صفقة ضخمة تعيد رسم خريطة مراقبة البيانات
وزارة الأمن الداخلي في الولايات المتحدة وقّعت اتفاقًا طويل الأمد مع شركة Palantir المتخصصة في تحليل البيانات والذكاء الاصطناعي، قد تصل قيمته إلى مليار دولار، وفقًا لتقارير صحفية أمريكية متطابقة. الصفقة تشمل توفير منصّات تحليل بيانات متقدمة لصالح وكالات تابعة للوزارة، مع تركيز خاص على ملفات الهجرة ومكافحة الجريمة العابرة للحدود.
حجم الاتفاق وطبيعة نشاط Palantir، المعروفة بتعاملها مع مؤسسات أمنية وعسكرية واستخباراتية حول العالم، يجعلان من هذه الصفقة مؤشرًا واضحًا على مرحلة جديدة من الاعتماد الحكومي على أنظمة التحليل الخوارزمي في اتخاذ قرارات تمسّ بشكل مباشر حياة الأفراد وحقوقهم.
من هي Palantir ولماذا تثير الجدل؟
تأسست Palantir عام 2003 بدعم مبكر من صندوق استثمارات تابع لوكالة الاستخبارات المركزية الأمريكية (CIA)، وبرزت في البداية كمنصة لتحليل كميات ضخمة من البيانات لصالح أجهزة الأمن والاستخبارات. ومنذ ذلك الحين توسّع نشاطها ليشمل قطاعات مدنية مثل الصحة، والخدمات الحكومية، والقطاع المالي.
تقدّم الشركة منصّات تحليل بيانات قادرة على:
- دمج بيانات ضخمة من قواعد مختلفة ومتباينة الصيغ
- كشف الأنماط والعلاقات الخفية بين الأشخاص والكيانات والأحداث
- تقديم لوحات تحكم تفاعلية لصنّاع القرار الأمني والإداري
- استخدام خوارزميات تنبؤية للتوقّع بالمخاطر والسيناريوهات المستقبلية
لكن هذا النفوذ التقني ترافق معه سجل طويل من الانتقادات. فقد واجهت Palantir انتقادات من منظمات حقوقية بسبب دورها في برامج مراقبة موسّعة، وبسبب تعاونها مع وكالات الهجرة الأمريكية في تتبّع وترحيل مهاجرين غير نظاميين، كما وثّقت تقارير لـ The Guardian ووسائل إعلام أخرى.
ما الذي تريده وزارة الأمن الداخلي من هذه الصفقة؟
وفقًا لوثائق مناقصات حكومية أمريكية تناولتها منصّات متخصصة مثل Nextgov، تسعى وزارة الأمن الداخلي إلى تطوير ما يشبه “طبقة عصبية” فوق قواعد البيانات المختلفة التي تمتلكها أو تديرها. الهدف هو:
- الربط بين بيانات الهجرة، والسفر، والسجل الجنائي، والمعلومات البيومترية
- تسريع فحص الملفات والطلبات، خاصة في دوائر الهجرة واللجوء
- تحسين قدرات رصد الشبكات الإجرامية العابرة للحدود
- توفير أدوات تحليل تشاركية بين مختلف الوكالات الفيدرالية والمحلية
تقنيًا، ذلك يعني نقل جزء كبير من عملية التقييم الأولي للمخاطر إلى نماذج خوارزمية: من هو المسافر الذي يجب التدقيق فيه أكثر؟ أي طلب لجوء يحتاج إلى فحص أمني معمّق؟ ما هي الأنماط المريبة في تحركات الأفراد على الحدود؟
الحد الفاصل بين الأتمتة والقرار البشري
أحد الأسئلة الأساسية التي تثيرها هذه الصفقة هو: إلى أي مدى سيتم منح الأنظمة الخوارزمية سلطة فعلية على القرارات المتعلقة بالأشخاص؟ شركات مثل Palantir تقدّم دائمًا منصّاتها على أنها “أدوات دعم قرار” وليست بديلًا عن البشر. لكن تجارب سابقة مع أنظمة التنبؤ بالجريمة أو تقييم المخاطر أظهرت أن القرار البشري غالبًا ما ينحاز لما تقترحه الخوارزمية، حتى لو قُدِّم ذلك شكليًا على أنه مجرد “توصية”.
دراسات من جامعات مثل MIT وStanford حذّرت من ما يُعرف بـ”سلطة الخوارزمية المقنّعة”؛ أي حين تتحوّل مخرجات نموذج إحصائي إلى معيار غير قابل للنقاش داخل المؤسسات، بحجّة أنه يعتمد على “البيانات” وليس على الأهواء. المشكلة أن البيانات نفسها قد تحمل تحيزات تاريخية أو اجتماعية تؤدي إلى إعادة إنتاج أشكال من الظلم والتمييز.
