زلزال في صناعة الترفيه العالمية
استحواذ نتفليكس على وارنر براذرز، لو حدث، لن يكون مجرد صفقة تجارية ضخمة، بل نقطة تحوّل تاريخية في صناعة السينما والبث الترفيهي. نحن أمام اندماج بين أكبر منصة بث مدفوع في العالم وأحد أعرق استوديوهات هوليوود على الإطلاق، بما يحمله من إرث يمتد لعقود وأيقونات ثقافية شكلت وعي أجيال كاملة.
ما يجعل هذه الصفقة “تاريخية” ليس فقط حجمها المالي المفترض، بل ما تعنيه استراتيجياً: سيطرة جهة واحدة على سلسلة قيمة شبه متكاملة من الإنتاج إلى التوزيع، ومن قاعات السينما إلى الشاشات الصغيرة والهواتف الذكية.
نتفليكس: من خدمة بريدية إلى عملاق محتوى
انطلقت نتفليكس نهاية التسعينيات كخدمة لتأجير أقراص DVD بالبريد داخل الولايات المتحدة، قبل أن تتحول تدريجياً إلى منصة بث عبر الإنترنت، ثم إلى منتج لمحتوى أصلي ينافس كبرى استوديوهات هوليوود. هذا التحول المدروس جعلها، وفق تقارير Statista، تتصدر سوق البث المدفوع من حيث عدد المشتركين العالميين.
استراتيجية نتفليكس اعتمدت على الاستثمار الكثيف في المحتوى الأصلي، مستفيدة من البيانات الضخمة لفهم سلوك المشاهدين، وهو ما سمح لها بصناعة أعمال مثل “Stranger Things” و”The Crown” و”La Casa de Papel”، وتحويلها إلى ظواهر عالمية. لكنها، رغم ذلك، ظلت دائماً في سباق تسلّح محتوى مع منافسين يمتلكون مكتبات أقدم وأغنى، مثل ديزني ووارنر براذرز.
وارنر براذرز: إرث سينمائي في مهب التحول الرقمي
تُعد وارنر براذرز واحدة من أقدم استوديوهات هوليوود، تقف خلف علامات تجارية كبرى مثل عالم DC السينمائي، وسلسلة “هاري بوتر”، و”ماتريكس”، إضافة إلى مكتبة ضخمة من الأفلام الكلاسيكية والمسلسلات التلفزيونية. هذا الإرث يمنح أي مالك جديد قوة تفاوضية هائلة مع دور العرض وشبكات التلفزيون ومنصات البث.
في السنوات الأخيرة، واجهت وارنر براذرز، مثل بقية الاستوديوهات التقليدية، تحدي الانتقال من نموذج يعتمد على شباك التذاكر والإيرادات التلفزيونية، إلى نموذج هجين يُرضي جمهور البث الرقمي المتعطّش للمحتوى المتجدد، مع الحفاظ على عوائد السينما التي لا تزال مهمة في الأسواق العالمية.
لماذا تبدو الصفقة منطقية؟
من الناحية الاستراتيجية، استحواذ نتفليكس على وارنر براذرز سيحقق عدداً من المكاسب المحتملة:
- مكتبة ضخمة جاهزة: بدلاً من سباق شراء الحقوق من أطراف متعددة، تحصل نتفليكس على واحدة من أغنى المكتبات السينمائية والتلفزيونية.
- تنويع مصادر الدخل: من خلال استغلال الأفلام في دور العرض، وبيع الحقوق التلفزيونية، إلى جانب الاشتراكات الرقمية.
- قوة تفاوضية أكبر: في مواجهة مزودي خدمات الإنترنت، ومصنعي الأجهزة، والأسواق الإعلانية.
- تكامل إنتاجي: حيث يتم التخطيط للمحتوى منذ البداية ليعيش على أكثر من منصة وقناة توزيع، مع قدرة على استثمار النجاح في سلاسل وأعمال فرعية.
هذا النوع من التكامل يقرّب نتفليكس من نموذج شركات الإعلام العملاقة التقليدية، لكنه يمنحها في الوقت نفسه سرعة منصات التقنية وقدرتها على اتخاذ قرارات تعتمد على البيانات والتحليلات اللحظية.
قلق عالمي من احتكار جديد
أي صفقة بهذا الحجم لن تمر بهدوء لدى هيئات المنافسة ومكافحة الاحتكار، سواء في الولايات المتحدة أو أوروبا. تجارب سابقة مثل صفقة استحواذ ديزني على فوكس أثارت نقاشاً واسعاً حول تركّز القوة الإعلامية لدى عدد محدود من الشركات.
صحيفة The New York Times أشارت في تغطيات سابقة لصفقات اندماج إعلامية كبرى إلى أن الهيئات التنظيمية باتت أكثر حساسية تجاه أي اتفاق قد يؤثر على تنوع الأصوات الإعلامية أو يرفع أسعار الاشتراكات على المستهلكين.
