تتسابق الشركات حول العالم لبناء منصات ونماذج ذكاء اصطناعي بمليارات الدولارات، من وادي السيليكون إلى بكين مرورًا بلندن والرياض. لكن خلف العناوين البراقة وجولات التمويل الضخمة، يتشكل شعور واسع بين المستثمرين والخبراء بأن جزءًا كبيرًا من هذه الشركات لن يصمد طويلًا، وأن السوق يتجه نحو موجة «تصحيح قاسٍ» قد تشبه ما حدث مع فقاعة الدوت كوم مطلع الألفية.
التساؤل الأهم لم يعد: هل ستفشل شركات ذكاء اصطناعي كبرى؟ بل: ماذا يمكن إنقاذه من هذا الركام عندما يبدأ الانهيار؟
لماذا ستفشل كثير من شركات الذكاء الاصطناعي؟
هناك مجموعة من العوامل المتشابكة تدفع إلى الاعتقاد بأن عددًا غير قليل من الشركات الحالية لن يستمر على المدى المتوسط:
- نموذج أعمال غير واضح: كثير من الشركات تعتمد على «واجهة دردشة» مدعومة بنموذج لغوي ضخم، لكنها لم تجِد بعد طريقة مربحة ومستدامة لتحويل هذه القدرات إلى عوائد ثابتة.
- تكلفة تشغيلية هائلة: تشغيل النماذج الكبيرة يتطلب مراكز بيانات ضخمة وبطاقات رسومية متقدمة وطاقات كهربائية عالية. تقارير عدة تشير إلى أن تكلفة توليد استجابات نصية وصورية عند هذا الحجم لا تزال مرهقة ماليًا، خاصة مع تقديم خدمات مجانية أو بأسعار منخفضة جذّابة للمستخدمين.
- اعتماد مفرط على hype إعلامي: كما حدث مع البلوك تشين والعملات المشفرة، تجد اليوم شركات تبني تقييماتها على الضجة لا على الإيرادات الحقيقية، ما يخلق انفصالًا بين القيمة السوقية والقيمة الفعلية.
- منافسة اللاعبين الكبار: شركات مثل مايكروسوفت، غوغل، ميتا وأمازون تملك البيانات والبنية التحتية ورأس المال، وغالبًا ما تلتهم مساحة السوق التي تحاول الشركات الناشئة اقتحامها.
هذا المزيج يجعل من الصعب على شركات صغيرة أو متوسطة الاستمرار، حتى إن امتلكت تقنية متقدمة نسبيًا، ما يفتح الباب أمام موجة إفلاسات واستحواذات قسرية في الأعوام المقبلة.
لكن الفشل ليس نهاية القصة
تاريخ التقنية يوضح أن الفشل قد يكون مرحلة انتقالية ضرورية. ففقاعة الدوت كوم مثلًا دمّرت مئات الشركات، لكنها تركت خلفها بنية تحتية للإنترنت، وخبرات، ونماذج أعمال نجحت لاحقًا في بناء عمالقة مثل أمازون وغوغل.
الوضع الحالي في الذكاء الاصطناعي يشبه إلى حد كبير تلك المرحلة. كثير من الشركات لن تبقى، لكن الأصول التي تمتلكها – البيانات، النماذج، المواهب، والأدوات – ستبقى متاحة لإعادة الاستخدام ضمن أطر أكثر نضجًا وتنظيمًا. السؤال الحاسم: كيف يمكن للمجتمعات والحكومات والجامعات والمستثمرين أن يضمنوا ألّا تُهدر هذه الأصول مع سقوط الشركات؟
ما الذي يمكن إنقاذه من حطام الفقاعة؟
1. النماذج والأدوات المفتوحة المصدر
خلال العامين الماضيين، ظهرت نماذج مفتوحة المصدر تنافس أو تقترب من مستوى بعض النماذج التجارية المغلقة. تقارير تقنية متخصصة أشارت إلى أن نماذج مثل LLaMA من ميتا، ونماذج أخرى مبنية عليها، ساهمت في نشر المعرفة التقنية وجعلت تطوير حلول ذكاء اصطناعي متقدمة متاحًا لفرق صغيرة وجامعات وشركات ناشئة.
عندما تفشل شركات الذكاء الاصطناعي، يمكن أن يكون أحد أفضل السيناريوهات هو تحويل نماذجها وأدواتها إلى مشاريع مفتوحة المصدر، أو إتاحتها ضمن تراخيص تسمح باستخدامها في البحث والتعليم. هذا يضمن استمرار الاستفادة من الجهود البحثية التي استهلكت وقتًا ومالًا هائلين، بدلًا من دفنها داخل ملفات قانونية وقضايا إفلاس.
2. البيانات المنظَّمة ذات القيمة العالية
البيانات هي الوقود الأساسي للذكاء الاصطناعي. كثير من الشركات استثمرت في تنظيف وتجهيز مجموعات بيانات متخصصة في مجالات الطب، القانون، التعليم، اللغات المحلية، وغيرها. هذه المجموعات غالبًا ما تكون أثمن من الكود نفسه.
الفرصة هنا تكمن في أن توضع هذه البيانات – بعد إزالة أي معلومات شخصية وحساسة – في مستودعات يمكن للمؤسسات البحثية والجامعات الاستفادة منها. في العالم العربي، حيث ندرة البيانات المنظّمة بالعربية مشكلة مستمرة، يمكن أن تساهم عمليات الاستحواذ أو الإنقاذ المدروسة في نقل هذه البيانات إلى كيانات عربية عامة أو جامعية.
