صفقة تهز سوق النطاقات: AI.com ينتقل إلى عالم العملات المشفّرة
أحدثت صفقة شراء اسم النطاق AI.com مقابل نحو 70 مليون دولار موجة واسعة من النقاش في أوساط التقنية والأعمال، بعدما كشفت تقارير صحفية أن مؤسس منصة Crypto.com هو من يقف وراء هذه الصفقة، في واحدة من أكبر عمليات بيع أسماء النطاقات في التاريخ.
الصفقة ليست مجرد انتقال ملكية عنوان إلكتروني قصير، بل تعكس سباقًا عالميًا على امتلاك الكلمات المفتاحية المرتبطة بالذكاء الاصطناعي، في وقت تحوّل فيه الحروف القليلة ذات الدلالة القوية إلى أصول رقمية عالية القيمة، تشبه في أهميتها العلامات التجارية الكبرى.
من يملك AI.com الآن؟ وما أهمية الاسم؟
بحسب تقرير لموقع CoinDesk التقني المتخصص في الأصول الرقمية، فإن الملياردير الكندي-الكرواتي كريس مارسالِك (Kris Marszalek)، المؤسس والرئيس التنفيذي لمنصة Crypto.com، هو المالك الجديد لنطاق AI.com. وأشار الموقع إلى أن الصفقة بلغت حوالي 70 مليون دولار، ما يجعلها من بين أغلى مبيعات النطاقات على الإطلاق (CoinDesk).
تاريخيًا، جرى تداول أسماء نطاقات شهيرة بقيم ضخمة؛ مثل Voice.com الذي بيع مقابل 30 مليون دولار، وBusiness.com الذي بيع بأكثر من 7 ملايين دولار قبل سنوات. لكن القفزة إلى 70 مليون دولار تعكس حجم الرهان الحالي على الذكاء الاصطناعي كقطاع يُتوقع أن يعيد تشكيل الاقتصاد الرقمي خلال العقد المقبل.
الدومينات القصيرة كأصول رقمية استراتيجية
في عالم الإنترنت، تُعد الأسماء القصيرة سهلة الحفظ بمثابة عقارات فاخرة في قلب مدينة رقمية. نطاق مثل AI.com يجمع بين عنصرين نادرين:
- طول شديد القِصر (حرفان فقط قبل الامتداد .com).
- كلمة مفتاحية عالمية تشير إلى قطاع يزداد أهمية: الذكاء الاصطناعي.
هذه العوامل تجعل النطاق ليس مجرد عنوان، بل أصلًا تسويقيًا واستثماريًا يمكن توظيفه لبناء علامة تجارية قوية، أو توجيه حركة مرور ضخمة إلى خدمة محددة، أو حتى إعادة بيعه لاحقًا بسعر أعلى إذا تصاعدت المنافسة.
خبراء التسويق الرقمي يرون أن نطاقًا بهذه القوة يمكنه أن يختصر على أي شركة سنوات من بناء الوعي بالعلامة التجارية، لأن الاسم نفسه يلتصق في ذهن المستخدم بمجرد قراءته، ويمنح انطباعًا بالسبق والموثوقية في مجال الذكاء الاصطناعي.
لماذا يهتم مؤسس Crypto.com بالذكاء الاصطناعي؟
منصة Crypto.com واحدة من أشهر منصات تداول العملات المشفّرة عالميًا، وقد استثمرت بكثافة في بناء علامتها التجارية؛ بداية من شراء نطاق Crypto.com نفسه بمبلغ لم يُعلن رسميًا عنه، مرورًا بحقوق تسمية ملعب “Crypto.com Arena” في لوس أنجلِس، وصولًا إلى حملات إعلانية مع نجوم عالميين.
دخول مؤسس المنصة إلى ساحة نطاقات الذكاء الاصطناعي يمكن قراءته في أكثر من اتجاه:
- تنويع الأصول الرقمية: ربط عالم العملات المشفّرة بالذكاء الاصطناعي يمنح مساحة لنماذج أعمال جديدة، مثل بروتوكولات تداول مدعومة بالذكاء الاصطناعي أو محافظ رقمية ذكية.
- رهان على المستقبل: الاحتفاظ باسم مثل AI.com اليوم قد يفتح الباب لمشروعات لم تُعلن بعد، سواء كخدمة مستقلة في مجال الذكاء الاصطناعي أو كبوابة موحدة لمشروعات متعددة.
- قوة تفاوضية: حتى لو لم يستخدمه مباشرة، يمنح النطاق مالكه ورقة قوية في أي شراكات أو صفقات مستقبلية مع شركات تقنية كبرى.
السباق على “الكلمات الذهبية” في عصر الذكاء الاصطناعي
تزامن صعود نماذج الذكاء الاصطناعي التوليدي مع موجة استحواذ على نطاقات تحمل كلمات مفتاحية مثل: AI، GPT، Chat، وغيرها. مواقع إخبارية مثل TechCrunch وBloomberg أشارت في تقارير سابقة إلى أن أسعار هذه النطاقات قفزت بشكل ملحوظ خلال السنوات الأخيرة، مع دخول شركات ناشئة ومستثمرين أفراد في سباق شرس للاستحواذ عليها.
