ما الذي يحدث لسهم مايكروسوفت؟
تجد مايكروسوفت نفسها اليوم في قلب عاصفة تجمع بين خوف المستثمرين من تباطؤ نمو البرمجيات التقليدية، وقلق متزايد من أن استثمارات الذكاء الاصطناعي الضخمة لم تتحول بعد إلى قفزة موازية في الإيرادات. النتيجة: السهم يتجه نحو أسوأ ربع له منذ الأزمة المالية العالمية عام 2008، مع تراجع يتجاوز 25% منذ بداية العام، وفق بيانات جمعتها Bloomberg.
هذا الهبوط يجعل أداء مايكروسوفت الأضعف بين مجموعة “السبعة الكبار” في قطاع التكنولوجيا، في وقت يتراجع فيه مؤشر هذه الشركات بنحو 14% فقط خلال الفترة نفسها. بالنسبة لشركة اعتادت لعب دور “الملاذ الآمن” داخل قطاع التقنية، تبدو الأرقام مقلقة وتستدعي قراءة أعمق لما يجري.
سباق استثمارات لا يهدأ في البنية التحتية للذكاء الاصطناعي
تُجمع معظم التقارير المالية على أن مايكروسوفت تخوض سباقاً مكلفاً جداً للحفاظ على موقعها في سوق الحوسبة السحابية والذكاء الاصطناعي. تقديرات بلومبرغ تشير إلى أن نفقات الشركة الرأسمالية، بما فيها عقود الإيجار والإنشاءات الخاصة بمراكز البيانات، قد تصل إلى نحو 146 مليار دولار في العام المالي 2026، مقارنة بحوالي 88 مليار دولار في 2025.
ولا يتوقف الأمر عند هذا الحد؛ إذ تُرجِّح التقديرات أن يرتفع الإنفاق إلى 170 مليار دولار في 2027، ثم إلى نحو 191 مليار دولار في 2028. هذه الأرقام تعكس مستوى غير مسبوق من ضخ الأموال في البنية التحتية السحابية والرقمية: مراكز بيانات جديدة، معالجات أكثر قوة، توسعة شبكة Azure، وتكامل أعمق مع نماذج الذكاء الاصطناعي من OpenAI وشركاء آخرين.
لكن في بورصة نيويورك، لا يكفي ضخ الأموال. المستثمر يريد أن يرى نمواً متسارعاً في العائدات والأرباح يبرر هذا الإنفاق، وهنا تحديداً يتصاعد التوتر.
تساؤلات حول العائد الفعلي من الذكاء الاصطناعي
جزء مهم من الضغوط الحالية يرتبط بالتوقعات العالية التي رُسمت لمايكروسوفت منذ بداية موجة الذكاء الاصطناعي التوليدي في أواخر 2022. الشركة بدت آنذاك الأسبق في التحرك عبر استثمارها الكبير في OpenAI، وإضافة إمكانيات Copilot إلى منتجات مثل Windows وOffice وGitHub وAzure.
ورغم أن الإدارة التنفيذية تتحدث باستمرار عن “طلب قوي” على خدمات الذكاء الاصطناعي السحابية، فإن بيانات النمو الفعلية أظهرت مؤخراً تباطؤاً طفيفاً في نمو Azure مقارنة بالربع السابق. كما أن منتج Copilot نفسه لم يحقق بعد الانتشار الذي كان يتوقعه كثير من المحللين، سواء على مستوى المستخدمين الأفراد أو الشركات.
محللون في مؤسسات استثمارية كبرى أشاروا لبلومبرغ إلى أن السوق يريد أن يرى تحول الذكاء الاصطناعي من قصة مستقبلية واعدة إلى محرك نمو ماثل في الأرقام: ارتفاع متوسط العائد لكل مستخدم، عقود ضخمة جديدة في قطاع الشركات، وانخفاض نسبي في تكلفة التشغيل بفضل الأتمتة.