3. المواهب والخبرات المتراكمة
سوق العمل في الذكاء الاصطناعي شهد خلال 2023 و2024 موجات تسريح موظفين في شركات تقنية كبرى، كما نقلت وكالات مثل Reuters في تقارير متفرقة عن شركات وادي السيليكون. ومع أي تصحيح في سوق الذكاء الاصطناعي، ستزداد حركة تنقل الخبرات.
بدل أن تُمتص هذه الخبرات بالكامل في شركات كبرى أخرى، يمكن أن تستفيد منها الجامعات ومراكز الأبحاث والمؤسسات الحكومية. برامج استقطاب واضحة، ومسارات عمل مرنة، وتمويل لمختبرات بحثية متقدمة في المنطقة العربية قد يحوّل جزءًا من «تسرب العقول» إلى «إعادة توطين للخبرات».
4. البنية السحابية والحوسبية
الشركات التي استثمرت في بنى تحتية سحابية متخصصة للذكاء الاصطناعي – سواء كانت مراكز بيانات محلية أو منصات حوسبة عالية الأداء – تمتلك أصولًا مادية ورقمية يمكن إعادة توظيفها. عملية إنقاذ ذكية قد تحوّل هذه البنى إلى منصات وطنية أو إقليمية لدعم الشركات الناشئة والبحث العلمي، بدلًا من بيعها بأسعار متدنية لمستثمرين لا يهتمون إلا بقيمتها المادية.
كيف يبدو المشهد عالميًا؟
الاهتمام العالمي بالذكاء الاصطناعي دفع حكومات كبرى إلى التحرك. الاتحاد الأوروبي يعمل على إطار تشريعي شامل عبر “قانون الذكاء الاصطناعي”، بينما عقدت بريطانيا قمة سلامة الذكاء الاصطناعي في 2023 جمعت شركات كبرى وحكومات وخبراء لمناقشة المخاطر والفرص، بحسب تغطية BBC.
في الولايات المتحدة، بدأت المناقشات تتجه نحو مساءلة الشركات عن الشفافية والخصوصية وحقوق المؤلف، وهو ما ظهر في قضايا رفعتها دور نشر وكتاب ضد بعض شركات النماذج اللغوية متهمة إياها باستخدام محتوى محمي دون ترخيص.
هذه التحركات تشير إلى إدراك رسمي بأن السوق لن يستمر بالشكل الحالي، وأن فشل بعض النماذج والشركات أمر شبه حتمي، لذلك يتركز النقاش حول كيفية ضبط الأضرار والتأكد من أن البنية المعرفية والتقنية لا تختفي مع فشل الشركات.
ماذا عن العالم العربي؟
المنطقة العربية ليست في قلب مشهد تطوير النماذج العملاقة، لكنها في قلب مشهد الاستهلاك والتبنّي، سواء من خلال حلول عالمية أو منصات محلية ناشئة. هناك استثمارات واضحة في الخليج، خصوصًا في السعودية والإمارات وقطر، لبناء مراكز بيانات منصات حوسبة متقدمة، مع محاولات لتطوير نماذج لغوية عربية أو ثنائية اللغة.
لكن التحدي الأكبر يتمثل في غياب رؤية مشتركة لما بعد الفقاعة. إذا انهارت شركات عالمية يعتمد عليها قطاع واسع من الخدمات في المنطقة – من التعليم إلى الصحة والخدمات الحكومية – فكيف سيتعامل صانع القرار مع هذا الانقطاع؟ وهل توجد خطط احتياطية لاعتماد بدائل مفتوحة أو محلية؟
هناك فرصة مهمة هنا: يمكن لصناديق الاستثمار السيادية والجامعات العربية الكبرى أن تتحرك بشكل استباقي للاستحواذ على أصول مفيدة (بيانات عربية، نماذج متخصصة، فرق بحثية) من شركات متعثرة، وتحويلها إلى مشاريع عامة مفتوحة أو منصات إقليمية مشتركة.
نحو إستراتيجية «إنقاذ منظم»
تعامل الأسواق عادةً مع فشل الشركات بمنطق قانوني بحت: تصفية، سداد ديون، توزيع أصول. لكن عندما تكون الأصول هي “معرفة” و”نماذج” و”بيانات” يمكن أن تغير شكل الاقتصاد، تصبح الحاجة ملحّة لرؤية أوسع.
إستراتيجية الإنقاذ المنظم يمكن أن تشمل:
- وضع أطر قانونية تشجع الشركات المتعثرة على فتح جزء من نماذجها وبياناتها للبحث والتعليم مقابل حوافز أو تخفيفات.
- إنشاء صناديق وطنية أو إقليمية لشراء الأصول المعرفية ذات الصلة باللغة العربية وتحويلها إلى مشاريع مفتوحة أو منصات عامة.
- تشجيع التعاون بين المشرّعين والجامعات وشركات التقنية لتحديد ما يجب إنقاذه أولًا: البيانات، النماذج، أم المواهب.
- دعم مبادرات توثيق المعايير والممارسات الجيدة في تطوير النماذج، حتى لا تضيع الخبرات المتراكمة مع اختفاء الشركات.
الذكاء الاصطناعي اليوم في لحظة تشبه مرحلة بناء السكك الحديدية أو شبكات الكهرباء قبل قرن من الزمان. ليست كل شركة سكة حديد استمرت، لكن البنية التي تركتها صنعت اقتصادًا جديدًا. بين الفشل والنجاح مساحة واسعة يمكن فيها إنقاذ الكثير، بشرط أن يكون هناك من يخطط لما بعد السقوط، لا لما قبل الانطلاق فقط.