فضائح لا تهدأ… والضحية الدائمة: بيانات المستخدمين
لم تعد تسريبات البيانات وانتهاكات الخصوصية أخبارًا عابرة تظهر بين الحين والآخر، بل تحولت إلى مسلسل شبه يومي يطاول أكبر الشركات التقنية في العالم. من شبكات التواصل الاجتماعي إلى شركات التجارة الإلكترونية وخدمات السحابة، تتكرر الفضائح بالأسماء نفسها تقريبًا، بينما يتزايد قلق المستخدمين حول مصير بياناتهم الشخصية.
خلفية عالمية: من كامبريدج أناليتيكا إلى تسريبات بلا حدود
أحد أشهر المنعطفات في هذا الملف كان فضيحة Cambridge Analytica المرتبطة بفيسبوك عام 2018، حيث تم استغلال بيانات عشرات الملايين من المستخدمين لأغراض سياسية دون علمهم أو موافقتهم الصريحة. القضية التي تناولتها هيئة الإذاعة البريطانية BBC بالتفصيل، وأثارت موجة غضب عالمي، وضعت لأول مرة سؤال الخصوصية في قلب النقاش العام حول شركات التكنولوجيا.
(رابط تقرير BBC: https://www.bbc.com/news/technology-43465968)
لم تقف الأمور عند هذا الحد. تقارير متتالية من منصات مثل Reuters وTechCrunch وThe Verge كشفت عن تسريبات تتضمن:
- سجلات دخول وكلمات مرور لملايين الحسابات.
- معلومات بطاقات ائتمان وتفاصيل مالية حساسة.
- بيانات موقع جغرافي وحركة المستخدمين في الوقت الفعلي.
- سجلات محادثات وصور وملفات شخصية.
هذه الحوادث لم تعد مقصورة على شركات بعينها، بل طالت أسماء من الوزن الثقيل في وادي السيليكون ومنصات عالمية في مجالات البث، والتجارة، وخدمات الحوسبة السحابية.
قوانين جديدة… ولكن هل تكفي؟
أمام تعاظم هذه الفضائح، سارعت الحكومات والهيئات التنظيمية إلى تشديد القوانين. أبرز مثال على ذلك هو اللائحة العامة لحماية البيانات (GDPR) في الاتحاد الأوروبي، التي دخلت حيز التنفيذ عام 2018، وفرضت غرامات بملايين اليوروهات على شركات لم تلتزم بحماية بيانات المستخدمين أو لم تُبلغ عن التسريبات في الوقت المناسب.
في الولايات المتحدة، ورغم غياب قانون فيدرالي شامل بحجم GDPR، بدأت ولايات مثل كاليفورنيا في تطبيق تشريعات خاصة مثل CCPA تمنح المستخدمين صلاحيات أوسع لمعرفة كيفية استخدام بياناتهم، وإمكانية طلب حذفها أو منع بيعها لأطراف أخرى.
مع ذلك، يرى خبراء في الأمن السيبراني أن التشريعات وحدها لا تكفي. فالسرعة الهائلة في تطوير الخدمات الرقمية وتداخل مصالح الإعلانات وتحليل البيانات والتخصيص الذكي، تجعل الفجوة بين ما يريده المشرّع وما تفعله الشركات لا تزال كبيرة.
من هو المستفيد من بياناتنا؟
من الناحية التجارية، تمثل بيانات المستخدمين الوقود الرئيسي لنماذج الأعمال لدى أغلب عمالقة التقنية. الإعلانات الموجهة، التوصيات الذكية، التحليلات السلوكية، كلها تعتمد على جمع ومعالجة كميات هائلة من المعلومات الشخصية.
في كثير من الحالات، يتحول المستخدم إلى منتج يُباع سلوكه واهتماماته لمعلنين وشركاء وشركات تحليل بيانات، عبر منظومة معقدة يصعب على المستخدم العادي الإلمام بها. وفي حال حدوث تسريب، لا تكون الأضرار فقط في الجانب المالي، بل تمتد إلى:
- انتحال الهوية واستخدام البيانات في عمليات احتيال.
- الابتزاز أو التهديد بتسريب محتوى شخصي أو حساس.
- استغلال التفضيلات والآراء للتأثير في القرارات السياسية أو الاقتصادية.
العالم العربي: حضور قوي على المنصات… وحماية ضعيفة
المستخدم العربي من أكثر الفئات نشاطًا على شبكات التواصل الاجتماعي ومنصات الفيديو والتجارة الإلكترونية، وفق تقارير مختلفة صادرة عن مؤسسات بحثية وشركات اتصالات في المنطقة. لكن هذا الحضور الرقمي القوي لا يوازيه دائمًا مستوى كافٍ من الوعي أو الحماية القانونية.
ثغرات تشريعية وتفاوت بين الدول
رغم أن بعض الدول العربية، مثل الإمارات والسعودية ومصر وتونس والمغرب، بدأت في إصدار قوانين لحماية البيانات الشخصية أو تحديث التشريعات القائمة، فإن تطبيق هذه القوانين لا يزال متفاوتًا من دولة إلى أخرى، سواء في:
- وضوح تعريف البيانات الشخصية والحساسة.
- قدرة الجهات التنظيمية على مراقبة الشركات الكبرى.
- إلزام الشركات بالإبلاغ عن التسريبات في وقت محدد.
- مستوى الغرامات والعقوبات الرادعة.
في المقابل، تعمل شركات دولية كثيرة في المنطقة عبر خوادم ومراكز بيانات تقع خارج الحدود العربية، ما يطرح سؤالًا حول الولاية القضائية، ومن يتحمل المسؤولية عند وقوع تسريب أو سوء استخدام للبيانات.
