تعمل المملكة العربية السعودية بخطى متسارعة على ترسيخ مكانتها كقوة إقليمية وعالمية في مجال البنية التحتية الرقمية، وفي هذا السياق أعلنت الجهات الرسمية عن مشروع استراتيجي ضخم يتمثل في بناء مركز البيانات الحكومي العملاق “هيكساجون Hexagon” في مدينة الرياض، والذي يُصنّف كأكبر مركز بيانات حكومي في العالم من المستوى الرابع Tier IV، وهو أعلى تصنيف عالمي من حيث الاعتمادية والاستمرارية التشغيلية، في خطوة تعكس التحول الجذري الذي تقوده المملكة ضمن مستهدفات رؤية السعودية 2030.
مشروع هيكساجون ليس مجرد مركز بيانات تقليدي، بل يمثل حجر الأساس للبنية الرقمية السيادية للمملكة، إذ تم تصميمه ليكون القلب النابض للأنظمة الحكومية الرقمية، ومستودعًا مركزيًا للبيانات الوطنية، ومنصة تشغيل متقدمة لخدمات الذكاء الاصطناعي والحوسبة السحابية الحكومية. ويأتي المشروع بإشراف مباشر من الهيئة السعودية للبيانات والذكاء الاصطناعي “سدايا”، الجهة المسؤولة عن قيادة استراتيجية البيانات والذكاء الاصطناعي على مستوى الدولة.
بحسب المعلومات الرسمية، يُقام مركز هيكساجون على مساحة هائلة تُقدّر بعشرات الملايين من الأقدام المربعة، مع قدرة تشغيلية كهربائية تصل إلى نحو 480 ميغاواط، وهو رقم غير مسبوق لمركز بيانات حكومي، ما يجعله من أضخم منشآت مراكز البيانات عالميًا سواء من حيث الحجم أو الطاقة أو القدرات التقنية. هذه السعة الكبيرة صُممت لتلبية الاحتياجات المتنامية للجهات الحكومية السعودية لعقود قادمة، مع قابلية التوسع المستقبلي دون التأثير على استمرارية الخدمة.
تصنيف Tier IV الذي حصل عليه المشروع يُعد أعلى مستوى تمنحه معايير مراكز البيانات العالمية، ويعني أن المركز يتمتع بنسبة جاهزية تشغيلية تصل إلى 99.995%، مع وجود أنظمة احتياطية كاملة ومضاعفة في الطاقة والتبريد والشبكات، بما يضمن استمرار العمل حتى في حالات الأعطال الكبرى أو أعمال الصيانة الشاملة. هذا المستوى من الاعتمادية يُعد ضروريًا لاستضافة الأنظمة الحكومية الحساسة، مثل أنظمة الأمن الوطني، والقطاعات المالية، والخدمات الصحية، ومنصات الهوية الرقمية، والخدمات العدلية.
ويستهدف مركز هيكساجون استضافة أكثر من 290 نظامًا حكوميًا مركزيًا، ما يساهم في توحيد البنية التحتية الرقمية، وتقليل الاعتماد على مراكز بيانات متفرقة، وتحسين كفاءة التشغيل وخفض التكاليف على المدى الطويل. كما يُعزز المشروع مفهوم السيادة الرقمية، عبر ضمان بقاء البيانات الحكومية داخل الحدود الجغرافية للمملكة، وتحت إشرافها الكامل، بعيدًا عن المخاطر المرتبطة بالاستضافة الخارجية أو الاعتماد المفرط على مزودي خدمات أجانب.
اللافت في المشروع أنه لا يركز فقط على الحجم والقوة التقنية، بل يضع الاستدامة البيئية ضمن أولوياته، حيث تم تصميمه وفق معايير عالية لكفاءة استهلاك الطاقة، مع الاعتماد على تقنيات تبريد متقدمة تقلل الهدر، واستخدام حلول ذكية لإدارة الأحمال الكهربائية. ويتماشى ذلك مع توجه السعودية نحو تقليل البصمة الكربونية، وتحقيق توازن بين النمو الرقمي والحفاظ على البيئة.
من الناحية الاستراتيجية، يشكل مركز هيكساجون ركيزة أساسية لدعم طموحات المملكة في مجال الذكاء الاصطناعي، إذ سيوفر بنية تحتية قادرة على تشغيل نماذج ذكاء اصطناعي ضخمة، ومعالجة كميات هائلة من البيانات الحكومية، ودعم المبادرات الوطنية في مجالات مثل المدن الذكية، والصحة الرقمية، والتعليم الذكي، والأمن السيبراني، وتحليل البيانات الضخمة. ويُتوقع أن يكون هذا المركز عنصرًا حاسمًا في تسريع التحول من الحكومة الإلكترونية إلى الحكومة الذكية القائمة على البيانات.
كما يعزز المشروع مكانة الرياض كمركز إقليمي للبنية التحتية الرقمية، ويبعث برسالة واضحة للأسواق العالمية بأن المملكة جادة في بناء منظومة تقنية متقدمة، قادرة على جذب الاستثمارات، ودعم الابتكار، وتوطين التقنيات المتقدمة. ويرى خبراء أن هيكساجون سيضع السعودية في مصاف الدول الرائدة عالميًا في مجال مراكز البيانات الحكومية، متجاوزًا العديد من الاقتصادات المتقدمة من حيث الحجم والتصنيف.
ويأتي إطلاق المشروع في توقيت حساس عالميًا، حيث تتنافس الدول على امتلاك بنية تحتية رقمية قوية تضمن استقلالية القرار التقني، وحماية البيانات، وتعزيز الأمن الوطني في عصر أصبحت فيه البيانات موردًا استراتيجيًا لا يقل أهمية عن النفط والطاقة. ومن هذا المنطلق، يُنظر إلى هيكساجون على أنه استثمار طويل الأمد في أمن المملكة الرقمي واقتصادها المعرفي.
في المحصلة، يمثل مركز بيانات هيكساجون تحولًا نوعيًا في مسار التحول الرقمي السعودي، ونقطة مرجعية جديدة في عالم مراكز البيانات الحكومية. فهو ليس مجرد مشروع تقني ضخم، بل تعبير عملي عن رؤية استراتيجية تهدف إلى بناء دولة رقمية متقدمة، تمتلك أدواتها، وتدير بياناتها، وتوظف الذكاء الاصطناعي لخدمة مواطنيها واقتصادها، مع الحفاظ على أعلى معايير الأمان والموثوقية والاستدامة.