سباق المساعدات الذكية يعود من جديد
بعد سنوات من الوعود غير المكتملة في عالم المساعدات الصوتية، يعود السباق بقوة، لكن هذه المرة بوقود مختلف: نماذج الذكاء الاصطناعي التوليدية. مايكروسوفت دمجت كوبايلوت في ويندوز وتطبيقاتها، ميتا نشرت “Meta AI” في واتساب وإنستغرام، وأبل أعلنت عن “Apple Intelligence” وتحديثات عميقة لسيري. في هذه الأجواء، تستعد جوجل لطرح نسخة جديدة من مساعدها تبدو أقرب ما تكون إلى “سيري جديد”، لكن بعقلية جوجل ومحرك بحثها العملاق.
من “أوك جوجل” إلى مساعد يفهم السياق
المساعدات الصوتية الكلاسيكية مثل سيري، ومساعد جوجل القديم، وأليكسا، كانت في جوهرها أنظمة أوامر صوتية متقدمة: تنفّذ طلبات بسيطة، تضبط منبّهًا، تجيب عن أسئلة مباشرة، لكنها تتعثر أمام الطلبات المركبة أو الأسئلة المفتوحة. اليوم، مع نماذج اللغة الكبيرة (LLMs)، يتغيّر التعريف نفسه لما يمكن أن يفعله المساعد.
جوجل بدأت بالفعل دمج قدرات الذكاء التوليدي في منتجاتها تحت اسم “Gemini”، سواء في البحث أو في تطبيقات أندرويد. النسخة الجديدة من المساعد، بحسب ما تكشفه التسريبات وتقارير مواقع مثل TechCrunch وThe Verge، ستكون أشبه بطبقة ذكية تغطي الهاتف كله، وليست مجرد تطبيق جانبي ينتظر عبارة “Hey Google”.
ما الذي يميّز المساعد الجديد عن سيري الكلاسيكي؟
التحوّل الجوهري ليس في الأوامر الصوتية نفسها، بل في طريقة فهم الجهاز لحياة المستخدم الرقمية. إذا صحّت تسريبات النسخة الجديدة من مساعد جوجل، فنحن أمام ثلاثة محاور رئيسية:
- فهم أعمق للسياق: يستطيع تتبّع سياق الحوار لفترة أطول، والرجوع لأسئلة سابقة، والتعامل مع طلبات غير مكتملة ظاهريًا، مثل: “ذكّرني أن أرسل له هذا عندما أصل المكتب” بينما المستخدم يشير إلى رسالة أو صورة على الشاشة.
- قدرات متعددة الوسائط: المساعد لا يسمع فقط، بل يرى ويقرأ؛ يمكنه فهم ما يظهر على الشاشة، وتحليل صور، وقراءة مستندات، والرد وفقًا لها، مستفيدًا من قدرات Gemini متعددة الوسائط التي أعلنت عنها جوجل في 2023–2024.
- تنفيذ خطوات معقدة: بدل تنفيذ أمر واحد، يمكنه تنفيذ سلسلة من الإجراءات على التطبيقات والخدمات المختلفة: حجز تذكرة، ملء نموذج، إرسال بريد، تنظيم المواعيد، وتحضير ملخصات ذكية من مصادر متفرقة.
بين أبل وجوجل: رؤيتان لمستقبل المساعد الشخصي
أبل قدّمت مع “Apple Intelligence” صورة لمساعد يعتمد على نماذج ذكاء اصطناعي أصغر تعمل على الجهاز، مع الاستعانة بخوادم معالجة خارجية عند الحاجة، مع تشديد كبير على الخصوصية. جوجل بدورها تدفع بقوة نحو ربط المساعد بمحرّك بحثها و”Gemini”، مع محاولات موازية لتقليل الاعتماد الكامل على السحابة عبر نماذج تعمل محليًا على بعض هواتف أندرويد المتقدمة.
تقارير The Verge وTechCrunch تشير إلى أن جوجل تختبر واجهات تجعل المساعد الجديد حاضرًا في كل ركن من أركان النظام: شريط الحالة، لوحة الإشعارات، شاشة القفل، وحتى داخل تطبيقات الطرف الثالث عبر طبقة “فوقية” قادرة على فهم ما يراه المستخدم أمامه الآن.
