أوروبا تبحث عن نموذجها القومي في الذكاء الاصطناعي
منذ صعود نموذج DeepSeek الصيني إلى واجهة السباق العالمي في الذكاء الاصطناعي التوليدي، تتعامل أوروبا مع سؤال واحد محوري: هل يمكن بناء «ديب سيك أوروبي» يجمع بين قوة النماذج الأمريكية والصينية، ويحافظ في الوقت نفسه على القيم الأوروبية الصارمة في الخصوصية وتنظيم البيانات؟
بينما تسيطر شركات أمريكية مثل OpenAI وAnthropic وGoogle على المشهد، وتدفع الصين بنماذجها القومية المدعومة حكوميًا، تتحرك أوروبا عبر خليط من الشركات الناشئة، ومختبرات الأبحاث، وتمويل أوروبي منظم، في محاولة لتأسيس بديل حقيقي لا يكتفي بالاستهلاك، بل يطمح لصناعة التقنية نفسها.
لماذا أصبح DeepSeek مرجعًا في السباق العالمي؟
حصل DeepSeek على اهتمام عالمي لعدة أسباب مترابطة:
- تركيزه على الكفاءة وتقليل تكلفة التشغيل مقارنة ببعض النماذج الأمريكية المنافسة.
- توجه واضح نحو تقديم نموذج قومي صيني قادر على منافسة الكبار عالميًا.
- اعتماد واسع على تقنيات مفتوحة المصدر مع تحسينات خاصة في البنية والتدريب.
هذا النموذج قدّم للصين ورقة قوة سياسية واقتصادية: امتلاك بنية تحتية معرفية مستقلة إلى حد كبير عن الشركات الأمريكية، مع القدرة على تخصيص النظام لاحتياجات السوق والمجتمع المحليين.
أوروبا تريد الشيء نفسه تقريبًا، لكن ضمن إطار ديمقراطي وتنظيمي مختلف، يضع الخصوصية وحماية البيانات وحقوق المستخدم في قلب المعادلة.
ملامح «ديب سيك الأوروبي»: مفتوح المصدر بطابع تنظيمي صارم
على عكس الولايات المتحدة، حيث تقود الشركات العملاقة السباق بدعم استثماري ضخم، تعتمد أوروبا غالبًا على نمط «تحالفات مفتوحة المصدر + تمويل عام + شركات ناشئة عالية التخصص». النتيجة هي مشهد متنوع، لكن غير موحد بعد، يتنافس فيه عدد من اللاعبين على لقب «DeepSeek أوروبا».
Mistral AI: الحصان الفرنسي في السباق
تُعتبر شركة Mistral AI الفرنسية من أبرز المرشحين. الشركة، التي تأسست عام 2023، تبنت منذ البداية نهجًا هجينيًا يجمع بين:
- إصدار نماذج قوية مفتوحة المصدر يمكن للمطورين استخدامها بحرية نسبية.
- توفير نماذج مغلقة أو مدفوعة عبر واجهات برمجة التطبيقات (APIs) للشركات.
بحسب تقارير من Financial Times وTechCrunch، جمعت Mistral مئات الملايين من الدولارات في جولات استثمارية متسارعة، بعضها بدعم من شركات تقنية أمريكية كبرى، ما يكشف عن إدراك عالمي لأهمية وجود بديل أوروبي قوي في هذا المجال.
رهان Mistral يحاول أن يوازن بين ثلاثة محاور: سيادة رقمية أوروبية، انفتاح بحثي عبر المصدر المفتوح، وقدرة تجارية تنافسية تسمح لها بمواجهة عمالقة وادي السيليكون.
Grok وAleph Alpha ولاعبون آخرون في المشهد
في ألمانيا، تبرز شركة Aleph Alpha كنموذج يركز على المؤسسات والحكومة، مع اهتمام خاص بالشفافية وقابلية تفسير قرارات الذكاء الاصطناعي. هذا التوجه يتماشى مع روح التشريعات الأوروبية، مثل قانون الذكاء الاصطناعي الأوروبي (EU AI Act)، الذي يشدد على القابلية للتفسير والحوكمة الأخلاقية.
في دول أخرى مثل المملكة المتحدة (قبل خروجها من الاتحاد الأوروبي) وهولندا وإسبانيا، تظهر مبادرات ومختبرات جامعية ومراكز أبحاث تتعاون مع القطاع الخاص لبناء نماذج لغوية ضخمة (LLMs) محلية أو متعددة اللغات، تغطي اللغات الأوروبية بدقة أفضل من النماذج العالمية العامة.
التشريعات: نقطة قوة أم عائق أمام الابتكار؟
السؤال الأكثر إثارة في السياق الأوروبي هو: هل تمثل اللوائح الصارمة ميزة تنافسية على المدى الطويل، أم عبئًا يبطئ الابتكار أمام سرعة الولايات المتحدة والصين؟
تقرير لـ Brookings Institution يشير إلى أن التنظيم المبكر يمكن أن يمنح أوروبا «أفضلية أخلاقية» وأن يجعل نماذجها أكثر ثقة لدى الحكومات والمؤسسات الحساسة، لكنه يحمل خطرًا واضحًا: تسرب المواهب والاستثمارات إلى بيئات أقل تنظيمًا ولكن أكثر جاذبية للمخاطرة.
مصادر مثل Reuters وBBC تناولت المخاوف المتكررة تجاه «هجرة العقول» من أوروبا إلى الولايات المتحدة، خاصة في مجالات الذكاء الاصطناعي والبحث المتقدم، حيث الرواتب أعلى وقيود التجربة أقل.
