أسبوع قاسٍ لوول ستريت… والسبب: الذكاء الاصطناعي
تراجُع واحد لا ينسى في البورصات العالمية كفيل بأن يغيّر نبرة الحديث عن صناعة التكنولوجيا بالكامل. خلال أيام قليلة فقط، اختفى ما يقارب تريليون دولار من قيمة شركات البرمجيات والتقنية المدرجة في وول ستريت. المصطلحات الساخرة التي ابتكرها المتداولون لوصف ما حدث – مثل “SaaSmegadon” و”SaaSpocalypse” – تعكس حجم القلق، وربما الصدمة، من مستقبل البرمجيات في عصر الذكاء الاصطناعي.
مؤشر ناسداك خسر نحو 2%، لكن الضربة الأكبر جاءت لقطاع البرمجيات نفسه؛ شركات البرمجيات السحابية (SaaS) هبطت بنحو 6% خلال أسبوع واحد، وأسهم أسماء راسخة مثل Salesforce وAdobe تراجعت بشكل ملحوظ. حتى Nvidia، نجمة طفرة الذكاء الاصطناعي، فقدت قرابة 9% من قيمتها، بينما تراجع سهم AMD بنحو 15%، وفق بيانات تداول رصدتها تقارير مالية متطابقة.
السؤال الذي يفرض نفسه: لماذا ترتجف ثقة المستثمرين في وقت يفترض أن يكون الذكاء الاصطناعي فيه أكبر محرّك لنمو شركات البرمجيات؟
من “اشتروا كل شيء” إلى مرحلة الأسئلة الصعبة
حتى وقت قريب، كانت القصة بسيطة: الذكاء الاصطناعي فرصة استثنائية، وكل شركة ترفع شعار AI تستحق تقييمات فلكية. لكن الأسواق لا تعيش على الحماس إلى الأبد. ما حدث في الأسبوع الأخير يبدو كأنه صحوة مفاجئة من نشوة طويلة؛ انتقال من مرحلة الانبهار بالتقنية إلى مرحلة محاسبة الأرقام.
التقارير الصادرة عن بيوت استثمار عالمية تشير إلى تقديرات بإنفاق شركات التكنولوجيا الكبرى ما يصل إلى 600 مليار دولار على مشروعات البنية التحتية للذكاء الاصطناعي بحلول 2026: مراكز بيانات، رقائق متقدمة، شبكات ألياف ضوئية، وتوسعة هائلة لقدرات الحوسبة السحابية. هذا الرقم الضخم جعل المستثمرين يطرحون سؤالاً مباشراً: أين العائد؟ ومتى سيظهر على القوائم المالية؟
غياب إجابات مقنعة قصيرة الأجل حوّل الحماس إلى قلق، خاصة أن كثيرًا من هذه الاستثمارات تُسجّل الآن كتكلفة، بينما الإيرادات المستقبلية لا تزال في خانة التوقعات.
سببان عميقان وراء الخوف من مستقبل البرمجيات
1. كلفة بنية تحتية تبدو بلا قاع واضح
جزء كبير من التوتر الحالي يتعلّق بطبيعة سباق التسلّح في الذكاء الاصطناعي. شركات مثل Google وMicrosoft وMeta تضخ مليارات في مراكز بيانات عملاقة وحواسيب متخصّصة تعتمد على وحدات معالجة رسومية (GPU) متقدمة. تقارير Reuters وFinancial Times تشير إلى أن إنفاق هذه الشركات على البنية التحتية يفوق في بعض الحالات نمو إيراداتها من خدمات الذكاء الاصطناعي نفسها.
من منظور المستثمر، المعادلة اليوم غير متوازنة: تكاليف رأسمالية ضخمة، مع وضوح محدود حول نماذج الإيرادات المستدامة. إذا كانت أرباح البرمجيات التقليدية قائمة على اشتراكات متكررة وهوامش ربح مرتفعة، فإن خدمات الذكاء الاصطناعي الكبرى لا تزال تبحث عن نموذج تسعير يمكنه تغطية فواتير الحوسبة الهائلة.
2. خوف أعمق: هل يحل الذكاء الاصطناعي محل البرمجيات نفسها؟
الخوف الأكثر جذرية لا يتعلّق بالكلفة فقط، بل بطبيعة المنتج ذاته. لعقود، كانت شركات SaaS تُقدّم تطبيقات متخصّصة لإدارة المبيعات، والموارد البشرية، والتصميم، والمحاسبة، وغيرها. اليوم، يظهر نموذج مختلف: “وكلاء” و”مساعدون” بالذكاء الاصطناعي قادرون – نظرياً – على إنجاز المهام مباشرة دون الحاجة إلى واجهات برمجية معقدة.
