ذكاء اصطناعي جديد يخطف الأضواء
خلال أقل من عام، تحوّل اسم «كلود» (Claude) من مشروع ناشئ داخل شركة صغيرة نسبيًّا إلى أحد أكثر نماذج الذكاء الاصطناعي تداولًا في العالم. لم يعد الحديث مقتصرًا على المهندسين والمبرمجين؛ بل تجاوز ذلك إلى المستخدمين العاديين، من كتّاب ومعلّمين وروّاد أعمال، وحتى طلاب المدارس والجامعات.
هذا الصعود السريع يطرح سؤالًا أساسيًّا: ما الذي يجعل كلود مختلفًا في سوق مكتظ بأسماء ضخمة مثل ChatGPT من OpenAI وGemini من جوجل وCopilot من مايكروسوفت؟
من هي Anthropic؟ ولماذا كلود مهم؟
كلود هو نموذج ذكاء اصطناعي مولِّد للنصوص تطوّره شركة Anthropic الأمريكية، وهي شركة أسّسها عدد من الباحثين السابقين في OpenAI، مع تركيز واضح على ما تسمّيه «الذكاء الاصطناعي القابل للضبط والموثوق» (Constitutional AI). هذا التركيز على السلامة والتحكّم في السلوك كان أحد الأسباب التي جعلت كلود يكتسب صورة «المساعد الهادئ والعقلاني» مقارنة ببعض النماذج الأخرى.
بحسب تغطيات متعدّدة من Reuters وThe New York Times، تضخّ شركات تقنية كبرى مثل أمازون وجوجل استثمارات ضخمة في Anthropic، في رهان واضح على أن كلود يمكن أن يكون أحد أعمدة الجيل التالي من تطبيقات الذكاء الاصطناعي.
ما الذي يميّز كلود عن المنافسين؟
عند مقارنة كلود مع نماذج أخرى في السوق، تظهر مجموعة من العناصر التي تفسّر انجذاب المستخدمين – خصوصًا غير التقنيين – إليه:
1. أسلوب تواصل أقرب للبشر
الكثير من المستخدمين يصفون تجربة التفاعل مع كلود بأنها «طبيعية» و«هادئة» و«مركَّزة». الأسلوب أقل رسمية من نماذج تقليدية، وأقرب إلى شخص يرافقك في التفكير والتحليل بدلًا من مجرّد سرد معلومات.
يمكن لمستخدم عادي أن يطلب من كلود مثلًا: «رتّب أفكاري لمشروع صغير أطلقه على إنستغرام بميزانية 500 دولار»، ليحصل على خطة تسويقية مبسّطة، وتقسيم للمهام، واقتراحات لمحتوى يمكن نشره، بأسلوب مفهوم وغير تقني.
2. قدرة كبيرة على فهم النصوص الطويلة
أحد أكبر التحديات التي واجهت النماذج السابقة أن «ذاكرتها» القصيرة تجعل التعامل مع مستندات طويلة أو مشاريع معقّدة أمرًا صعبًا. الإصدارات الحديثة من كلود – مثل Claude 3 – تدعم سياقًا ضخمًا يمكنه استيعاب مئات الصفحات من النصوص دفعة واحدة، سواء كانت تقارير مالية، أو مستندات قانونية، أو دروسًا جامعية كاملة.
هذا يعني أن محاميًا يمكنه تحميل عقد طويل لمراجعته، وأن باحثًا يمكنه إدخال مسودة دراسة كاملة مع طلب تلخيص نقدي، وأن طالبًا يمكنه نسخ فصل كامل من كتاب جامعي للحصول على شرح مبسّط ونقاش للأسئلة المحتملة في الامتحان.
3. تركيز واضح على الأمان وتقليل الهلوسة
مسألة «الهلوسة» – أي اختراع النموذج لحقائق غير صحيحة – واحدة من أخطر نقاط الضعف في الذكاء الاصطناعي التوليدي. Anthropic تحاول معالجة هذه المشكلة من خلال منهجية «الدستور» التي توضّح قواعد أخلاقية وسلوكية مضمّنة داخل النموذج، ما يجعله أكثر حذرًا في الادعاءات غير الموثوقة.
