جوجل تشدد الحراسة على صندوق الوارد في Gmail
بدأت جوجل تنفيذ حزمة جديدة من الإجراءات لمكافحة البريد المزعج على خدمة Gmail، في محاولة للحد من سيل الرسائل غير المرغوب فيها التي تزعج المستخدمين وتستغل ثقتهم في العلامات التجارية الكبرى. التحديثات الجديدة تستهدف بالأساس مرسلي البريد الجماعي، مع التركيز على التوثيق الصارم للرسائل وتحسين آليات اكتشاف الرسائل الاحتيالية.
ما الذي تغيّر في Gmail؟
وفقاً لتحديثات جوجل المعلنة على مدونة Google Workspace، تفرض الشركة الآن متطلبات أكثر تشدداً على مرسلي البريد الإلكتروني الذين يرسلون كميات كبيرة من الرسائل إلى مستخدمي Gmail. وتشمل هذه المتطلبات:
- إلزام المرسلين الكبار بتطبيق معايير توثيق البريد الإلكتروني مثل SPF وDKIM وDMARC.
- تحديد حد أقصى لنسبة الرسائل المزعجة (Spam Rate) المسموح بها من نطاقات الإرسال.
- فرض وجود زر إلغاء اشتراك واضح وسهل في الرسائل التسويقية، يعمل بنقرة واحدة تقريباً.
- تحسين خوارزميات التصنيف بين البريد الوارد، الترويجي، والرسائل المشتبه بها.
تهدف هذه الخطوات إلى تقليل الرسائل التي تتجاوز المرشحات الحالية وتصل إلى صندوق الوارد الرئيسي للمستخدمين، خصوصاً تلك التي تستخدم تكتيكات احتيالية أو تصميمات تشبه البريد الرسمي من البنوك أو المنصات الرقمية.
لماذا تعود مشكلة البريد المزعج الآن إلى الواجهة؟
رغم أن البريد المزعج ليس ظاهرة جديدة، فإن أنماطه تطورت بشكل ملحوظ خلال السنوات الأخيرة. تقارير متخصصة أشارت إلى أن مرسلي الرسائل الاحتيالية باتوا يستخدمون تقنيات أكثر تقدماً، من بينها تقليد تصميمات بريد الشركات الكبرى، وتحسين اللغة المستخدمة في الرسائل لتبدو أكثر احترافية، بل وحتى الاستعانة بنماذج لغوية متطورة لصياغة محتوى مقنع.
موقع TechCrunch نقل في تغطيات سابقة أن العديد من الحملات الاحتيالية نجحت في تجاوز فلاتر البريد التقليدية عبر الاستفادة من ثغرات في إعدادات التوثيق أو الاعتماد على خدمات إرسال بريد رخيصة أو مخترقة. هذا التعقيد دفع جوجل إلى إعادة النظر في قواعد اللعب وإجبار المرسلين الكبار على الالتزام بمعايير أوضح وأشد صرامة.
خصوصية المستخدم تحت الضغط
الرسائل المزعجة ليست مجرد إزعاج بصري في صندوق الوارد؛ كثير منها يشكل تهديداً مباشراً لخصوصية المستخدم وأمانه المالي. من الشائع أن تتضمن هذه الرسائل:
- روابط تقود إلى صفحات تصيّد تهدف لسرقة كلمات المرور أو بيانات البطاقات البنكية.
- ملفات مرفقة مصابة ببرمجيات خبيثة تستهدف أجهزة الأفراد والشركات.
- عروضاً مزيفة تستهدف جمع بيانات شخصية واسعة النطاق.
منظمة APWG (Anti-Phishing Working Group) أشارت في تقاريرها الدورية إلى أن البريد الإلكتروني ما زال من أهم قنوات هجمات التصيد، رغم انتشار تطبيقات التراسل الفوري. هذا يفسر استمرار التركيز العالمي على تشديد آليات التحقق من هوية المرسل ومحتوى الرسالة.
كيف ينعكس ذلك على المستخدمين في المنطقة العربية؟
مستخدِم البريد الإلكتروني العربي ليس بعيداً عن هذه الظاهرة. خلال السنوات الأخيرة، انتشرت رسائل احتيالية باللغة العربية تستهدف مستخدمين في دول الخليج ومصر والمغرب العربي، غالباً متخفية في شكل:
- رسائل تبدو صادرة من بنوك محلية تطلب “تحديث البيانات”.
- إشعارات مزيفة من شركات توصيل أو متاجر إلكترونية معروفة في المنطقة.
- إعلانات استثمار سريعة الربح تستغل الاهتمام المتزايد بالعملات الرقمية.
عدد من خبراء أمن المعلومات في المنطقة يؤكدون أن جزءاً كبيراً من هذه الرسائل يمر عبر خوادم خارجية، لكنه يستهدف مستخدمين عرباً بلغتهم وبصياغة قريبة من اللهجة المحلية، ما يزيد من فرص انخداع المستخدم العادي.
التحديثات التي تعتمدها جوجل قد تساهم في تقليص هذه الظاهرة عبر إجبار مرسلي الرسائل الجماعية، بمن فيهم الشركات الإقليمية، على الامتثال لمعايير التوثيق العالمية. ومن لا يلتزم قد يجد رسائله تُرسَل مباشرة إلى مجلد الرسائل المزعجة أو يتم حظرها تماماً.