إذا كان بوسع مستخدم أن يطلب من وكيل ذكي إدارة الفواتير، وتجهيز العروض، وتحليل بيانات المبيعات، وربما حتى تصميم المواد التسويقية، فهل يظل مستعداً لدفع عشرات أو مئات الدولارات شهرياً لاشتراكات متعددة في أدوات متناثرة؟
ظهور منصات تتيح بناء تطبيقات مخصصة بخطوات قليلة اعتماداً على نماذج لغوية متقدمة يضيف الزيت إلى النار. الفكرة المرعبة للمستثمر أن عميل الغد قد يستبدل عدة منصات SaaS بحل واحد مرن قائم على الذكاء الاصطناعي، أو يقوم ببناء ما يحتاجه بنفسه بجهد محدود.
ما الذي يقوله خبراء البرمجيات عن هذا القلق؟
جيسون ليمكين، مؤسس مجتمع SaaStr وأحد أبرز الأصوات في عالم اشتراكات البرمجيات، حذّر في تحليل مطوّل من موجة ضغط قد تستهدف أسهم شركات SaaS في 2026 إذا لم تُظهر نماذج أعمال مقنعة في عالم AI. ليمكين يشير إلى أن “بناء الإصدار الأول من المنتج لا يتجاوز 2% من العمل، بينما تمثّل الصيانة، والدعم، والتكاملات، والتحسينات 98%”، في إشارة إلى أن أدوات الذكاء الاصطناعي قد تُجيد توليد نسخة أولية، لكنها لا تعوّض خبرة عقود من التطوير المؤسسي.
مع ذلك، السوق لا تتعامل دائماً مع التفاصيل الفنية؛ ما يهم المستثمر في هذه المرحلة هو مستوى اليقين حول قدرة شركات البرمجيات على حماية هوامشها وربحيتها في عالم تتغيّر فيه تفضيلات المستخدمين بسرعة.
فرصة أم تهديد؟ قراءة مختلفة لمستقبل SaaS
إذا كانت زاوية وول ستريت اليوم مشبعة بالخوف، فهناك قراءة أخرى أكثر توازناً ترى الذكاء الاصطناعي كطبقة جديدة فوق البرمجيات، لا كبديل كامل لها. كثير من المحللين في مواقع مثل TechCrunch وThe Information يشيرون إلى أن:
- الشركات التي تدمج الذكاء الاصطناعي بعمق داخل منتجاتها قد تزيد من ولاء العملاء، وترفع الأسعار، وتفتح أسواقاً جديدة.
- المنافسة لن تكون فقط بين البرمجيات التقليدية والذكاء الاصطناعي، بل بين شركات SaaS القادرة على إعادة ابتكار نفسها وتلك التي تكتفي بتغييرات تجميلية.
- التكاملات مع نظم الشركات القائمة، والامتثال التنظيمي، والأمن، وخبرة المجال، تظل عناصر يصعب على حلول عامة مدعومة بالذكاء الاصطناعي أن تعوّضها سريعاً.
من هذه الزاوية، الذكاء الاصطناعي لا يلغى الحاجة إلى البرمجيات، بل يرفع سقف التوقعات منها، ويفرض تحولاً من بيع “نظام” إلى تقديم “نتيجة” ملموسة مدعومة بالبيانات والأتمتة.
وول ستريت ترسل رسالة واضحة
الموجة الأخيرة من الهبوط في أسهم شركات البرمجيات ليست حكماً نهائياً على مستقبلها، لكنها رسالة صريحة من الأسواق: لا يكفي رفع شعار الذكاء الاصطناعي أو استعراض مئات الملايين من الدولارات في موازنات الاستثمارات. المطلوب قدرة حقيقية على تحويل هذه الاستثمارات إلى إيرادات مستدامة، ومنتجات تجعل المستخدمين أقل تعقيداً وأكثر إنتاجية.
السنوات القليلة المقبلة ستكون اختباراً حقيقياً لشركات البرمجيات حول العالم، وفي المنطقة العربية أيضاً. من ينجح في إعادة تعريف نفسه كمنصة تقدم قيمة موجهة بالذكاء الاصطناعي سيجد لنفسه مكاناً في الخريطة الجديدة. أما من يراهن على أن الأمور ستبقى كما كانت، فقد يجد أن موجة الذكاء الاصطناعي لا ترحمه، سواء كان مستثمراً أو شركة أو حتى مطوراً فردياً.
المراجع
- Reuters
- Financial Times
- TechCrunch
- The Information
- SaaStr / Jason Lemkin