تقرير WIRED يسلّط الضوء على تصاعد الضغوط
كشف تقرير موسّع نشرته مجلة WIRED عن ملامح حملة تضييق متصاعدة تستهدف منصة الذكاء الاصطناعي Grok وشركة xAI المملوكة لإيلون ماسك، مشيراً إلى دور متنامٍ لهيئات حكومية في الولايات المتحدة في فتح تحقيقات وتكثيف إجراءات رقابية حول الشركة ومنتجاتها.
وفقاً للتقرير، تأتي هذه التطورات في سياق أوسع من الجدل العالمي حول مدى مشروعية ترك نماذج ذكاء اصطناعي متقدمة، تمتلك قدرة كبيرة على التأثير في الرأي العام، تحت سيطرة شركات خاصة ذات نفوذ سياسي واقتصادي واسع.
من هي xAI وما الذي يميز Grok؟
تأسست xAI عام 2023 بقيادة إيلون ماسك، بهدف تطوير نماذج ذكاء اصطناعي عامة تنافس نماذج مثل GPT من OpenAI وClaude من Anthropic وGemini من Google. النموذج الأبرز لدى الشركة هو Grok، وهو نموذج محادثة يعتمد بدرجة كبيرة على بيانات منصة X (تويتر سابقاً)، ما يمنحه قدرة على التفاعل مع أحداث آنية ومتجددة.
بحسب تصريحات سابقة لماسك، تهدف xAI إلى بناء نموذج “باحث عن الحقيقة” أقل خضوعاً لما وصفه بـ”الرقابة السياسية” التي يزعم أنها تسود بعض المنصات المنافسة. هذا التوجّه أثار قلقاً لدى جهات سياسية وتنظيمية تخشى من تأثير محتمل لتقنيات xAI على الخطاب العام، خاصة مع اقتراب استحقاقات انتخابية حساسة في الولايات المتحدة وأوروبا.
جهات حكومية تدخل على الخط
تقرير WIRED يشير إلى أن عدداً من الهيئات الحكومية والرقابية بدأ في طلب معلومات مفصلة من xAI حول:
- مصادر تدريب نموذج Grok وحجم البيانات المستخدمة.
- سياسات الإشراف على المحتوى والحد من التضليل.
- آليات التعامل مع المحتوى السياسي والخطابات المتطرفة.
هذه الخطوات تأتي متزامنة مع ضغوط تنظيمية مشابهة طالت شركات كبرى مثل OpenAI وMeta وGoogle في ملفات تتعلق بالخصوصية، وحماية الأطفال، والشفافية في نماذج الذكاء الاصطناعي. إلا أن الحالة الخاصة لـxAI وجذورها السياسية والإعلامية عبر منصة X تجعلها محور قلق إضافي لدى بعض المشرّعين، وفقاً للتقرير.
بين حماية المجتمع و"تكميم" المنصات الجديدة
السؤال الذي يطرحه تقرير WIRED، وتردده دوائر تقنية وسياسية، هو: أين ينتهي حق الحكومات في تنظيم الذكاء الاصطناعي، وأين يبدأ خطر استغلال هذا التنظيم لخنق منصات غير منسجمة مع المزاج السياسي السائد؟
بعض الخبراء يرون أن تضييق الخناق على منصات مثل Grok قد يُستخدم كأداة لإعادة ترتيب المشهد التنافسي لصالح شركات أكبر تمتلك علاقات أعمق مع المؤسسات الحكومية، بينما يحذّر آخرون من ترك تقنيات بهذه القوة خارج أي إطار قانوني واضح.
في هذا السياق، يُستحضر مثال المعارك التنظيمية مع شركات التكنولوجيا الكبرى في ملف المحتوى السياسي على فيسبوك ويوتيوب وتويتر خلال السنوات الماضية، غير أن الفارق هذه المرة هو أن نماذج الذكاء الاصطناعي قادرة على إنتاج المحتوى لا مجرد عرضه أو ترويجه.
سباق عالمي على ضبط نماذج الذكاء الاصطناعي
التحركات ضد xAI تأتي في إطار مشهد عالمي متسارع لتنظيم الذكاء الاصطناعي. الاتحاد الأوروبي أقرّ تشريع AI Act الذي يفرض قيوداً على نماذج “الذكاء الاصطناعي العام”، مع اشتراطات للشفافية والحوكمة واختبارات السلامة.
في الولايات المتحدة، أصدرت إدارة الرئيس جو بايدن أمراً تنفيذياً يطالب الشركات الكبرى بمشاركة نتائج اختبارات الأمان الخاصة بالنماذج المتقدمة مع الحكومة الأميركية، وهو ما رحبت به شركات ورفضته أو تحفّظت عليه أخرى بدعوى الحفاظ على أسرارها التجارية.
هذه التطورات تجعل وضع xAI أكثر تعقيداً؛ فالشركة حديثة نسبياً لكنها مدعومة باسم ثقيل مثل إيلون ماسك، وتعمل في مساحة حساسة يجتمع فيها الإعلام والسياسة والتقنية.
تأثير محتمل على مستقبل النماذج المملوكة للقطاع الخاص
إحدى النقاط الأساسية في تقرير WIRED هي أن المعركة حول xAI ليست مجرد خلاف تقني، بل اختبار لنموذج ملكية وتأثير جديد: شركات خاصة تملك نماذج ذكاء اصطناعي قادرة على الوصول إلى مئات الملايين من المستخدمين، والتأثير على تحليلاتهم ومواقفهم.