مفتوح المصدر: ورقة أوروبا الرابحة؟
كثير من المراقبين يرون أن أوروبا قد تربح السباق عبر تبنيها العميق للذكاء الاصطناعي مفتوح المصدر. نماذج مثل LLaMA (من Meta في الأصل، لكنها تُطوَّر وتُستخدم بشكل مكثف في أوساط أوروبية) ومخرجات مختبرات أوروبية عديدة، تقدم قاعدة واسعة لبناء حلول محلية مخصصة.
تقرير من MIT وMIT Technology Review يناقش كيف أن المصدر المفتوح يسمح للدول والمؤسسات بتفادي الاعتماد الكلي على منصات أمريكية مغلقة، ويمنح الباحثين حرية أكبر في التدقيق والتحسين وإعادة الاستخدام.
هذا النهج ينسجم مع ثقافة أوروبية قديمة في دعم البرمجيات الحرة والمفتوحة، كما رأينا مع Linux وFirefox ومبادرات مثل Nextcloud. الفرق الآن أن ساحة اللعب أصبحت أعمق وأكثر تعقيدًا: نماذج بمليارات المعاملات، وبنى تحتية ضخمة للحوسبة، وسباق تسليح معرفي حقيقي بين القوى الكبرى.
أين تقف المنطقة العربية من هذا السباق؟
السؤال الذي يهم القارئ العربي: هل يعني صعود «ديب سيك أوروبي» أن منطقتنا ستكتفي بدور المستهلك للتقنية، أم أن هناك فرصة للبناء فوق هذا الزخم؟
حتى الآن، تعتمد أغلب المبادرات العربية في الذكاء الاصطناعي التوليدي على النماذج الأمريكية أو المفتوحة المصدر العالمية، مع بعض المحاولات المحلية في الخليج وشمال إفريقيا لبناء نماذج لغوية عربية متخصصة. غير أن الفجوة لا تزال كبيرة في:
- البنية التحتية الحاسوبية (خاصة وحدات GPU على مستوى مراكز البيانات).
- البيانات اللغوية العربية النظيفة والمنظمة.
- سياسات واضحة للتمويل طويل الأجل والبحث الأساسي.
الفرصة الحقيقية قد تظهر عبر شراكات ذكية مع لاعبين أوروبيين يتبنون المصدر المفتوح، تسمح للجامعات والمراكز العربية بالوصول إلى النماذج الأساسية، ثم تخصيصها للسياق العربي، بدل البدء من الصفر أو الاعتماد الكامل على واجهات برمجة تطبيقات مغلقة.
سيناريوهات محتملة لمستقبل «ديب سيك أوروبا»
تحليل المشهد الحالي يفتح الباب أمام عدة مسارات ممكنة:
- سيناريو التكتل الأوروبي: اندماج أو تحالف بين عدة شركات ومختبرات (مثل Mistral وAleph Alpha ومراكز أبحاث)، بدعم من المفوضية الأوروبية، لتكوين منصة موحدة تُسوَّق كبديل أوروبي كامل.
- سيناريو السوق المفتوح: استمرار الحالة الحالية مع تعدد اللاعبين، حيث يبرز أكثر من «ديب سيك أوروبي» متخصص: أحدهم للحكومة، وآخر للمؤسسات المالية، وثالث للاستخدام العام.
- سيناريو التبعية المقنّعة: بقاء النماذج الأوروبية معتمدة بعمق على بنية تحتية سحابية أمريكية (AWS، Azure، Google Cloud)، ما يحد من الاستقلالية الفعلية رغم وجود نماذج محلية.
المعادلة النهائية ستتوقف على سرعة أوروبا في حسم ملفات أساسية: تمويل ضخم ومستقر، وضوح تنظيمي لا يخنق الابتكار، وبناء طبقة بنية تحتية مستقلة قدر الإمكان.
ما الذي يمكن أن تتعلمه أوروبا من الصين وDeepSeek؟
على الرغم من الاختلاف الجذري في النظم السياسية بين أوروبا والصين، إلا أن هناك دروسًا تقنية واستراتيجية يمكن الاستفادة منها:
- أهمية الكفاءة في التدريب والتشغيل لتقليل التكاليف وإتاحة النماذج لعدد أكبر من المستخدمين.
- التركيز على سيادة البيانات والقدرة على تشغيل النماذج داخل الحدود الجغرافية والقانونية للدولة أو الاتحاد.
- دعم حكومي واضح طويل الأمد لمشاريع النماذج القومية، بدل الاعتماد فقط على رأس المال المخاطر قصير الأجل.
أوروبا تحاول تطبيق هذه الدروس ولكن ضمن إطار ديمقراطي وتعددي، ما يجعل العملية أبطأ لكنها قد تكون أكثر استدامة على المدى الطويل، خاصة في نظر مؤسسات تبحث عن شريك موثوق يحترم الخصوصية والقوانين.
خلاصة: سباق على «العقل الرقمي» لا على مجرد البرمجيات
السباق لبناء «ديب سيك أوروبا» ليس تنافسًا تقنيًا بحتًا، بل صراع على من يمتلك «العقل الرقمي» الذي سيتوسط معظم التفاعلات الاقتصادية والتعليمية والطبية والإدارية في العقد المقبل. الولايات المتحدة تمتلك الأفضلية حاليًا، والصين تدفع بنموذج قومي قوي، وأوروبا تحاول أن تجد طريقًا ثالثًا يجمع بين القوة التقنية والمسؤولية التنظيمية.
ما ستفعله أوروبا في السنوات الثلاث إلى الخمس المقبلة سيحدد ليس فقط شكل المنافسة العالمية، بل أيضًا الفرص المتاحة أمام مناطق مثل العالم العربي: إما أن تبني فوق منصات مفتوحة ومتعددة المصادر، أو تبقى حبيسة أنظمة مغلقة تحد من قدرتها على الابتكار المحلي والسيادة الرقمية الحقيقية.