المنزل الذكي ينتقل من الأوامر إلى “الأجواء”
التحكم في المنازل الذكية ظل لسنوات طويلة حبيس تطبيقات مليئة بالأزرار والإعدادات والسيناريوهات المعقّدة. المستخدم يضبط وقت الإضاءة، مستوى التكييف، إغلاق الستائر، تشغيل الموسيقى، ثم يكرر العملية لغرفة أخرى وأجواء أخرى. لكن جيلًا جديدًا من نماذج اللغة، مثل Claude من Anthropic، بدأ يقدّم مقاربة مختلفة بالكامل: التحكم في المنزل عبر وصف “الإحساس” أو الـ”vibe” المطلوب، بدلاً من كتابة قواعد برمجية أو التنقل بين عشرات القوائم.
ما هو “vibe-coding” في المنازل الذكية؟
مصطلح vibe-coding يشير إلى أسلوب جديد لتوليف سلوك الأجهزة يعتمد على وصف الحالة الشعورية أو الجو العام. بدلاً من أن يقول المستخدم: “شغّل الأضواء بنسبة 30% باللون الدافئ، واضبط المكيف على 24 درجة، وشغّل قائمة موسيقى هادئة”، يكفي أن يكتب أو يقول: “أريد جو قراءة هادئ في المساء بعد يوم عمل طويل”.
هنا يتولى نموذج لغوي مثل Claude قراءة هذا الوصف، ثم يحوّله إلى مجموعة من الأوامر المتناسقة للأجهزة: إضاءة خافتة، ألوان دافئة، درجة حرارة متوسطة، موسيقى كلاسيكية أو Lo-fi، وإشعار خافت في الهاتف فقط للحالات الطارئة. النتيجة هي تجربة أقرب لما يتخيله المستخدم في ذهنه، بدل أن يضطر إلى التفكير بلغة الأنظمة.
من سيناريوهات معقدة إلى وصف بسيط
منذ سنوات، منصات مثل Home Assistant وSmartThings وApple Home كانت تسمح ببناء “أتمتة” معقدة: إذا تجاوزت الحرارة رقمًا معيّنًا، وافتح الباب بعد السادسة مساءً، وقرب الهاتف من المنزل، فافعل كذا. هذه القوة جذبت المستخدمين المتقدمين، لكنها بقيت بعيدة عن المستخدم العادي.
التغيّر اليوم يكمن في أن نموذجًا لغويًا كبيرًا يمكنه:
- فهم تفاصيل حياة المستخدم اليومية (العمل، النوم، العائلة، الهوايات)
- استخلاص أنماط متكررة (وقت العودة من العمل، أوقات النوم، فترات الدراسة)
- تحويل هذه الأنماط إلى قواعد آلية دون أن يراها المستخدم على شكل كود
- تقديم هذه القواعد للمستخدم بلغة بسيطة: “هل تريد تفعيل وضع: مساء هادئ بعد العمل؟”
بهذا الشكل، “يكتب” Claude السيناريوهات بدلاً من المستخدم، لكن بلغة قريبة من الحديث اليومي.
تجربة شخصية: غرفة معيشة تتحول إلى استوديو مشاعر
أحد المستخدمين الذين جرّبوا دمج Claude مع نظام منزلي ذكي وصف تجربته بأنها “تحويل غرفة المعيشة إلى استوديو مشاعر”. ربط المنزل بنموذج Claude عبر واجهة برمجة تطبيقات (API)، ثم سمح له بالوصول إلى أجهزة الإضاءة الذكية، التكييف، مكبرات الصوت، والستائر.
في البداية، كتب أوامر وصفية مثل:
- “جو فيلم حماسي مع الأصدقاء ليلة الخميس”
- “صباح نشيط بنور الشمس وموسيقى متفائلة”
- “أجواء تركيز مطلقة للدراسة بدون أي إزعاج”
Claude حوّل كل وصف إلى سيناريو كامل:
- في وضع الفيلم: إضاءة خافتة تميل للون الأزرق، إغلاق الستائر، رفع مستوى الصوت، وتعطيل الإشعارات على التلفاز.
- في صباح نشيط: فتح الستائر تدريجيًا، رفع الإضاءة البيضاء، تشغيل قائمة موسيقى صباحية، ورفع التكييف إلى درجة منعشة.
