تطبيق يتحكم في “جيش” من الوكلاء الذكيين
أعلنت شركة أوبن أيه آي OpenAI عن تطبيق جديد يتيح التحكم المتزامن في مجموعة من الوكلاء الذكيين (AI agents)، في خطوة تعكس انتقال الذكاء الاصطناعي من مرحلة الأداة الفردية إلى منظومات عمل متكاملة قادرة على تنفيذ مهام معقدة بشكل منسق.
الفكرة الأساسية للتطبيق تقوم على السماح للمستخدم – سواء كان فردًا أو شركة – بإنشاء عدة وكلاء افتراضيين، لكل منهم دور محدد: وكيل لتحليل البيانات، وآخر للبحث، وثالث للتواصل مع العملاء، ورابع لمتابعة البريد والمستندات، وغيرهم. التطبيق يعمل كمركز تحكم واحد ينسّق هذه الأدوار وينقل المهام بين الوكلاء تلقائيًا، مع واجهة استخدام مبسطة تشبه تطبيقات الإنتاجية المعتادة.
من نماذج لغوية إلى أنظمة عمل كاملة
خلال السنوات الماضية، ركزت معظم التطبيقات المبنية على الذكاء الاصطناعي التوليدي على نموذج واحد يتعامل مباشرة مع المستخدم: روبوت دردشة يجيب عن الأسئلة أو يساعد في الكتابة والبرمجة. أما مفهوم الوكلاء المتعددين فيضيف طبقة جديدة: توزيع العمل بين عدة نماذج أو «شخصيات رقمية» تتعاون للوصول إلى نتيجة نهائية أكثر دقة وتنظيمًا.
هذا التحول لا يأتي من فراغ؛ شركات مثل مايكروسوفت وGoogle تتحدث منذ فترة عن «المساعد الشخصي الشامل» الذي يدير البريد، والجداول، والمهام، وحتى المشتريات. الجديد هنا هو إتاحة بنية تسمح بتخصيص وكلاء متعددين لكل مؤسسة أو مشروع، والتحكم فيهم من منصة واحدة، بدل الاعتماد على نموذج عام واحد للجميع.
هل يقترب الذكاء الاصطناعي من إلغاء الوظائف؟
إلى جانب الحماس لتطبيقات الوكلاء المتعددين، يزداد قلق الخبراء بشأن تأثير هذه التقنيات في سوق العمل. عدد من التقارير الأكاديمية والإعلامية طرح سيناريوهات متشددة، من بينها تحذيرات من احتمال اختفاء معظم الوظائف المعروفة خلال عقدين من الزمن إذا استمر منحنى التطور الحالي بالوتيرة ذاتها.
تقرير مشترك بين جولدمان ساكس وجامعات أمريكية أشار إلى أن الذكاء الاصطناعي التوليدي قد يؤثر في ما يصل إلى 300 مليون وظيفة عالميًا، من خلال الأتمتة الجزئية أو الكاملة لبعض المهام المكتبية والخدمية. كما نشرت BBC موضوعات تحليلية عن مخاوف النقابات العمالية في أوروبا من تسارع الاعتماد على الأنظمة الذكية في قطاعات مثل خدمة العملاء والإعلام والبرمجة.
أما وكالة Reuters فنقلت في أكثر من تقرير تصريحات لخبراء يحذرون من أن الذكاء الاصطناعي لا يهدد فقط الوظائف منخفضة المهارة، بل يمتد إلى أعمال المحاسبة، والبحث القانوني، وحتى بعض جوانب العمل الصحفي.
تطبيق الوكلاء المتعددين… تسريع للأتمتة
تطبيق OpenAI الجديد يمكن النظر إليه كعامل تسريع محتمل لهذا التحول. فبدل أن يقوم موظف واحد بجمع البيانات، وتنظيفها، وتحليلها، ثم إعداد تقرير، يمكن لمنظومة من الوكلاء الذكيين أن تتقاسم هذه الأدوار وتقدم النتيجة في وقت أقصر وبكلفة أقل، خصوصًا مع إمكانية التكامل مع أدوات وخدمات سحابية أخرى.
في الشركات الكبرى، قد يعني ذلك تقليص الحاجة إلى فرق كاملة للمهام المتكررة، مقابل الاعتماد على عدد أقل من الموظفين للإشراف على عمل الوكلاء وضبط النتائج. في المؤسسات الأصغر، قد يمكّن هذا النوع من التطبيقات شركات ناشئة مكونة من شخصين أو ثلاثة من إدارة حجم عمل كان يتطلب سابقًا فريقًا من عشرة أو عشرين شخصًا.
