تحذيرات مبكرة من موجة أتمتة غير مسبوقة
تشير تقديرات بحثية حديثة إلى أن الذكاء الاصطناعي التوليدي لا يغيّر فقط طريقة العمل، بل قد يغيّر خريطة الوظائف عالميًا. تقرير مشترك صادر عن بنك الاستثمار الأمريكي جولدمان ساكس بالتعاون مع باحثين من جامعات أمريكية مرموقة، رجّح أن تؤثر تقنيات الذكاء الاصطناعي التوليدي في ما يصل إلى 300 مليون وظيفة حول العالم، سواء عبر الأتمتة الجزئية لبعض المهام أو الاستغناء الكامل عن بعضها الآخر.
هذه الأرقام لا تعني بالضرورة اختفاء هذا العدد الهائل من الوظائف دفعة واحدة، لكنها تعكس حجم التحول المتوقع في أسواق العمل، خاصة في المهن المكتبية والخدمية التي تعتمد بكثافة على معالجة المعلومات والمهام الروتينية.
ما الذي يميز الذكاء الاصطناعي التوليدي عن موجات الأتمتة السابقة؟
عبر العقود الماضية، ارتبطت الأتمتة عادة بالروبوتات الصناعية وخطوط الإنتاج في المصانع. أما الذكاء الاصطناعي التوليدي، فيطال لأول مرة وبشكل مباشر وظائف مكتبية ومهارية كان يُنظر إليها طويلاً على أنها “آمنة” نسبيًا من الأتمتة.
هذه الأنظمة قادرة على كتابة نصوص، توليد صور وفيديوهات، إنتاج كود برمجي، تلخيص مستندات، والإجابة عن استفسارات معقّدة بلغة طبيعية. وبفضل منصات مثل ChatGPT وCopilot وClaude وغيرها، باتت هذه القدرات متاحة لشريحة واسعة من المستخدمين والشركات بواجهة بسيطة لا تتطلب خبرة تقنية عميقة.
وفقًا لتقرير جولدمان ساكس، يمكن أتمتة نسبة ملحوظة من مهام موظفي المكاتب، والمحاسبة، والدعم الإداري، وخدمة العملاء، وحتى بعض أنشطة التحليل القانوني والمالي. الفكرة الأساسية ليست أن الدور البشري سيختفي تمامًا، بل أن جزءًا كبيرًا من عبء العمل يمكن أن يُنقل إلى أنظمة ذكية قادرة على الإنجاز أسرع وبكلفة أقل.
قلق متصاعد في أوروبا: النقابات تدخل على الخط
في أوروبا، بدأت النقابات العمالية دق ناقوس الخطر مبكرًا. تقارير وتحليلات نشرتها هيئة الإذاعة البريطانية BBC، منها موضوع تحليلي موسع حول مخاوف النقابات من تسارع الاعتماد على الأنظمة الذكية في قطاعات مثل خدمة العملاء والإعلام والبرمجة، أبرزت أن المسألة لا تتعلق بالخوف من التقنية نفسها، بل من طريقة إدارتها تشريعيًا ومهنيًا.
ممثلو العمال في بعض الدول الأوروبية يطالبون اليوم بإشراكهم في قرارات إدخال الذكاء الاصطناعي إلى بيئة العمل، لضمان أن الأتمتة لن تتحول ببساطة إلى وسيلة لخفض التكاليف عبر الاستغناء عن الموظفين، دون خطط واضحة لإعادة التدريب أو توفير مسارات وظيفية جديدة.
في قطاعات الإعلام، بدأت بعض المؤسسات تجربة أنظمة توليد النصوص في تحرير الأخبار القصيرة أو صياغة العناوين الأولية، ما أثار نقاشًا حادًا حول جودة المحتوى، وحقوق المؤلف، وأجور الصحفيين المستقلين. وفي عالم البرمجة، بات من الشائع أن تعتمد فرق التطوير على أدوات مساعدة ذكية تقترح الشيفرة وتكشف الأخطاء، ما يطرح سؤالًا عن مستقبل مطوري البرمجيات المبتدئين الذين كانوا يتعلمون عبر المهام البسيطة المتكررة.
BBC تناولت أيضًا جانبًا آخر من المخاوف: اتساع الفجوة بين الشركات الكبرى القادرة على الاستثمار في تقنيات الذكاء الاصطناعي، وبين الشركات الصغيرة والمتوسطة التي قد تجد نفسها مضطرة للحاق بالركب دون امتلاك الموارد أو الخبرة اللازمة.
كيف يبدو المشهد في المنطقة العربية؟
رغم أن معظم الدراسات الكمية حول تأثير الذكاء الاصطناعي على الوظائف تتركز على أوروبا وأمريكا الشمالية، فإن اتجاهات الاستخدام في المنطقة العربية تشير إلى أن الموجة نفسها قادمة، وإنْ بوتيرة مختلفة من بلد لآخر.
في دول الخليج، حيث تسير خطط التحول الرقمي بسرعة كبيرة، أعلنت جهات حكومية وخاصة عن تبني حلول ذكاء اصطناعي في قطاعات مثل الخدمات الحكومية الإلكترونية، التعليم، الرعاية الصحية، والخدمات البنكية. شركات اتصالات وبنوك ومؤسسات حكومية باتت تعتمد على روبوتات محادثة ذكية للرد على استفسارات العملاء على مدار الساعة، ما يقلل الحاجة إلى طواقم كبيرة في مراكز الاتصال.
في المقابل، تُظهر العديد من أسواق العمل العربية اعتمادًا كبيرًا على الوظائف الإدارية والروتينية في القطاعين العام والخاص. هذه الوظائف تحديدًا هي الأكثر عرضة للتأثر عندما تبدأ المؤسسات في أتمتة إجراءاتها بشكل كامل، من الأرشفة إلى معالجة الطلبات وإصدار الموافقات الإلكترونية.