مخاطر الخصوصية والتتبّع الشامل
مؤسسات حقوقية أمريكية، منها الاتحاد الأمريكي للحريات المدنية (ACLU)، حذرت مرارًا من قدرة منصّات مثل التي تطوّرها Palantir على إنشاء صورة رقمية شديدة التفصيل عن حياة الأفراد: تحركاتهم، علاقاتهم، تعاملاتهم المالية، وسجلاتهم الصحية أو القانونية.
في حالة وزارة الأمن الداخلي، الحساسية مضاعفة لأن الملفات تتعلق غالبًا بأشخاص في أوضاع هشة: طالبي لجوء، مهاجرين، أو أفراد في نزاعات قانونية مع الدولة. أي خطأ خوارزمي في تقييم المخاطر أو ربط البيانات قد ينعكس بشكل مباشر على حريتهم في السفر أو حقهم في الإقامة.
كما أن الاعتماد المتزايد على منصات شركة واحدة يثير أسئلة عن الاحتكار الرقمي داخل المؤسسات الأمنية: ماذا يحدث حين تصبح بنية اتخاذ القرار الأمني معتمدة بالكامل تقريبًا على شركة خاصة ذات مصالح تجارية، ومقرها خارج أي رقابة ديمقراطية مباشرة؟
سياق عالمي أوسع: سباق على منصات التحليل الأمني
الصفقة لا تأتي في فراغ. خلال السنوات الأخيرة، تعاقدت حكومات في أوروبا وآسيا وأمريكا اللاتينية مع شركات تحليل بيانات وذكاء اصطناعي لبناء منصّات مشابهة، سواء لمكافحة الإرهاب أو الجريمة المنظمة أو حتى لإدارة الأوبئة. تقارير لوكالة Reuters وBBC رصدت نموًا كبيرًا في سوق أنظمة “الاستخبارات المدعومة بالبيانات”.
في الصين، تتقاطع منصّات المراقبة مع أنظمة التعرّف على الوجوه والدرجات الاجتماعية للمواطنين. في أوروبا، القيود القانونية أشد، لكن هناك توسّع ملحوظ في مشاركة البيانات بين الوكالات الأمنية والحدودية، خصوصًا في ما يتعلّق بالمهاجرين.
اتفاق Palantir مع وزارة الأمن الداخلي الأمريكية يرسل إشارة واضحة بأن مرحلة “تجريب” هذه الأدوات قد انتهت؛ نحن أمام بنية تحتية دائمة للقرار الأمني تعتمد على نماذج خوارزمية في قلبها.
دروس مستفادة لصنّاع القرار والشركات الناشئة
للجهات الحكومية
الانتقال إلى إدارة أمنية مدعومة بالبيانات ليس خيارًا ترفيًّا، بل مسارًا عالميًا واضحًا. لكن غياب الضوابط يحوّله إلى سلاح ذي حدّين. من المهم أن تتبنّى الحكومات العربية سياسات معلنة حول:
- حدود استخدام أنظمة التنبؤ وتحليل المخاطر في القرارات الفردية
- آليات تظلّم شفافة تسمح للأشخاص المتضرّرين بالطعن في القرارات الخوارزمية
- سياسات الاحتفاظ بالبيانات، ومن يمكنه الوصول إليها، وتحت أي شروط
للشركات التقنية والناشئة
صفقات Palantir وأمثالها تُظهر وجود سوق ضخم لحلول تحليل البيانات في المجالات الحكومية والأمنية، لكنها تكشف أيضًا عن فجوة في الحلول المحلية القادرة على المنافسة. يمكن للشركات العربية الناشئة أن تركّز على:
- منصّات تحليل بيانات تحترم الخصوصية، مع تصميم “الخصوصية أولًا”
- حلول مفتوحة المصدر أو هجينة تمنح الحكومات قدرًا أكبر من السيطرة السيادية على بياناتها
- شراكات مع الجامعات لبناء خبرات محلية في حوكمة الذكاء الاصطناعي وأخلاقياته
المعادلة الصعبة: أمن أكثر أم شفافية أكبر؟
صفقة المليار دولار بين وزارة الأمن الداخلي الأمريكية وPalantir تكثّف في نموذج واحد التوتر العالمي بين الرغبة في تعزيز الأمن باستخدام أقوى ما توصلت إليه تقنيات الذكاء الاصطناعي، وبين الحاجة إلى حماية الخصوصية والحقوق الأساسية للأفراد.
الأسئلة التي تُطرح اليوم في واشنطن وبروكسل ليست بعيدة عن عواصم المنطقة العربية، بل قد تكون أكثر إلحاحًا في سياقات تعاني من هشاشة قانونية أو ضعف في المؤسسات الرقابية. ومع تسارع عقود التحوّل الرقمي والأمن الذكي في المنطقة، يصبح من الضروري أن ترافقها نقاشات عامة، وأطر تشريعية، ونماذج تقنية بديلة، حتى لا تتحوّل “العيون الرقمية” إلى مظلة دائمة للمراقبة دون مساءلة.