تسريح واسع في أوراكل تحت عنوان الاستثمار في الذكاء الاصطناعي
بدأت شركة أوراكل الأمريكية العملاقة في مجال البرمجيات وقواعد البيانات تنفيذ جولة واسعة من تقليص الوظائف، تطال – بحسب تقديرات أولية – آلاف الموظفين حول العالم، في وقت ترفع فيه الشركة إنفاقها على البنية التحتية للذكاء الاصطناعي والحوسبة السحابية.
بحسب تقرير لهيئة الإذاعة البريطانية BBC، نقلًا عن موظف في الشركة لم يُذكر اسمه، فإن نحو 10 آلاف موظف فقدوا وظائفهم حتى الآن، ضمن قوة عاملة يبلغ عددها نحو 162 ألف موظف على مستوى العالم، بينما ما تزال عمليات التسريح مستمرة ولم تعلن الشركة عن رقم رسمي نهائي بعد. (BBC)
تأتي هذه الخطوة فيما تحاول أوراكل طمأنة المستثمرين بأن رهاناتها على البنية التحتية للذكاء الاصطناعي – خاصة مراكز البيانات والخدمات السحابية الموجهة لنماذج الذكاء الاصطناعي الضخمة – ستترجم إلى نمو مربح ومستدام في السنوات المقبلة.
خلفية: شركة عريقة تبحث عن موقع متقدم في عصر السحابة والذكاء الاصطناعي
أوراكل، التي تُقدَّر قيمتها السوقية بأكثر من 420 مليار دولار ومقرها في أوستن بولاية تكساس، تُعَد من أقدم اللاعبين في عالم البرمجيات المؤسسية وقواعد البيانات. لكن المنافسة الشرسة في الحوسبة السحابية من عمالقة مثل أمازون (AWS) ومايكروسوفت (Azure) وغوغل كلاود دفعت الشركة خلال السنوات الأخيرة إلى إعادة تموضع استراتيجي، مع التركيز على تقديم بنية تحتية سحابية موجهة لتحمّل أحمال الذكاء الاصطناعي وتدريب النماذج الضخمة.
الشركة يرأس مجلس إدارتها الملياردير لاري إليسون، أحد أغنى رجال الأعمال في قطاع التقنية، والذي تُقدّر فوربس ثروته بنحو 189 مليار دولار، ما يجعله سادس أغنى شخص في العالم وفق أحدث التصنيفات المتاحة. إليسون كان من أوائل من تحدثوا علنًا عن رؤية تجعل من أوراكل لاعبًا أساسيًا في استضافة نماذج الذكاء الاصطناعي، وليس مجرد مزود تقليدي لقواعد البيانات.
«تقليص كبير للقوة العاملة» وتصاعد القلق بين الموظفين
مؤشرات القلق الداخلي ظهرت إلى العلن عبر منصات التواصل الاحترافية. مايكل شيبرد، أحد المدراء في أوراكل، نشر على منصة لينكدإن وصفًا لما يجري بأنه «تقليص كبير للقوة العاملة» (Significant reduction in force)، مؤكدًا أنه شخصيًا لم يتأثر بالجولة الحالية من التسريحات، وفق ما نقلته BBC.
مثل هذه المنشورات عادة لا تظهر من فراغ؛ فهي تعكس حالة من الضبابية يعيشها الموظفون، حيث تتسارع الأخبار الداخلية أكثر من البيانات الرسمية. وحتى لحظة كتابة هذا التحليل، لا توجد أرقام مؤكدة من أوراكل حول عدد الوظائف التي سيتم الاستغناء عنها ولا التوزيع الجغرافي والوظيفي الدقيق لها.
استثمار ضخم في مراكز بيانات الذكاء الاصطناعي
خلفية هذه القرارات تعود إلى سباق عالمي محموم لبناء مراكز بيانات قادرة على تشغيل وتدريب نماذج الذكاء الاصطناعي التوليدي، التي تتطلب قدرة حسابية هائلة واستهلاكًا كبيرًا للطاقة. الشركات الكبرى في وادي السيليكون بدأت بالفعل في إعادة توزيع إنفاقها من بعض خطوط الأعمال التقليدية إلى البنية التحتية السحابية الموجهة للذكاء الاصطناعي.
تقارير عدة من Reuters وThe Wall Street Journal على مدار الأشهر الماضية أشارت إلى أن أوراكل عقدت شراكات لاستضافة أعباء عمل ذكاء اصطناعي لصالح شركات تطوير نماذج ضخمة، في محاولة للاستفادة من الطلب المتسارع على السحابة المتخصصة. هذا التوجه يحتاج إلى مليارات الدولارات من الاستثمارات في الخوادم، والشرائح المتقدمة (خاصة من NVIDIA وغيرها)، والبنية التحتية للشبكات والتبريد.
تاريخيًا، كل موجة تكنولوجية جديدة كبرى تجلب معها إعادة هيكلة في الشركات، تتضمن تقليص فرق قديمة وتوسيع أخرى جديدة. ما يحدث في أوراكل اليوم يعيد إلى الأذهان جولات التسريح التي نفذتها شركات مثل مايكروسوفت وغوغل وميتا وأمازون خلال 2022 و2023، والتي ربطت معظمها بجهود «إعادة التركيز على الذكاء الاصطناعي والسحابة» وخفض التكاليف التشغيلية.
لماذا تلجأ الشركات الكبرى لتسريح الآلاف رغم أرباحها الضخمة؟
من منظور اقتصادي، لا يعني التسريح أن الشركة في أزمة مالية مباشرة، بل قد يكون جزءًا من إدارة رأس المال بكفاءة أعلى. الشركات العامة مثل أوراكل تخضع لضغط مستمر من المساهمين لرفع هامش الربح وتحسين عائد السهم، خاصة عندما تدخل مراحل استثمار كثيف في مجالات جديدة.
