.
من زاوية أخرى، هناك تحديات قانونية وأخلاقية، تتعلق بحقوق الملكية الفكرية وجودة الكود المولّد، ما يجعل الاعتماد الكامل على الأتمتة أمرًا غير واقعي في الأمد القريب، وخاصة في القطاعات الحساسة مثل المالية والصحة والطيران.
الانعكاسات على المنطقة العربية
السؤال الأهم للقارئ العربي: ما علاقة كل هذا بنا؟
أسواق البرمجيات في الدول العربية تعتمد بشكل كبير على عقود الخدمات، وتوفير فرق تطوير خارجية للشركات العالمية أو الإقليمية. إذا استطاعت أدوات مثل Claude من Anthropic أو Copilot من مايكروسوفت تقليص حجم الفرق المطلوبة لمشروع برمجي معين، فسيجد كثير من مزودي الخدمات البرمجية في المنطقة أنفسهم أمام ضغط سعري وتنافسي أكبر.
في المقابل، الإقبال على التحول الرقمي في الخليج وشمال أفريقيا يفتح فرصة أمام الشركات القادرة على تبني الذكاء الاصطناعي التوليدي داخليًا، وتحويله إلى ميزة تنافسية. شركات ناشئة عربية بدأت بالفعل في دمج نماذج مثل GPT وClaude في حلولها، سواء في خدمة العملاء أو التحليل اللغوي أو الأتمتة الإدارية، ما يعني أن الأدوات نفسها يمكن أن تكون تهديدًا للبعض وفرصة لآخرين.
كيف يمكن للشركات العربية التعامل مع هذا التحول؟
1. الانتقال من «البرمجة اليدوية» إلى «هندسة الحلول»
التركيز ينبغي أن يتحول من بيع ساعات عمل مبرمجين إلى بيع حلول متكاملة تعتمد على مزيج من الكود التقليدي والذكاء الاصطناعي. القيمة المضافة لن تكون في كتابة الأسطر البرمجية فقط، بل في فهم مشكلة العميل، وتصميم النظام، وضمان أمنه، وربطه بالبنية التحتية القائمة.
2. الاستثمار في مهارات جديدة للمطورين
مفهوم «مهندس برمجيات يستخدم الذكاء الاصطناعي بمهارة» سيصبح معيارًا أساسيًا في التوظيف. المطلوب ليس استبدال المبرمجين، بل تمكينهم من استخدام أدوات مثل Claude وCopilot وCode Llama كجزء طبيعي من سير العمل. هذا يتطلب برامج تدريبية جادة في الشركات والجامعات والمعاهد التقنية.
3. بناء منتجات فوق منصات الذكاء الاصطناعي، لا ضدها
من غير الواقعي منافسة شركات بحجم Anthropic أو OpenAI في تطوير نماذج لغوية ضخمة من الصفر. الفرصة الحقيقية في المنطقة العربية تكمن في بناء طبقات تطبيقية متخصصة فوق هذه النماذج، مثل حلول باللغة العربية أو موجهة لقطاعات معينة: المالية الإسلامية، التعليم العربي، الخدمات الحكومية، والصحة.
ما الذي تخبرنا به ردة فعل السوق حقًا؟
التقلبات التي أثارها تقرير Bloomberg تظهر أن الذكاء الاصطناعي لم يعد موضوعًا نظريًا أو حقلًا بحثيًا بعيدًا عن الجمهور؛ بل أصبح عاملًا مباشرًا في تقييم الشركات، وفي قرارات الاستثمار والتوظيف، وحتى في سياسات الدول التقنية.
ردة فعل وول ستريت قد تكون مبالغًا فيها على المدى القصير، لكنها تعكس تحوّلًا عميقًا: أي شركة برمجيات، عربية كانت أو عالمية، ستُسأل اليوم سؤالًا بسيطًا وصعبًا في الوقت نفسه: أين القيمة التي تقدمها مما لا يستطيع نموذج ذكاء اصطناعي تقديمه بسهولة؟ والإجابة عن هذا السؤال ستحدد إلى حد كبير شكل خريطة البرمجيات في السنوات المقبلة.