- في أجواء التركيز: إضاءة قوية محايدة، إيقاف الإشعارات في الهاتف والمساعدات الصوتية، وتشغيل موسيقى بدون كلمات.
المثير في التجربة أن المستخدم لم يحتج إلى بناء قواعد زمنية أو منطقية معقّدة؛ كل ما فعله هو وصف ما يشعر به أو ما يريده بلغة طبيعية، ثم استجاب النظام بذكاء.
الدور الخفي لنماذج اللغة: ترجمان بين الإنسان والآلة
نماذج اللغة مثل Claude أو ChatGPT أو Gemini تقوم بدور “المترجم” بين الإنسان والآلة. خبراء في مجلة MIT Technology Review أشاروا إلى أن النموذج اللغوي أصبح طبقة وسيطة جديدة بين المستخدم والأنظمة الرقمية، قادرة على فهم الغموض والنية والسياق، وليس فقط الأوامر الصريحة (MIT Technology Review).
في سياق المنازل الذكية، هذه الطبقة الوسيطة تعني أن النظام لم يعد ينتظر أمرًا تقليديًا مثل “اضبط الإضاءة على 20%”، بل يستقبل أوصافًا عامة مثل: “أعِد الجو كما كان في آخر مرة استضفت فيها أصدقائي لمشاهدة مباراة”. النموذج يستحضر من الذاكرة الإعدادات التي استخدمت في تلك المناسبة، ويعيد توليفها دون أن يطلب من المستخدم تذكر التفاصيل.
السياق العالمي: من الأوامر الصوتية إلى المساعد الشخصي الحقيقي
المساعدات الصوتية التقليدية مثل Alexa وGoogle Assistant قدّمت خطوة مهمة نحو التحكم الصوتي، لكنها بقيت محدودة بقدرتها على فهم أوامر محددة مسبقًا. تقارير من The Verge وThe Information تشير إلى أن الشركات الكبرى تتسابق اليوم لإعادة بناء مساعداتها على أساس نماذج لغوية ضخمة قادرة على الحوار والفهم الأعمق للسياق (The Verge، The Information).
Anthropic من جهتها تطرح Claude كمساعد “آمن” و”متعاون”، مع تركيز خاص على الدقة وتقليل الاستجابات غير المتوقعة. في المنازل الذكية، هذا التركيز على الأمان ليس تفصيلًا ثانويًا، بل عنصر أساسي عندما يكون للنموذج صلاحية التحكم بأجهزة حيوية مثل الأقفال، الكاميرات، وأجهزة التكييف.
المنطقة العربية: فرصة قفزة نوعية أم فجوة جديدة؟
المنطقة العربية شهدت انتشارًا متسارعًا لأجهزة المنازل الذكية خلال السنوات الأخيرة، خاصة في دول الخليج. تقارير أسواق مثل IDC وStatista تضع الشرق الأوسط من بين الأسواق الأكثر نموًا في هذا المجال، مدفوعًا بمشاريع مدن ذكية واستثمارات في البنية التحتية المتقدمة.
لكن التحدي يتجاوز الأجهزة إلى لغة التفاعل. كثير من الأنظمة الحالية لا تزال ضعيفة في فهم العربية، خصوصًا اللهجات المحلية. هنا تظهر أهمية نماذج مثل Claude التي بدأت تدعم العربية بدرجات متفاوتة من الفهم، وتفتح الباب أمام بناء أنظمة تحترم السياق الثقافي واللغوي للمنطقة.
تخيّل مستخدمًا في الرياض أو القاهرة يقول ببساطة:
- “جو سهرة عائلية خفيف بعد العشاء”
- “مزاج مذاكرة للثانوية العامة، بدون إزعاج نهائي”
- “استعداد لاستقبال الضيوف يوم الجمعة”
إذا فهم النظام خلفية هذه الجمل وعادات كل منزل، يمكنه تقديم تجربة شخصية حقيقية، وليس مجرد تفعيل بضعة لمبات.