التحدي الإضافي في المنطقة هو الفجوة في مهارات الرقمنة والتحليل والبرمجة المتقدمة. فبينما تتطلب الوظائف الجديدة المرتبطة بالذكاء الاصطناعي قدرات عالية في العلوم والتقنية والرياضيات، ما زالت أنظمة التعليم في كثير من الدول العربية تواجه صعوبات في مواكبة هذا التحول، سواء من حيث المناهج أو البنية التحتية أو تدريب المعلمين.
هل سيُلغى العمل أم سيُعاد تشكيله؟
بعض الخبراء يرون أن الحديث عن “اختفاء 300 مليون وظيفة” قد يكون مضللًا إذا نُظر إليه خارج سياقه. تاريخيًا، كل موجة تكنولوجية كبيرة – من الميكنة في الزراعة إلى الحواسيب والإنترنت – ألغت فئات من الوظائف وخلقت أخرى جديدة في المقابل.
الفارق هذه المرة هو سرعة التغيير واتساع نطاقه. أستاذة الاقتصاد في MIT، دَرُون أَسيموغلو وزملاؤها، يشيرون في أبحاث منشورة إلى أن نتائج الأتمتة تعتمد بدرجة كبيرة على السياسات العامة: هل يتم استثمار مكاسب الإنتاجية في تدريب العمال وخلق وظائف جديدة ذات قيمة مضافة، أم تُوجَّه بالكامل إلى خفض التكاليف وتعظيم أرباح رأس المال؟
السيناريو الواقعي على الأرجح خليط من الاثنين: ستختفي بعض الوظائف، خاصة تلك المعتمدة على التكرار والحفظ ونقل المعلومات كما هي، في حين ستظهر وظائف تتطلب الإشراف على الأنظمة الذكية، تحسينها، تغذيتها بالبيانات، وفهم مخرجاتها في سياقات تجارية وقانونية وأخلاقية.
قطاعات مرشحة للتأثر المباشر
1. خدمة العملاء ومراكز الاتصال
روبوتات المحادثة المتقدمة أصبحت قادرة على فهم لهجات متعددة والتعامل مع استفسارات معقدة نسبيًا. في حال استمرار تحسن هذه الأنظمة باللغة العربية، قد تصبح وظائف خدمة العملاء من أكثر المجالات تعرضًا للأتمتة، مع بقاء الحاجة إلى فرق بشرية أصغر للتعامل مع الحالات الخاصة والشكاوى المعقدة.
2. الإعلام وصناعة المحتوى
وكالات أنباء عالمية بدأت بالفعل في استخدام أنظمة توليد النصوص لإعداد تقارير آلية عن نتائج الشركات أو المباريات الرياضية أو بيانات الأسواق المالية. في العالم العربي، يمكن أن تمتد هذه التجارب إلى تحرير الأخبار العاجلة، تلخيص المقالات، وصياغة نسخ متعددة للإعلانات الرقمية، ما يضغط على وظائف المحررين التقليديين، ويعيد تشكيل دور الصحفي باتجاه التحقيق والبحث والتحليل العميق.
3. البرمجة وتطوير البرمجيات
أدوات مثل GitHub Copilot قدمت نموذجًا عمليًا لكيفية تحويل المبرمج من كاتب لكل سطر من الشيفرة إلى مصمم ومراجع للشيفرة المقترحة آليًا. هذا التحول قد يقلل الحاجة إلى أعداد كبيرة من المطورين في المهام البسيطة، لكنه يرفع الطلب على المطورين القادرين على تصميم حلول معقدة، وفهم بنية الأنظمة، وضمان أمنها واعتماديتها.
ما الذي يمكن فعله عربيًا لتقليل المخاطر وتعظيم الفوائد؟
إدارة تأثير الذكاء الاصطناعي التوليدي على الوظائف لا تتعلق بمنع التقنية، بل بتوجيه استخدامها. بالنسبة للدول العربية، يمكن تلخيص أهم المسارات في نقاط عملية:
- تحديث التعليم والتدريب المهني: إدخال مهارات البيانات والبرمجة والتفكير النقدي وحل المشكلات إلى المناهج بشكل مبكر، وتوفير برامج تدريب قصيرة للعاملين الحاليين على استخدام أدوات الذكاء الاصطناعي بدل منافستها.
- سياسات عمل مرنة: وضع أطر تنظيمية تُشجّع الشركات على إعادة تأهيل الموظفين المعرضين لخطر الأتمتة، بدل الاستغناء الفوري عنهم، عبر حوافز ضريبية أو دعم حكومي لبرامج التدريب.
- الاستثمار في البنية التحتية الرقمية: تحسين الوصول إلى الإنترنت عالي السرعة والخدمات السحابية في مختلف المناطق، بما يسمح للشركات الصغيرة والمتوسطة بالاستفادة من تقنيات الذكاء الاصطناعي دون تكاليف ضخمة.
- دعم المحتوى العربي: تشجيع تطوير نماذج لغوية متقدمة للغة العربية، مع مراعاة الخصوصية الثقافية والقانونية، ما يفتح أسواقًا جديدة ووظائف متخصصة في التعريب، وإدارة البيانات، وتجربة المستخدم.
التهديد الحقيقي قد لا يكون في الذكاء الاصطناعي نفسه، بل في التخلف عن استيعابه. الدول والشركات التي تبني استراتيجيات مبكرة للتكيف معه وتحويله إلى أداة تمكين، ستكون في موقع أفضل لحماية وظائفها، وخلق فرص عمل جديدة تناسب اقتصادًا رقميًا يتشكل أمام أعين الجميع.