في مداخلة لافتة أعادت فتح النقاش حول علاقة البشر بالذكاء الاصطناعي، قال سام ألتمان إن أنماط استخدام الناس لأداة ChatGPT تختلف بشكل كبير تبعًا للفئة العمرية. تصريح يبدو بسيطًا في ظاهره، لكنه يحمل في طياته دلالات عميقة حول التحوّل الجاري في طريقة تفكير الأجيال المختلفة، وحدود الاعتماد على الذكاء الاصطناعي في الحياة اليومية، والدور الذي باتت تلعبه هذه الأدوات في تشكيل القرارات والسلوكيات.
ثلاث فئات عمرية… وثلاث طرق تفكير
بحسب ألتمان، فإن المستخدمين الأكبر سنًا يتعاملون مع ChatGPT بوصفه محرك بحث متطورًا؛ أداة أسرع وأكثر تفاعلًا من محركات البحث التقليدية، تُستخدم للإجابة عن الأسئلة، تلخيص المعلومات، أو فهم موضوع ما دون الغوص في تعقيدات تقنية. هذا الاستخدام يعكس علاقة وظيفية مباشرة: سؤال وجواب، دون تحميل الأداة دورًا أكبر من كونها وسيلة للوصول إلى المعرفة.
في المقابل، يرى ألتمان أن الأشخاص في العشرينيات والثلاثينيات يستخدمون ChatGPT بطريقة مختلفة تمامًا، أقرب إلى مستشار حياتي. هنا لا يقتصر التفاعل على البحث عن معلومة، بل يمتد إلى طلب النصيحة في العمل، وتنظيم الوقت، واتخاذ قرارات مهنية، بل وحتى التفكير في العلاقات الشخصية وتطوير الذات. هذه الفئة ترى في الذكاء الاصطناعي شريكًا ذهنيًا يساعد على التفكير، وليس مجرد أداة معلوماتية.
أما الفئة الثالثة، وهي طلاب الجامعات، فيصف ألتمان علاقتهم بـ ChatGPT بأنها الأكثر عمقًا وربما الأكثر إثارة للجدل. فالكثير منهم بات يعتمد عليه بوصفه «نظام تشغيل لاتخاذ القرارات اليومية»؛ أداة تُستخدم لتخطيط اليوم، اختيار ما يجب دراسته، ترتيب الأولويات، بل وحتى الموازنة بين الدراسة والحياة الشخصية. في هذا السياق، يتحول الذكاء الاصطناعي من مساعد إلى بنية تحتية ذهنية تُبنى عليها القرارات.
لماذا يختلف الاستخدام بهذا الشكل؟
يفسّر خبراء هذا التباين بعدة عوامل، أبرزها الخلفية الرقمية لكل جيل. فالمستخدمون الأكبر سنًا نشؤوا في عالم كانت فيه التكنولوجيا وسيلة مساعدة، لا محورًا أساسيًا للحياة اليومية. أما الأجيال الأصغر، فقد كبرت في بيئة رقمية متشابكة، حيث أصبحت التطبيقات والأنظمة الذكية جزءًا من التفكير اليومي، لا مجرد أدوات خارجية.
طلاب الجامعات، على وجه الخصوص، يعيشون مرحلة انتقالية مليئة بالضغوط: اختيارات أكاديمية، مستقبل مهني غير واضح، أعباء اقتصادية، وتسارع معرفي غير مسبوق. في هذا السياق، يبدو الاعتماد على ChatGPT كوسيلة لتنظيم الفوضى الذهنية أمرًا مفهومًا، بل جذابًا.
بين الدعم والاعتماد المفرط
تصريحات ألتمان أثارت نقاشًا واسعًا بين المختصين. فبينما يرى البعض أن استخدام الذكاء الاصطناعي كمستشار أو منظم للقرارات يمكن أن يعزز الكفاءة ويخفف الضغط النفسي، يحذّر آخرون من مخاطر الاعتماد المفرط. السؤال الجوهري هنا: متى يكون الذكاء الاصطناعي أداة دعم، ومتى يتحول إلى بديل عن التفكير النقدي؟
علماء نفس وتقنيون يشيرون إلى أن الخطر لا يكمن في استخدام ChatGPT، بل في تفويض القرار بالكامل له دون فهم السياق أو تحمل المسؤولية. فالذكاء الاصطناعي، مهما بلغ من تطور، يبقى نظامًا احتماليًا يعتمد على بيانات سابقة، لا على وعي أو تجربة إنسانية حقيقية.
انعكاسات على التعليم
استخدام طلاب الجامعات لـ ChatGPT كنظام تشغيل للقرارات اليومية يطرح تحديات كبيرة أمام المؤسسات التعليمية. فبدل الاكتفاء بالنقاش التقليدي حول «الغش الأكاديمي»، بات السؤال الأهم: كيف نعلّم الطلاب استخدام الذكاء الاصطناعي بشكل واعٍ ومسؤول؟
بعض الجامعات بدأت بالفعل في إدخال مساقات حول الذكاء الاصطناعي والأخلاقيات الرقمية، بهدف تحويل هذه الأدوات من مصدر قلق إلى عنصر تعلّم. الفكرة ليست منع الاستخدام، بل توجيهه: كيف تسأل؟ كيف تتحقق؟ كيف تميّز بين الاقتراح والمعلومة المؤكدة؟
رؤية سام ألتمان للمستقبل
حديث ألتمان لا ينفصل عن رؤية أوسع تقودها شركة OpenAI، تقوم على أن الذكاء الاصطناعي سيصبح جزءًا طبيعيًا من حياة البشر، تمامًا كما أصبح الهاتف الذكي أو الإنترنت. لكن الفارق الجوهري، كما يشير هو نفسه في مناسبات عدة، أن هذه الأدوات لا تتعامل فقط مع المعلومات، بل مع التفكير واتخاذ القرار.
من هنا، فإن فهم اختلاف أنماط الاستخدام بين الأجيال ليس مجرد ملاحظة اجتماعية، بل مؤشر استراتيجي على كيفية تطور العلاقة بين الإنسان والآلة في السنوات القادمة.
هل نحن أمام فجوة جديدة بين الأجيال؟
كما صنع الإنترنت ووسائل التواصل الاجتماعي فجوة معرفية وسلوكية بين الأجيال، قد يكون الذكاء الاصطناعي التفاعلي بصدد خلق فجوة من نوع جديد. جيل يرى فيه أداة مساعدة، وجيل آخر يعتبره شريكًا في التفكير، وجيل ثالث يبني عليه قراراته اليومية.
هذه الفجوة لا تعني بالضرورة صراعًا، لكنها تتطلب وعيًا مجتمعيًا وتنظيميًا، يضمن أن يبقى الذكاء الاصطناعي عامل تمكين لا عامل هيمنة على القرار الإنساني.