إذا تصاعدت الضغوط الحكومية وأدت إلى فرض قيود صارمة أو غرامات كبيرة على xAI، فقد تُستخدم هذه الحالة كسابقة قانونية لتنظيم أو تقييد نماذج أخرى مملوكة لشركات منافسة، خاصة تلك التي تملك حضوراً سياسياً أو إعلامياً واسعاً.
في المقابل، إذا نجحت xAI في مقاومة الضغوط أو تعديل سياساتها دون خسارة جمهورها أو نموذج عملها، فقد يشجع ذلك شركات أخرى على تبني نهج أكثر استقلالاً عن الخطاب السياسي التقليدي في الغرب.
الصورة من زاوية العالم العربي
على الرغم من أن xAI وGrok يتركزان حالياً في السوق الأميركية والغربية، فإن ما يحدث اليوم قد ينعكس سريعاً على المنطقة العربية، لعدة أسباب:
- الكثير من منصات الذكاء الاصطناعي لا تزال تفتقر إلى فهم عميق للسياق العربي ثقافياً وتشريعياً.
- التشريعات العربية في مجال الذكاء الاصطناعي لا تزال في طور التشكل، ما يجعلها عرضة للتأثر بالنماذج والتنظيمات الغربية.
- وجود حساسية عالية تجاه المحتوى السياسي والديني في المنطقة، وهو ما يزيد من تعقيد أي نموذج ذكاء اصطناعي يتعامل مع اللغة العربية.
عدد من الدول العربية، مثل الإمارات والسعودية وقطر، أعلنت استراتيجيات وطنية للذكاء الاصطناعي، وبدأت في سن أطر تنظيمية تدريجية. غير أن التركيز ما زال منصباً غالباً على الاستخدامات الاقتصادية والقطاعية (الصحة، النقل، الخدمات الحكومية)، فيما يظل ملف النماذج العامة مثل Grok أو ChatGPT في منطقة ضبابية بين سياسة المحتوى وحرية التعبير والأمن الرقمي.
ما الذي يعنيه هذا للمستخدم العربي؟
المستخدم العربي قد لا يشعر مباشرة بتداعيات أي تضييق على xAI اليوم، لكن هذه التطورات ستؤثر على:
- نوعية المنصات المتاحة له مستقبلاً، ومن سيسمح لها بالعمل في أسواقه المحلية.
- مستوى حرية أو تقييد المحتوى السياسي والفكري الذي تقدمه نماذج الذكاء الاصطناعي باللغة العربية.
- إمكانية ظهور نماذج عربية أو إقليمية مستقلة لا تعتمد كلياً على المنصات الغربية.
بعض الخبراء في المنطقة يحذرون من أن نقل نموذج “التقييد المزدوج” (من الحكومات المحلية ومن الجهات التنظيمية الغربية) قد يؤدي إلى تضييق مساحة الابتكار العربي في هذا المجال، إذا لم تُصمم تشريعات محلية تراعي أولاً احتياجات المجتمعات العربية وثقافتها بدلاً من استنساخ القوالب الغربية.
آراء خبراء: بين الحوكمة وحرية الابتكار
في تحليلات متزامنة لتقرير WIRED، يشير خبراء قانون وتقنية إلى أن المطلوب ليس إيقاف نماذج مثل Grok، ولا تركها بلا ضوابط أيضاً، بل الوصول إلى معادلة توازن صعبة:
- ضمان الشفافية في كيفية تدريب النماذج والبيانات المستخدمة.
- وضع ضوابط ضد التضليل وخطابات الكراهية مع تجنب توظيفها لخدمة أجندات سياسية ضيقة.
- منح مساحة كافية للابتكار، خصوصاً للمشروعات الناشئة، وعدم جعل التنظيم أداة لحماية الكيانات الأكبر فقط.
في السياق العربي، تتكرر الدعوة إلى مشاركة أوسع من الجامعات ومراكز الأبحاث والمجتمع المدني في صياغة أطر تنظيم الذكاء الاصطناعي، بدلاً من اقتصارها على الحكومات أو الشركات الكبرى.
هي معركة مبكرة على شكل الإنترنت القادم
القضية المفتوحة اليوم حول Grok وxAI هي في جوهرها معركة مبكرة على ملامح الجيل التالي من الإنترنت، حيث تلعب نماذج الذكاء الاصطناعي دور “الوسيط” الرئيسي بين الإنسان والمعلومة. من يملك هذا الوسيط؟ من يضع له القواعد؟ ومن يراقبه؟
الإجابات التي ستتشكل عبر ما يجري اليوم في الولايات المتحدة وأوروبا، وبين الحكومات والشركات مثل xAI، لن تبقى حبيسة تلك الأسواق. ستنعكس على التطبيقات التي يحملها المستخدم العربي في هاتفه، وعلى طريقة تفاعله مع الأخبار، والتعلم، والعمل، وحتى النقاشات اليومية على الشبكات الاجتماعية.
بين هاجس السيطرة على الفوضى الرقمية، والخوف من استخدام التنظيم كسلاح سياسي، تبدو قصة Grok وxAI مجرد بداية لسلسلة أطول من المواجهات بين القطاع الخاص والحكومات حول من يملك مفاتيح الذكاء الاصطناعي في العالم.