موجة تسريح جديدة في ميتا: لماذا الآن؟
بدأت شركة ميتا بلاتفورمز، المالكة لفيسبوك وإنستغرام وواتساب، تسريح المئات من موظفيها منذ يوم الأربعاء، بحسب ما نقلت وكالة رويترز عن مصدر مطلع. وتشمل عمليات التسريح عدداً من فرق العمل داخل الشركة، في خطوة تُظهر أن سياسة “عام الكفاءة” التي أعلنها مارك زوكربيرغ لم تنته بعد، بل تتحول إلى نهج طويل الأمد لتمويل سباق الشركة في الذكاء الاصطناعي.
من خطط لتسريح واسع إلى تنفيذ تدريجي
كانت رويترز قد أوردت في تقرير سابق خلال مارس أن ميتا تدرس تنفيذ عملية تسريح واسعة قد تطال 20٪ أو أكثر من موظفيها، مع توجيه كبار التنفيذيين للإدارات المختلفة بوضع خطط لتقليص أعداد الموظفين.
التنفيذ الفعلي بدأ على نطاق أضيق، وفق ما أكدته مصادر متطابقة، لكنه يستهدف أقساماً حساسة داخل الشركة، وليس فقط الوظائف المساندة. هذا يعني أن ميتا لا تكتفي بخفض التكاليف التشغيلية البحتة، بل تعيد رسم خريطتها الداخلية حول الأولويات الجديدة، وعلى رأسها الذكاء الاصطناعي التوليدي والبنية التحتية الضخمة التي يتطلبها.
أي الأقسام تضررت؟ الواقع المعزز والتوظيف على القائمة
صحيفة The Information أشارت في تقرير سابق إلى أن عمليات التسريح تشمل:
- قسم الواقع المعزز والافتراضي Reality Labs المسؤول عن نظارات الواقع المختلط وأجهزة الميتافيرس.
- فرق مرتبطة بمنتجات التواصل الاجتماعي الأساسية مثل فيسبوك وإنستغرام.
- فرق التوظيف والموارد البشرية، في إشارة إلى تباطؤ واضح في التوسع العددي للقوى العاملة.
هذا التوزيع يوضح أن ميتا تعيد ترتيب رهاناتها: تقليص نسبي في الميتافيرس والعمليات غير الأساسية، مقابل ضخ مزيد من الموارد في الذكاء الاصطناعي والبنية التحتية السحابية التي تحتاجها نماذج مثل Llama.
تصريحات ميتا: “إعادة هيكلة” لا “تقشف أعمى”
قال متحدث باسم ميتا في بيان رسمي نقلته رويترز:
تعمل الفرق المختلفة في ميتا على إعادة الهيكلة أو تنفيذ التغييرات بانتظام لضمان أنها في أفضل وضع لتحقيق أهدافها. ونبحث عن فرص أخرى للموظفين الذين قد تتأثر وظائفهم إذا تسنى ذلك.
اللغة المستخدمة هنا ليست لغة “أزمة سيولة”، بل أقرب إلى إدارة محفظة استثمارية ضخمة: قص من هنا، وزيادة من هناك. لكن بالنسبة للموظفين المتأثرين، وللشركات التي تعتمد على منتجات ميتا، تبقى النتيجة واحدة: تحوّل سريع في اتجاه الشركة، مع آثار مباشرة على سوق العمل التقني.
تكاليف الذكاء الاصطناعي: مليارات الدولارات على الطاولة
تسعى ميتا إلى تعويض التكاليف المتزايدة لاستثماراتها في الذكاء الاصطناعي. بحسب التوقعات التي أوردتها الشركة في تقاريرها للمستثمرين، فإن إجمالي النفقات السنوية قد يتراوح بين 162 و169 مليار دولار في عام 2026، مدفوعاً بعدة عوامل أبرزها:
- شراء وتشغيل مئات الآلاف من معالجات الرسوميات (GPUs) اللازمة لتدريب نماذج لغوية وصورية عملاقة.
- توسعة مراكز البيانات عالمياً لتخزين ومعالجة كميات هائلة من البيانات.