في حالة نتفليكس ووارنر براذرز، السؤال الأبرز سيكون: هل يسمح الجمع بين منصة بث تهيمن على المشهد الرقمي واستوديو ضخم يمتلك حقوق شخصيات وسلاسل شهيرة بإضعاف المنافسة، أم أنه سيزيد من حدة التسابق على الابتكار بين اللاعبين الآخرين مثل ديزني+، وAmazon Prime Video، وParamount+؟
انعكاسات الصفقة على منصات البث المنافسة
إذا أصبحت نتفليكس مالكة لحقوق العديد من الأعمال التي تتوزع اليوم بين منصات مختلفة، فمن المرجح أن نشهد:
- إعادة تفاوض على عقود الترخيص الحالية، مع احتمال سحب بعض العناوين من منصات منافسة عند انتهاء المدد القانونية.
- دفع المنافسين إلى الاستثمار أكثر في المحتوى الأصلي أو في استحواذات مضادة، للحفاظ على قدرتهم على جذب المشتركين.
- قدوم موجة جديدة من الاندماجات بين منصات أصغر لمحاولة موازنة نفوذ نتفليكس الجديد.
تحليلات مواقع متخصصة مثل TechCrunch تؤكد منذ سنوات أن سوق البث لن يحتمل هذا العدد الكبير من اللاعبين على المدى الطويل، وأننا متجهون حتماً نحو مشهد أقل عدداً وأكثر تركّزاً.
ماذا يعني ذلك للمشاهد العربي؟
المنطقة العربية واحدة من أسرع أسواق البث نمواً، بحسب تقارير Deloitte وPwC عن الإعلام والترفيه. دخول نتفليكس إلى هذه الأسواق قبل سنوات فتح شهية المنافسين المحليين، فظهرت منصات مثل “شاهد” (MBC) و”OSN+” وغيرها، مع توسع كبير في إنتاج المسلسلات والأفلام العربية الأصلية.
استحواذ نتفليكس على وارنر براذرز سيحمل إلى المنطقة عدة آثار محتملة:
- وصول أوسع لمحتوى وارنر: من أفلام DC إلى الأعمال الكلاسيكية، مع توافرها غالباً مترجمة أو مدبلجة إلى العربية على منصة واحدة.
- منافسة أشرس مع المنصات العربية: خاصة في المواسم الرئيسية مثل رمضان، ما سيدفع الجميع لرفع جودة الإنتاج وتنوعه.
- فرص تعاون جديدة: شركات إنتاج عربية قد تجد نفسها أمام فرص شراكات مع كيان ضخم يجمع بين نتفليكس ووارنر براذرز، لإنتاج أعمال عربية بميزانيات أعلى وتوزيع عالمي أوسع.
في المقابل، هناك هواجس حقيقية من مزيد من ارتفاع أسعار الاشتراكات أو تشتيت المحتوى بين باقات مختلفة إذا قررت نتفليكس إطلاق مستويات اشتراك جديدة تتضمن محتوى وارنر المميز أو العروض السينمائية المبكرة.
فرص ومخاطر لصنّاع المحتوى العرب
تأثير أي صفقة كبرى في هوليوود لا يتوقف عند حدود الولايات المتحدة. صنّاع المحتوى العرب، من كتاب ومخرجين ومنتجين، باتوا اليوم جزءاً من سلسلة القيمة العالمية، مع انتشار منصات البث ووصول الأعمال العربية إلى جمهور دولي.
استحواذ بهذا الحجم قد يعني:
- ارتفاع سقف التوقعات من ناحية الجودة الفنية والتقنية، مما يضغط على شركات الإنتاج الصغيرة ذات الميزانيات المحدودة.
- تزايد فرص بيع حقوق الأعمال العربية لإعادة إنتاجها أو اقتباسها عالمياً، في ظل بحث المنصات عن قصص جديدة من ثقافات متنوعة.
- خطر ذوبان الهوية المحلية لبعض الأعمال إذا تم التعامل معها فقط كـ”محتوى قابل للتصدير” دون احترام خصوصية السياق الثقافي.
هنا تبرز أهمية وجود سياسات ثقافية وإعلامية عربية واعية، تدعم الإنتاج المحلي وتحفز الشراكات المتوازنة مع الشركات العالمية، بدلاً من الاكتفاء بدور المورد الرخيص للمحتوى.
إلى أين يتجه مشهد الترفيه الرقمي؟
سواء تمت صفقة استحواذ نتفليكس على وارنر براذرز أم لا، الرسالة واضحة: الحدود بين شركات التقنية وشركات الإعلام التقليدية تتلاشى بسرعة. من يملك المنصة يريد أن يملك المحتوى، ومن يملك المحتوى يبحث عن منصة أقوى للوصول إلى الجمهور.
بالنسبة للمشاهد العربي، السنوات المقبلة ستشهد سباقاً أكثر حدة بين العمالقة العالميين والمنصات الإقليمية، مع ازدياد أهمية المحتوى المحلي عالي الجودة كعامل حسم في قرار الاشتراك أو الإلغاء. أما لصنّاع القرار في المنطقة، فالاستجابة الذكية لهذا التحول تتطلب تشريعات مرنة، واستثمارات في البنية التحتية الرقمية، ودعماً ممنهجاً لصناعة المحتوى الإبداعي، حتى لا نكون مجرد متلقين لما يقرره الآخرون في هوليوود ووادي السيليكون.