مستوى التهديد الفعلي للوظائف
رغم حدة بعض التحذيرات، أغلب الدراسات المتوازنة تشير إلى أن مسار الذكاء الاصطناعي أقرب إلى «إعادة تشكيل الوظائف» منه إلى «محوها الكامل». تقرير لمعهد MIT Technology Review تناول كيف أن موجات الأتمتة السابقة – مثل ظهور الحواسيب والإنترنت – ألغت فئات من الوظائف، لكنها خلقت في المقابل وظائف جديدة لم يكن لها وجود، من تطوير البرمجيات إلى إدارة البنية التحتية الرقمية.
الفارق هذه المرة أن الذكاء الاصطناعي لا يستهدف أعمالًا عضلية أو يدوية فقط، بل يصل إلى قلب الأعمال المعرفية: الكتابة، والتحليل، واتخاذ القرار الجزئي. وهذا ما يجعل التوقعات أكثر توترًا؛ إذ يطال التغيير طبقة واسعة من الموظفين والمختصين، من المحامين إلى المبرمجين والمترجمين، وليس العمال فقط.
الوضع في المنطقة العربية: خطر أكبر أم فرصة أوسع؟
سوق العمل العربية تعاني أصلًا من معدلات بطالة مرتفعة بين الشباب، ونسب كبيرة من الوظائف غير الرسمية أو منخفضة المهارة. دخول تطبيقات مثل منظومات الوكلاء الذكية قد يضاعف التحدي إن لم يُواكب بسياسات واضحة للتعليم والتدريب.
كثير من الشركات العربية لا تزال في بداية التحول الرقمي، لكن هذا التأخر قد يكون سلاحًا ذا حدين. فمن جهة، يقلّل الضغط الفوري على الوظائف نتيجة تباطؤ تبني الأتمتة المتقدمة. ومن جهة أخرى، يعرض المنطقة لخطر فجوة تنافسية أكبر إذا تبنّت الشركات العالمية تقنيات الوكلاء المتعددين بسرعة، وأصبحت قادرة على تقديم خدمات ومنتجات بجودة أعلى وتكلفة أقل.
في المقابل، يفتح هذا المسار بابًا واسعًا لريادة الأعمال التقنية في العالم العربي، خصوصًا في مجالات بناء حلول متخصصة باللغة العربية، ودمج الوكلاء الذكيين في قطاعات مثل التعليم الإلكتروني، وخدمات الحكومة، والرعاية الصحية عن بعد. شركات ناشئة عربية بدأت بالفعل بتطوير منصات تعتمد على نماذج لغوية عربية مكيّفة، مع وكلاء افتراضيين للرد على استفسارات المواطنين أو الطلاب.
أدوار جديدة في عصر الوكلاء الذكيين
مع تعميم تطبيقات التحكم في الوكلاء المتعددين، تظهر مسميات وظيفية جديدة مثل «مصمم سير عمل للوكلاء الذكيين»، و«مدرب نماذج لغوية»، و«مراقب جودة محتوى آلي». هذه الوظائف تجمع بين فهم تقنيات الذكاء الاصطناعي ومعرفة عميقة في المجال الذي يطبَّق فيه، سواء كان قانونًا أو طبًا أو تسويقًا.
الموظف الذي يفهم كيفية تقسيم مهامه إلى خطوات قابلة للتنفيذ بواسطة وكلاء رقميين، ثم يراقب ويصحّح ويطوّر أدائهم، سيكون في موقع قوة في سوق العمل القادمة. أما الإصرار على أداء المهام بالطريقة التقليدية، من دون أي تفاعل مع هذه الأدوات، فيحمل مخاطرة حقيقية بالتهميش.
ما الذي ينبغي على الأفراد والحكومات فعله؟
تجربة تطبيق مثل أداة OpenAI الجديدة توضح أن النقاش لم يعد نظريًا. القدرة على تشغيل فريق افتراضي من الوكلاء المتخصصين لم تعد فكرة من أفلام الخيال العلمي، بل تطبيقًا يمكن تثبيته واستخدامه خلال دقائق.
بالنسبة للأفراد، الاستثمار في مهارات رقمية أعمق، وفهم أساسيات عمل الذكاء الاصطناعي، وتجربة الأدوات الجديدة مبكرًا، أصبح ضرورة مهنية لا ترفًا. أما الحكومات ومؤسسات التعليم، فمسؤوليتها أكبر: تحديث المناهج، دعم التدريب المستمر، ووضع أطر تنظيمية تضمن استخدامًا آمنًا وعادلًا للتقنيات الجديدة، مع حماية الفئات الأكثر عرضة لفقدان وظائفها.
السنوات العشر إلى العشرين المقبلة قد تحمل تحولات جذرية في شكل العمل ذاته. الفرق بين سيناريو مستقبل بلا وظائف، وآخر يمزج بين الإنسان والآلة في منظومة إنتاج أكثر كفاءة وإنصافًا، سيتحدد بمدى سرعة وذكاء تفاعل المجتمع مع هذه الموجة التقنية، ومن بينها تطبيقات الوكلاء المتعددين التي تطرحها شركات مثل OpenAI اليوم.