- حزم رواتب ضخمة لاستقطاب أفضل علماء وباحثي الذكاء الاصطناعي المنافسين لشركات مثل OpenAI وGoogle وAnthropic.
هذه الأرقام تعني أن ميتا، لكي تحافظ على قدرتها التنافسية في الذكاء الاصطناعي، تحتاج إلى تحرير مليارات الدولارات من بنية التكلفة الحالية، وأسرع طريق لذلك هو خفض النفقات الثابتة، وعلى رأسها الرواتب في الوظائف التي تعتبرها الشركة أقل ارتباطاً باستراتيجيتها المستقبلية.
79 ألف موظف… والعدد إلى أين؟
التقرير السنوي لميتا أوضح أن عدد موظفي الشركة اقترب من 79 ألف موظف في 31 ديسمبر 2025. هذا الرقم يأتي بعد سلسلة من جولات التسريح التي بدأت منذ 2022، حين أعلنت ميتا تقليصاً واسعاً شمل أكثر من 20 ألف وظيفة على عدة مراحل، بحسب تقارير BBC ومصادر أخرى.
من الناحية العملية، التسريحات الجديدة قد لا تغيّر الرقم الإجمالي بشكل جذري إذا استمرت الشركة في التوظيف “النوعي” في مجالات الذكاء الاصطناعي، لكن التركيبة الداخلية للقوى العاملة تتبدل بوضوح: عدد أقل في الميتافيرس والمنتجات غير الأساسية، وعدد أكبر من علماء البيانات، والباحثين، ومهندسي البنى التحتية، ومطوري النماذج التوليدية.
اتجاه عالمي: شركات التقنية الكبرى تعيد رسم خريطتها
ما يحدث في ميتا ليس حالة منفصلة. خلال العامين الماضيين، نفذت شركات تقنية كبرى مثل أمازون، مايكروسوفت، غوغل، وسيلزفورس موجات تسريح طالت عشرات الآلاف من الموظفين عالمياً، بحسب إحصاءات موقع Layoffs.fyi الذي يتابع تسريحات قطاع التقنية منذ 2020.
القاسم المشترك بين معظم هذه التحركات:
- تخفيف آثار التوظيف المفرط خلال جائحة كورونا، حيث توسعت الشركات بسرعة لتلبية الطلب الرقمي المفاجئ.
- تحويل جزء من الميزانيات إلى استثمارات في الذكاء الاصطناعي والبنى السحابية وخدمات الاشتراك المتكررة.
- التركيز على الربحية والكفاءة بعد انتهاء مرحلة “النمو بأي ثمن” التي سيطرت على سنوات ما قبل رفع الفائدة الأميركية.
في هذا السياق، تبدو قرارات ميتا جزءاً من حركة أوسع في وادي السيليكون: إعادة ضبط الأولويات حول الذكاء الاصطناعي كعمود فقري للأعمال القادمة، سواء في الإعلان، أو التوصيات، أو إنشاء المحتوى، أو الميتافيرس نفسه.
كيف ينعكس ذلك على منتجات ميتا التي نستخدمها يومياً؟
بالنسبة للمستخدم النهائي في العالم العربي، قد لا تظهر آثار هذه التسريحات مباشرة في شكل تعطّل للخدمات أو اختفاء لميزات رئيسية. لكن التغييرات الاستراتيجية ستظهر تدريجياً في:
- زيادة حضور الذكاء الاصطناعي في تجربة الاستخدام، مثل المساعدات الذكية داخل واتساب وإنستغرام وفيسبوك.
- تحسين أدوات إنشاء المحتوى للمبدعين وصنّاع المحتوى، بالاعتماد على نماذج مثل Llama لإنشاء نصوص وصور وفيديوهات.
- تراجع زخم مشاريع الميتافيرس الموجهة للمستهلكين على المدى القصير، مع احتمال التركيز أكثر على الاستخدامات المهنية والمؤسساتية.
الرهان الذي تتبناه ميتا هو أن استثمار المليارات في الذكاء الاصطناعي اليوم يمكن أن ينتج عنه منتجات وخدمات قادرة على توليد إيرادات إعلانية وخدمية أعلى بكثير من المشاريع التي يتم تقليصها الآن.