التحليل الذي يقدمه خبراء في أسواق المال – كما يتضح من تقارير منصات مثل CNBC – يشير إلى أن إدارة النفقات الجارية باتت أداة أساسية لتوفير مساحة مالية تسمح بزيادة الإنفاق الرأسمالي على مراكز البيانات والشرائح المتقدمة. بمعنى آخر: تُخفض الشركات تكاليف الرواتب في أقسام معينة لتستثمر في معدات وسعات حوسبية جديدة.
إضافة إلى ذلك، يؤدي التطور السريع في أدوات الأتمتة والذكاء الاصطناعي نفسها إلى تغيير طبيعة بعض الوظائف، ما يفتح الباب لتقليص فرق تقليدية واستبدالها بعمليات أكثر اعتمادًا على البرمجيات والتحليلات الذكية.
تداعيات محتملة على سوق العمل التقني عالميًا
سوق التقنية العالمي يعيش مفارقة لافتة: من جهة، الطلب على خبرات الذكاء الاصطناعي، وعلوم البيانات، والبنية السحابية، والأمن السيبراني في ارتفاع مستمر؛ ومن جهة أخرى، يواجه آلاف الموظفين في مجالات أخرى – مثل المبيعات التقليدية، والدعم، وإدارة المنتجات القديمة – خطر فقدان وظائفهم.
تجارب السنوات الأخيرة أظهرت أن جولات التسريح الواسعة في شركات كبرى غالبًا ما تعقُبها موجة إعادة توظيف جزئية في تخصصات أكثر تقدمًا، مع عروض أعلى للمهارات النادرة، وأقل للمهارات العامة. هذه الديناميكية قد تدفع كثيرين من العاملين في التقنية لإعادة تأهيل أنفسهم، والتوجه نحو مجالات أكثر عمقًا في الذكاء الاصطناعي والهندسة السحابية.
كيف ينعكس ما يحدث في أوراكل على المنطقة العربية؟
الوجود المباشر لأوراكل في المنطقة العربية يشمل مراكز بيانات سحابية في دول مثل السعودية والإمارات، إلى جانب مكاتب تمثيلية ودعم فني في عدد من العواصم العربية. حتى الآن، لا توجد معلومات علنية دقيقة حول مدى تأثير جولة التسريح الحالية على فرق الشركة في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا.
لكن يمكن رصد بعض التأثيرات غير المباشرة:
- تحول في نوعية الوظائف المتاحة: الفرص الجديدة التي قد تفتحها أوراكل أو شركاؤها في المنطقة ستكون في الأغلب مرتبطة بخدمات السحابة والذكاء الاصطناعي، على حساب الأدوار التقليدية المرتبطة بالمنتجات القديمة.
- ضغط على الشركات المحلية: المؤسسات العربية التي تعتمد على حلول أوراكل قد تشهد تغييرات في قنوات الدعم والاستشارات، مع احتمالية أكبر للاعتماد على شركاء محليين أو مزودي خدمات سحابية مختلطة.
- فرص للشركات الناشئة: فراغات معينة في الخدمات أو حلول التخصيص قد تُفتح أمام شركات ناشئة عربية تقدم حلولًا متخصصة مبنية على سحابة أوراكل أو سحابات منافسة.
دروس لصانعي السياسات والعاملين في التقنية عربيًا
ما يجري في أوراكل وغيرِها من عمالقة التقنية يحمل رسائل مباشرة لصانعي السياسات والمهنيين في المنطقة:
- الاستثمار في المهارات المستقبلية: التركيز على برامج تدريب وتعليم مستمر في مجالات علوم البيانات، وهندسة البنية السحابية، وأمن المعلومات، وهندسة المنصات، بدل الاكتفاء بالبرمجة العامة أو إدارة الأنظمة التقليدية.
- بناء بنية تحتية محلية: من مصلحة الدول العربية تشجيع بناء مراكز بيانات محلية وشراكات متوازنة مع الشركات العالمية، لضمان سيادة البيانات وتقليل الاعتماد الكامل على قرارات الشركات العابرة للحدود.
- مرونة سوق العمل: تحديث الأطر التنظيمية لتسهيل انتقال الموظفين بين القطاعات، ودعم برامج إعادة التأهيل المهني مع كل موجة تكنولوجية جديدة.
مستقبل أوراكل بين رهان الذكاء الاصطناعي ومخاطر التسريح
من الواضح أن أوراكل تحاول أن تثبت للمستثمرين أنها لن تكتفي بدور «اللاعب التقليدي» في سوق قواعد البيانات، بل تسعى لموقع متقدم في البنية التحتية للذكاء الاصطناعي، حيث يتوقع أن تتدفق مليارات الدولارات خلال العقد القادم.
لكن الثمن الاجتماعي لهذه التحولات يبقى حاضرًا بقوة؛ آلاف الموظفين حول العالم يجدون أنفسهم خارج المنظومة في وقت قصير، ما يفتح نقاشًا أوسع حول توازن الشركات بين تعظيم أرباح المساهمين وحماية الأمن الوظيفي للعاملين لديها.
الأسئلة الأهم للعالم العربي ليست فقط: كم عدد الموظفين الذين ستستغني عنهم أوراكل؟ بل: كيف يمكن الاستفادة من هذه التحولات لبناء كفاءات محلية تستطيع أن تكون جزءًا من الجيل الجديد للبنية التحتية السحابية والذكاء الاصطناعي، بدل أن تبقى في موقع المتفرج على قرارات تُتخذ في وادي السيليكون ثم تُصدَّر إلى بقية العالم.