ذكاء اصطناعي بلمسة بحث جوجل
نقطة قوة جوجل التقليدية هي البحث. بينما قد تفضّل أبل إبقاء سيري ضمن حدود النظام والتطبيقات، تسعى جوجل إلى جعل المساعد بوابة جديدة للبحث نفسه. بدلاً من كتابة سؤال في صندوق البحث، يمكن للمستخدم ببساطة أن يسأل بصوت طبيعي، أو يلتقط صورة، أو يشارك مقطع فيديو قصير، ويحصل على إجابة مركّبة تجمع بين نتائج الويب وتحليل النموذج اللغوي.
هذه الرؤية تتقاطع مع ما كشفته جوجل عن “Search Generative Experience”، أي تجربة بحث توليدية تقدّم إجابة مركبة في أعلى صفحة النتائج. المساعد الجديد يبدو كنسخة شخصية من هذه التجربة، مدمجة داخل الهاتف.
ماذا عن العربية؟ عقبة اللغة وندرة البيانات
سؤال القارئ العربي البديهي: هل سيتوفر هذا المساعد بالعربية بجودة عالية، أم سيظل محصورًا في الإنجليزية وعدة لغات أخرى؟ التاريخ القريب لا يعطي الكثير من التفاؤل. على الرغم من تحسّن دعم العربية في منتجات جوجل خلال السنوات الأخيرة، ما زال الفارق واضحًا بين ما يمكن للمساعد فعله بالإنجليزية وما ينجزه بالعربية.
جزء من المشكلة يرتبط بطبيعة نماذج اللغة؛ معظم البيانات التي تُدرَّب عليها هذه النماذج تتركّز في الإنجليزية، مع حضور أقل بكثير للغات الأخرى، والعربية تحديدًا. هذا يعني أن قدرة النموذج على فهم التعابير العامية، والخلط بين العربية الفصحى والمحكية، أو حتى بين العربية والإنجليزية، ما زالت محدودة مقارنة بالمستخدم الغربي.
من جهة أخرى، شركات عربية ناشئة ومراكز بحث في المنطقة بدأت تعمل على نماذج عربية متقدمة، لكن هذه الجهود ما تزال متفرقة، وغالبًا لا تمتلك نفس الموارد الحوسبية والبيانية المتاحة لعمالقة مثل جوجل وأوبنAI.
المنطقة العربية بين الفرصة والتبعية التقنية
المساعدات الذكية الجديدة ليست مجرد أداة مريحة؛ هي طبقة تحكم في تجربة المستخدم الرقمية. الشركة التي تتحكم في هذه الطبقة تتحكم عمليًا في كيفية اكتشاف الناس للمحتوى، والخدمات، والإعلانات، وحتى الأخبار. إذا أصبح ملايين المستخدمين العرب يعتمدون على مساعد جوجل الجديد كمدخل أساسي للبحث والتواصل والعمل، فإن ذلك يرسّخ تبعية عميقة لبنية تحتية تقنية لا نمتلك قرارها ولا معيارها اللغوي ولا سياساتها.
في المقابل، هناك فرصة حقيقية: المنصات الجديدة تعيد توزيع الأوراق. مطوّر عربي يمكنه بناء خدمة متخصصة فوق واجهات برمجة تطبيقات (APIs) لهذه المساعدات، وتقديم قيمة مضافة محلية: دعم لهجات معينة، خدمات حكومية إلكترونية، تعليم، محتوى ثقافي عربي. السؤال: هل سيُسمح لتلك الخدمات بالظهور بشكل عادل داخل “طبقة المساعد”، أم ستظل الأولوية لتطبيقات الكبار ومنصاتهم؟
خصوصية المستخدم: ميزة تسويقية أم التزام حقيقي؟
أحد أكثر الأسئلة حساسية حول المساعدات المعززة بالذكاء الاصطناعي يتعلق بخصوصية البيانات. لكي يعمل المساعد بكفاءة، يحتاج إلى الوصول للبريد، والمحادثات، والموقع الجغرافي، والملفات، وسجل التصفح، بل وحتى محتوى الشاشة في اللحظة الحالية.