خوف من تحول العملاء مباشرة إلى شركات الذكاء الاصطناعي
جانب آخر من القلق يرتبط بنمو جيل جديد من شركات الذكاء الاصطناعي المتخصصة، مثل OpenAI وAnthropic وCohere وغيرها. هذه الشركات تقدم منصات ونماذج يمكن للشركات الاعتماد عليها مباشرة لبناء تطبيقاتها، دون المرور بالضرورة عبر بوابة مايكروسوفت أو غيرها من عمالقة البرمجيات التقليدية.
جوناثان كوفيسكي، مدير محفظة استثمارية في Janus Henderson Investors، نقلت عنه بلومبرغ قوله إن هناك خشية متزايدة من أن “يدفع العملاء الأموال مباشرة لمزودي خدمات الذكاء الاصطناعي، بدلاً من دفعها لمايكروسوفت”، ما قد يضغط على أعمال البرمجيات الأساسية للشركة، أو على الأقل على هوامش الربح.
هذا السيناريو يطرح سؤالاً جوهرياً: هل سيتحول الذكاء الاصطناعي إلى طبقة مستقلة فوق أنظمة التشغيل والسحابة والتطبيقات التقليدية، تتعامل معها الشركات مباشرة؟ أم أن اللاعبين الكبار مثل مايكروسوفت سيظلون بوابة العبور الرئيسية لهذه التقنيات؟ السوق لم يحسم رأيه بعد، لكن تقلب سهم مايكروسوفت يوحي بأن الإجابة لم تعد محسومة كما كانت قبل عام واحد فقط.
بين تفاؤل طويل الأجل وتشاؤم قصير الأجل
رغم التراجع الحاد في سعر السهم، لم يتغير الانطباع العام لدى أغلب بيوت الخبرة بأن مايكروسوفت تبقى مرشحة قوية لأن تكون من أكبر المستفيدين على المدى الطويل من ثورة الذكاء الاصطناعي. نموذج أعمال الشركة المتنوع، من البرمجيات المكتبية إلى السحابة والألعاب، يمنحها قدرة على امتصاص الصدمات.
لكن المدى القصير يحمل تحديات واضحة:
- استثمارات رأسمالية ضخمة تضغط على التدفقات النقدية.
- تباطؤ نسبي في نمو Azure مقارنة بالتوقعات العالية.
- منتجات ذكاء اصطناعي مثل Copilot لم تصل بعد إلى درجة الاعتماد الجماهيري الكاسح.
- منافسة شرسة من أمازون وغوغل في السحابة، ومن شركات ناشئة في الذكاء الاصطناعي.
هذا المزيج يجعل أي خيبة أمل صغيرة في نتائج ربع سنوي كافية لإطلاق موجة بيع حادة في السهم، خاصة بعد موجة صعود قوية في 2023 وبداية 2024 رفعت التقييمات إلى مستويات عالية.
إلى أين تتجه مايكروسوفت؟
الصورة الحالية يمكن تلخيصها في مفارقة واضحة: مايكروسوفت تنفق أموالاً قياسية للاستعداد لمستقبل تؤمن بأنه سيكون مُداراً بالذكاء الاصطناعي، بينما يعاقبها السوق حالياً لأن هذا المستقبل لم ينعكس بعد بالشكل الكافي في نتائج اليوم.
إذا نجحت الشركة في السنوات المقبلة في تحويل مليارات الدولارات التي تضخها في البنية التحتية إلى خدمات مدفوعة بعقود طويلة الأجل واعتماد واسع للذكاء الاصطناعي داخل المؤسسات، فقد يُنظر إلى هذه الفترة بوصفها استثماراً جريئاً ومبكراً. أما إذا استمر العملاء في الذهاب مباشرة إلى شركات الذكاء الاصطناعي المتخصصة، أو إذا تباطأ نمو السحابة لفترة أطول من المتوقع، فقد تتحول الاستثمارات الضخمة إلى عبء على ربحية الشركة وتقييمها.
حتى ذلك الحين، ستبقى مايكروسوفت مثالاً حياً على معضلة التكنولوجيا الحديثة: لا يمكن تجاهل سباق الذكاء الاصطناعي، ولا يمكن خوضه بلا سقف إنفاق واضح، ولا ضمانة على أن من يدفع أكثر اليوم سيكون بالضرورة الرابح الأكبر غداً.