تسريبات مست المستخدم العربي بشكل مباشر
شهدت السنوات الأخيرة حوادث تسريب بيانات طالت شركات اتصالات وخدمات حكومية وتجارية في دول عربية مختلفة. جزء من هذه الحوادث تم الإعلان عنه رسميًا، بينما تسربت معلومات عن حوادث أخرى عبر تقارير صحفية أو منتديات القرصنة، بدون تفاصيل واضحة أو تحقيقات معلنة.
في عدد من الحالات، تم تداول قواعد بيانات تحتوي على أرقام هواتف وعناوين بريد إلكتروني وأحيانًا عناوين سكنية ومعلومات مالية، مرتبطة بمستخدمين من دول عربية، معروضة للبيع في أسواق الإنترنت المظلم (Dark Web). هذه البيانات يمكن استغلالها بسهولة في حملات تصيد (Phishing) واحتيال مالي وهجمات مستهدفة.
خبراء يحذرون: لا حصانة لأحد
يرى متخصصون في الأمن السيبراني أن السؤال لم يعد هل ستتعرض الشركة لاختراق أو تسريب؟
بل متى وكيف ستواجه ذلك؟
. فحتى الشركات التي تستثمر مليارات الدولارات في البنية التحتية الأمنية، تظل معرضة للخطأ البشري، أو الثغرات البرمجية، أو سلاسل الإمداد البرمجية (Supply Chain Attacks)، أو حتى تسريب البيانات من الداخل.
يشير بعض هؤلاء الخبراء إلى أن الشركات الكبرى قد تمتلك موارد أفضل للاستجابة للأزمات، لكنها في الوقت نفسه تمتلك كميات هائلة من البيانات تجعلها هدفًا مغريًا للمهاجمين. كما أن تعقيد أنظمتها الداخلية، وكثرة الأطراف التي تتعامل مع بيانات المستخدمين (شركاء، مزودو خدمات، متعاقدون من الباطن)، يضاعف سطح الهجوم المحتمل.
هل تتحمل الشركات التقنية كامل المسؤولية؟
رغم أن الشركات هي الطرف الأقوى والأكثر سيطرة على مسار البيانات، إلا أن جزءًا من المشكلة يرتبط أيضًا بسلوك المستخدمين أنفسهم. استخدام كلمات مرور ضعيفة، وإعادة استخدام الكلمة نفسها في عشرات الخدمات، وتجاهل إعدادات الخصوصية، والضغط على روابط مجهولة، كل ذلك يفتح الباب أمام المهاجمين.
لكن حتى مع هذا، تبقى مسؤولية الشركات الأساسية في:
- تطبيق معايير تشفير قوية لحماية البيانات في أثناء التخزين والنقل.
- تقليص حجم البيانات المجمَّعة إلى الحد الأدنى الضروري لتقديم الخدمة.
- منح المستخدمين تحكمًا حقيقيًا وواضحًا في بياناتهم وإمكانية حذفها.
- الإبلاغ السريع والشفاف عن أي تسريب، مع توضيح حجم الضرر وخطوات المعالجة.
غياب الشفافية، أو محاولة التقليل من حجم الحوادث، أو إخفائها لفترات طويلة، يزيد من فقدان الثقة بين المستخدمين وهذه المنصات، حتى لو استمرت في تقديم خدمات جذابة وسهلة الاستخدام.
المستخدم العربي: ما الذي يمكن فعله عمليًا؟
رغم أن جزءًا كبيرًا من المعركة يدور على مستوى السياسات والتشريعات وقرارات الشركات، إلا أن بإمكان المستخدم العربي اتخاذ خطوات عملية تقلل من الضرر المحتمل، أبرزها:
- تفعيل التحقق بخطوتين (2FA) أينما كان ذلك متاحًا.
- استخدام كلمات مرور قوية وفريدة لكل خدمة، مع الاعتماد على مدير كلمات مرور موثوق.
- مراجعة أذونات التطبيقات بشكل دوري، خاصة ما يتعلق بالوصول إلى الكاميرا والميكروفون والموقع وجهات الاتصال.
- الحذر من الروابط والرسائل غير المتوقعة، حتى لو بدت قادمة من جهات معروفة.
- متابعة الأخبار والتحذيرات المتعلقة بالتسريبات، والتصرف بسرعة عند اكتشاف أن خدمة ما تعرضت لاختراق (تغيير كلمات المرور، مراقبة الحسابات المالية، تفعيل التنبيهات).
إلى أين يتجه المشهد؟
من الواضح أن مسألة الخصوصية لم تعد مجرد بند في شروط الاستخدام الطويلة التي لا يقرأها أحد. الفضائح المتتالية دفعت المستخدمين، والهيئات التنظيمية، وحتى بعض المستثمرين، إلى طرح أسئلة صعبة على عمالقة التقنية حول حدود جمع البيانات واستغلالها.
في العالم العربي، يبدو السباق مفتوحًا بين تسارع الاعتماد على الخدمات الرقمية والتحول الإلكتروني في الحكومات والقطاع الخاص، وبين الحاجة إلى تشريعات واضحة وهيئات رقابية فعالة وثقافة مجتمعية أكثر وعيًا بقيمة البيانات الشخصية. ومع استمرار تكشف فضائح جديدة على الساحة العالمية، تبدو المسألة أقرب إلى معركة طويلة الأمد على حق الإنسان في أن يبقى صاحب القرار الأول في مصير بياناته.
المراجع
- BBC
- Reuters
- TechCrunch
- The Verge