جوجل تحاول طمأنة المستخدمين عبر الحديث عن “ذكاء على الجهاز” وتقنيات مثل Federated Learning وDifferential Privacy، أي تقنيات تسمح بتحسين النماذج باستخدام بيانات المستخدم دون إرسال كل التفاصيل إلى الخوادم. لكن سجل الشركة الإعلاني يجعل كثيرين، خصوصًا في أوروبا، أكثر حذرًا. تقارير BBC وReuters عن التحقيقات والغرامات المرتبطة بالخصوصية تعكس جزءًا من هذا التوتر بين الابتكار وحماية البيانات.
في العالم العربي، غياب أطر قانونية صارمة في عدد من الدول يجعل المستخدم أقل قدرة على الاعتراض أو المطالبة بالشفافية. هذا يضع مسؤولية أكبر على المستخدمين والمؤسسات في تقييم ما يتنازلون عنه من بيانات مقابل ما يحصلون عليه من مزايا.
هل نحتاج فعلًا إلى “سيري جديد” من جوجل؟
جزء من الضجيج حول المساعدات الذكية يأتي من التسويق أكثر من الحاجة الفعلية. كثير من المستخدمين جرّبوا سيري وأليكسا ومساعد جوجل خلال السنوات الماضية، وانتهى الأمر باستخدامها لأوامر بسيطة: تشغيل الموسيقى، طلبات الطقس، أو إرسال رسالة سريعة. السؤال الآن: هل تحول نماذج الذكاء التوليدي هذا المشهد جذريًا، أم أننا أمام تحديث متقدم لأدوات قديمة؟
الجواب يتوقف على مدى قدرة المساعد الجديد على حل مشكلات حقيقية في حياة المستخدم اليومية: تقليل الوقت الضائع في الإجراءات المملة، تبسيط التعامل مع البيروقراطية الرقمية (النماذج، الحجوزات، المدفوعات)، وتقديم معرفة دقيقة وليست مجرد نص منمّق. إذا ظل المساعد يقدّم إجابات واثقة لكنها خاطئة، كما أظهرت تقارير كثيرة حول نماذج مثل GPT وGemini، فإن الثقة به كمستشار يومي ستظل محدودة.
ما الذي يعنيه ذلك للمطوّرين والشركات العربية؟
إذا نجح مساعد جوجل الجديد في التحوّل إلى واجهة أساسية للهاتف، فذلك سيجبر مطوري التطبيقات على التفكير بطريقة مختلفة. بدل تصميم واجهة رسومية فقط، سيكون عليهم التفكير في “واجهات محادثية”: أوامر نصية وصوتية يمكن للمساعد فهمها وتنفيذها داخل تطبيقاتهم.
هذا التغيير يفتح الباب أمام نوع جديد من المنافسة: الخدمات التي تتكامل بذكاء مع المساعد قد تحصل على أولوية استخدام أعلى، بينما التطبيقات التي تبقى محصورة في الواجهة التقليدية قد تصبح أقل ظهورًا. بالنسبة للشركات العربية، فهم مبكر لهذه التحولات قد يصنع فارقًا مهمًا في السنوات القادمة.
المستخدم العربي بين الحماسة والحذر
الحماسة تجاه “سيري جديد” من جوجل مفهومة: مساعد أقوى، بذكاء أعلى، وقدرة على فهم الحديث الطبيعي وتنفيذ المهام المعقدة. لكن ما يجب أن يظل حاضرًا في ذهن المستخدم العربي هو سؤالان أساسيان:
- هل سأحصل على نفس جودة التجربة التي يحصل عليها المستخدم الإنجليزي، خصوصًا من ناحية فهم اللغة والسياق المحلي؟
- ما الثمن الحقيقي الذي أدفعه من بياناتي وخصوصيتي، وهل أنا راضٍ عن هذه المعادلة؟
بين وعود جوجل، وتجارب أبل، وضغط المنافسة من مايكروسوفت وميتا، يبدو أن السنوات القليلة المقبلة ستحدد شكل المساعد الشخصي الذي سيرافقنا في كل شاشة وجهاز. الأسئلة التقنية معقدة، لكن السؤال الأهم أبسط بكثير: من نريد أن يكون “الوسيط” الدائم بيننا وبين عالَمنا الرقمي، وبأي شروط؟