هل ستتأثر الشركات العربية بحملة جوجل على البريد المزعج؟
التحولات الجديدة لن تطال المحتالين وحدهم؛ بل ستؤثر أيضاً على الشركات التي تعتمد على الرسائل التسويقية للوصول إلى عملائها. في المنطقة العربية، تعتمد بنوك، مزوّدو اتصالات، متاجر إلكترونية، وجامعات على البريد الإلكتروني لإرسال:
- نشرات تسويقية دورية.
- إشعارات بالعروض والخصومات.
- رسائل توثيق وتفعيل حسابات.
أي خلل في إعدادات التوثيق أو ارتفاع في شكاوى المستخدمين من “إزعاج” قد يؤدي إلى وضع نطاق الشركة في قائمة المرسلين المزعجين، ما يعني خسارة قناة اتصال رئيسية مع العملاء والطلاب والمستفيدين.
خبراء التسويق الرقمي في المنطقة ينصحون الشركات حالياً بمراجعة بنيتها التقنية الخاصة بالبريد الإلكتروني، والتنسيق مع فرق تقنية المعلومات للتأكد من:
- تفعيل سجلات SPF وDKIM وDMARC بشكل صحيح على نطاقات الشركة.
- تقليل عدد الرسائل التسويقية العشوائية والاعتماد أكثر على التسويق القائم على الإذن (Permission Marketing).
- توفير خيار إلغاء الاشتراك بطريقة واضحة وسهلة، مع احترام طلبات المستخدمين فوراً.
ماذا يعني ذلك لمستخدم Gmail العادي؟
من زاوية المستخدم، الهدف الأساسي لهذه التغييرات هو تحسين جودة صندوق الوارد وتقليل احتمالية وصول رسائل خطرة أو مزعجة. من المتوقع أن يلاحظ المستخدمون على مدى الأشهر القادمة:
- انخفاضاً تدريجياً في الرسائل الاحتيالية التي تتظاهر بأنها من جهات موثوقة.
- تحسناً في تصنيف البريد بين الوارد، الترويجي، والرسائل المزعجة.
- سهولة أكبر في إلغاء الاشتراك من النشرات التي لا يرغب فيها.
مع ذلك، يبقى الدور الأكبر على وعي المستخدم نفسه. فحتى مع أفضل تقنيات جوجل، يمكن أن تمر بعض الرسائل الخبيثة. لذلك يوصي خبراء الأمن السيبراني بعدم النقر على أي رابط في رسالة غير متوقعة، حتى لو بدت قادمة من جهة موثوقة، مع التحقق دائماً من عنوان المُرسِل وطبيعة الطلب داخل الرسالة.
توازن صعب بين الأمان وحرية الإرسال
تجد جوجل نفسها أمام معادلة دقيقة: من جهة، تحاول حماية أكثر من مليار مستخدم لـ Gmail من البريد المزعج والاحتيال؛ ومن جهة أخرى، لا تريد خنق النشاط المشروع للشركات والمؤسسات التي تعتمد على البريد الإلكتروني كوسيلة أساسية للتواصل.
بعض خبراء الخصوصية يحذرون من أن تشديد السيطرة من قِبل شركة واحدة على معايير البريد قد يمنحها تأثيراً كبيراً على الطريقة التي تتواصل بها الشركات مع عملائها، ويفرض عليها عملياً الالتزام بقواعد يحددها لاعب واحد مهيمن في السوق. لكن مؤيدي الخطوة يرون أن حجم التهديدات الحالية يبرر اعتماد معايير أكثر صرامة، خاصة عندما يتعلق الأمر بالتوثيق الفني لهوية المرسل.
إلى أين تتجه معركة البريد المزعج؟
من الواضح أن معركة البريد المزعج لن تُحسم بتحديث واحد. كلما حسّنت الشركات الكبرى مثل جوجل و مايكروسوفت أنظمتها، ابتكر المهاجمون أساليب جديدة للالتفاف على الفلاتر والاستفادة من ثغرات بشرية وتقنية.
في المقابل، تستمر الشركات في الاستثمار في خوارزميات أكثر تطوراً لاكتشاف الأنماط الاحتيالية، مع الاعتماد المتزايد على تعلم الآلة وتحليل السلوك. لكن هذه الأدوات تظل مكملة، وليست بديلاً، لوعي المستخدمين وحرص الشركات على تطبيق معايير التوثيق والأمن الرقمية بالشكل الصحيح.
نصائح سريعة للمستخدمين والشركات
للمستخدمين:
- تفعيل التحقق بخطوتين على حسابات Gmail لتقليل أثر أي اختراق محتمل.
- عدم مشاركة بيانات حساسة عبر البريد الإلكتروني، خاصة رداً على رسائل غير متوقعة.
- الإبلاغ عن الرسائل المشتبه بها باستخدام خيار “الإبلاغ عن الرسائل المزعجة” في Gmail.
للشركات والمؤسسات:
- تدقيق إعدادات البريد وربطها بمعايير التوثيق العالمية.
- تدريب الموظفين على اكتشاف الرسائل الاحتيالية ومنع الوقوع في فخ الهندسة الاجتماعية.
- تقليل الاعتماد على الحملات التسويقية العشوائية والتركيز على بناء علاقات ثقة طويلة الأمد مع العملاء.