في حالات كثيرة، لا يكون الهدف واضحًا من البداية؛ فبعض المستثمرين يكتفون بالاحتفاظ بالنطاق (Domain Holding) انتظارًا للوقت المناسب لبيعه أو تطويره، بينما تُطلق شركات أخرى عليه منتجات مباشرة، كما فعلت OpenAI مع نطاق ChatGPT.com وبرامج أخرى تابعة لها.
أثر هذه الصفقات على السوق العربية
السؤال الذي يفرض نفسه: ماذا تعني صفقة مثل AI.com لسوق النطاقات الرقمية والشركات الناشئة في المنطقة العربية؟
السوق العربية لا تزال متأخرة نسبيًا في تقدير القيمة الاستراتيجية لأسماء النطاقات، سواء بالعربية أو اللغات الأخرى. كثير من الشركات الناشئة تبدأ بأسماء نطاقات طويلة أو معقّدة تجنبًا لدفع مبالغ أعلى، ثم تكتشف لاحقًا أن ضعف الاسم يؤثر على قدرتها على التوسع عالميًا أو جذب الاستثمار.
في المقابل، ظهرت خلال الأعوام الأخيرة محاولات عربية جادة لحجز أسماء قوية، خاصة في المجالات المالية والتعليمية والتقنية. لكن الوعي ما زال يتشكل، وغالبًا ما يُنظر إلى تكلفة النطاق باعتبارها عبئًا، لا استثمارًا طويل الأمد.
صفقة AI.com قد تشكل مثالًا صارخًا على أن الاسم الرقمي القوي قد يساوي أو يتجاوز قيمة مكتب فخم أو حملة إعلانية ضخمة. بالنسبة للشركات العربية الناشئة في مجال الذكاء الاصطناعي أو التقنية المالية (FinTech)، فإن الاستثمار المبكر في نطاق مناسب وبسيط قد يكون فارقًا في قدرتها على التوسع خارج حدود المنطقة.
نطاقات الذكاء الاصطناعي بالعربية: فرصة لم تُستغل بعد
بينما يتنافس المستثمرون عالميًا على نطاقات مثل AI.com وGPT.com وما شابه، لا تزال كثير من الأسماء العربية المرتبطة بالذكاء الاصطناعي متاحة أو تباع بأسعار معقولة نسبيًا؛ سواء على امتداد .com أو الامتدادات المحلية مثل .sa و.ae و.eg وغيرها.
هذا يفتح الباب أمام رواد الأعمال العرب لاستباق الموجة المقبلة، عبر:
- حجز أسماء قصيرة ومعبرة بالعربية تصف خدمات الذكاء الاصطناعي أو تحليل البيانات أو الأتمتة.
- بناء منصات محتوى أو خدمات تقنية عربية تركز على استخدام الذكاء الاصطناعي في التعليم والصحة والتجارة.
- تسجيل علامات تجارية رقمية متكاملة تربط بين الاسم والنطاق والمنتج من اليوم الأول.
المعادلة هنا واضحة: كلما تأخّر السوق، ارتفعت كلفة اللحاق. الشركات التي تنتظر حتى يتشبع المجال ستجد نفسها مضطرة لدفع مبالغ أكبر بكثير للحصول على أسماء نطاقات مقبولة.
ما الذي تكشفه صفقة AI.com عن المرحلة المقبلة؟
من زاوية أوسع، تكشف هذه الصفقة عن ثلاث إشارات مهمة:
- ترسخ الذكاء الاصطناعي كقطاع استثماري مستقل: لم يعد الأمر مجرد تقنية خلفية، بل مجالًا اقتصاديًا كاملًا له علاماته التجارية وأصوله الرقمية.
- تقاطع العوالم: الكريبتو × الذكاء الاصطناعي: دخول لاعب قادم من عالم العملات المشفرة إلى منطقة النطاقات المرتبطة بالذكاء الاصطناعي يعني أن الحدود بين القطاعات أصبحت أكثر سيولة.
- تنامي قيمة “العنوان” في فضاء مزدحم: في ظل تضخم عدد التطبيقات والخدمات، يتحول الاسم المختصر الواضح إلى بوابة حيوية للوصول إلى المستخدم وسط ضجيج رقمي متزايد.
بالنسبة للمنطقة العربية، القضية لا تتوقف عند متابعة أخبار الصفقات العالمية، بل تتعلق بمدى استعداد المستثمرين والمبادرين للتعامل مع الأصول الرقمية – من نطاقات وعلامات ومنصات – بوصفها جزءًا أساسيًا من استراتيجية بناء الشركات، لا مجرد تفصيل تقني يُترك لآخر لحظة.