أسئلة الخصوصية والأمان: من يتحكم فعليًا بالمنزل؟
كلما زادت قدرة النماذج اللغوية على فهم تفاصيل حياتنا اليومية، زادت الأسئلة حول الخصوصية والأمان. تقارير من BBC وWired نبهت إلى أن أنظمة المنازل الذكية تجمع بالفعل كمًا هائلًا من البيانات عن عادات النوم، الحضور في المنزل، وأنماط الاستهلاك، ما يجعلها هدفًا مغريًا للهجمات السيبرانية (BBC، Wired).
مع دخول نماذج اللغة إلى المعادلة، تصبح الصورة أكثر تعقيدًا:
- النموذج قد يحتاج إلى الوصول لسجلات الاستخدام السابقة لفهم “الجو” المفضل لكل حالة.
- بعض المعالجة قد يتم على خوادم سحابية خارج المنزل، ما يطرح سؤالًا عن مكان تخزين البيانات ومن يملك حق الوصول إليها.
- الاعتماد المفرط على الأتمتة قد يخلق ثغرات، مثل تشغيل أجهزة في أوقات غير مناسبة إذا فُهم السياق بشكل خاطئ.
خبراء أمن المعلومات ينصحون، وفق تقارير متفرقة، بوضع طبقة تحكم واضحة: صلاحيات محددة للنموذج، وتأكيد يدوي لأي إجراء حساس، مثل فتح الأبواب أو إيقاف أنظمة الأمان.
من الهواة إلى المستخدم العادي: تبسيط التعقيد
حتى وقت قريب، بناء “منزل ذكي متكامل” كان مشروعًا للهواة المتقدمين أو الشركات المتخصصة. يتطلب معرفة بالشبكات، بروتوكولات الاتصال، وربط منصات مختلفة. اليوم، يعِد مفهوم “vibe-coding” بجعل كل ذلك خلف الكواليس.
المستخدم العادي يريد ببساطة أن يقول:
- “أريد أن أشعر أني في مقهى هادئ للعمل”
- “أريد أن يهدأ البيت تلقائيًا عندما ينام الأطفال”
المهندس اللبناني علي م. (اسم مستعار)، الذي يعمل في مجال أنظمة التحكم، يعلّق قائلًا: “الفرق الحقيقي هنا هو أن المستخدم لم يعد مجبرًا على التفكير كمهندس. هو يعبّر عن ما يريده بالعربية الدارجة، والنظام يترجم ذلك إلى منطق آلي معقد. هذا يفتح الباب أمام تبنٍ أوسع بكثير للمنازل الذكية في المنطقة”.
الاحتمالات المقبلة: منزل يفهم مزاجك قبل أن تعبّر عنه
خطوة “vibe-coding” قد تكون مجرد بداية. شركات التقنية تتجه نحو دمج نماذج اللغة مع:
- مستشعرات متقدمة للحركة والضوء والصوت
- تحليلات استهلاك الطاقة
- سجلات التقويم والمواعيد
بهذا الدمج، يمكن للمنزل أن يتوقع الأجواء المناسبة قبل أن يُطلب منه ذلك: إذا لاحظ أن المستخدم يعود متأخرًا مرهقًا في أيام معينة، قد يضبط الإضاءة والموسيقى ودرجة الحرارة مسبقًا لاستقبال “مزاج التعب بعد يوم طويل”.
لكن هذا المستقبل يظل معلّقًا بقدرة الشركات على تحقيق توازن بين الذكاء والخصوصية، وبين الراحة والتحكم، وبين الأتمتة والاختيار البشري الواعي.
خلاصة: من برمجة المنزل إلى محاورته
تجربة استخدام Claude في المنازل الذكية تكشف عن تحوّل جذري في الطريقة التي نتعامل بها مع التقنية المنزلية. بدلاً من برمجة المنزل، أصبح بالإمكان محاورته، ووصف ما نريده منه بلغة قريبة من إحساسنا اليومي. هذا التحوّل يحمل وعودًا كبيرة بتبسيط الحياة الرقمية في البيت العربي، لكنه يطرح في الوقت نفسه أسئلة جادة حول الخصوصية، والاعتمادية، وحدود الأتمتة في أكثر مساحة شخصية نملكها: المنزل.
المراجع
- MIT Technology Review
- The Verge
- The Information
- BBC
- Wired
- IDC
- Statista