تقارير MIT Technology Review تشير إلى أن هذه المنهجية لا تلغي الأخطاء تمامًا، لكنها تقلّل من حدّتها وتدفع النموذج إلى تبرير إجاباته وتوضيح حدود معرفته، وهو ما ينعكس في تجربة استخدام أكثر اتّزانًا للمستخدم النهائي.
لماذا ينجذب إليه غير المتخصصين؟
اللافت أن ضجّة كلود لا تأتي من مجتمع المبرمجين وحسب، بل من مستخدمين غير تقنيين يكتشفون للمرة الأولى كيف يمكن لأداة ذكاء اصطناعي أن تغيّر يومهم العملي والشخصي.
مساعد كتابي وتحريري
كتّاب المحتوى، الصحفيون، وطلاب الإعلام يذكرون أن كلود يبرع في:
- تنظيم الأفكار قبل كتابة المقالات أو التقارير.
- صياغة مسودات أولية يمكن تعديلها لاحقًا.
- تقديم اقتراحات لعناوين جذابة وأسئلة للمقابلات.
شخص لا يمتلك خبرة تحريرية كبيرة يمكنه الاعتماد على كلود لكتابة رسالة رسمية، أو سيرة ذاتية، أو خطاب تقديم لوظيفة بلغة أكثر احترافية، مع إمكانية طلب تبسيط أو إعادة صياغة حتى يشعر أن النص يمثّله.
مدرّس خاص على مدار الساعة
في العالم العربي، بدأ بعض الطلاب والأساتذة يتعاملون مع كلود كمساعد تعليمي إضافي. يمكن للطالب أن يطلب شرحًا مبسّطًا لمفهوم في الفيزياء أو الاقتصاد بلغة عربية واضحة، مع أمثلة مجتمعية قريبة من واقعه، وأن يطلب في الوقت نفسه تلخيصًا إنجليزيًّا لمراجعة المصطلحات.
هذا الاستخدام لا يعوّض دور المعلم أو الأستاذ، لكنه يضيف طبقة تفاعلية جديدة تساعد على فهم الدرس بطرق مختلفة، خاصة لمن يتعلّم ذاتيًّا عبر الإنترنت.
كلود والمنطقة العربية: فرص وتحدّيات
حتى الآن، ما زال الاعتماد الأكبر في نماذج الذكاء الاصطناعي العالمية على اللغة الإنجليزية، وكلود ليس استثناءً؛ أداءه في الإنجليزية متقدّم جدًّا مقارنة ببقية اللغات. لكن تجارب المستخدمين العرب تشير إلى تحسّن ملحوظ في قدرات النموذج على فهم العربية الفصحى وتوليد نصوص مقبولة، خاصة في المجالات العامة وغير المتخصصة للغاية.
رغم ذلك، هناك ثغرات واضحة:
- ضعف في التعامل مع بعض اللهجات المحلية واستيعاب التراكيب العامية المعقّدة.
- قصور في فهم السياقات الثقافية الدقيقة والقضايا المحلية الحساسة.
- محدودية المصادر العربية عالية الجودة ضمن بيانات التدريب مقارنة بالإنجليزية.
هذا الواقع يفتح الباب أمام سؤال مهم لصنّاع القرار في المنطقة: هل سنكتفي بدور «المستهلك» لأدوات عالمية مثل كلود، أم سنسعى لبناء طبقة خدمات عربية فوق هذه النماذج، أو حتى تطوير نماذج مخصّصة للغة والسياق العربي؟
بين الإبهار والتوجّس
الانبهار الشعبي بأدوات مثل كلود يحمل جانبًا آخر من الصورة: القلق من تأثيرها على الوظائف، ومستقبل التعليم، وموثوقية المعلومات. تقارير BBC وFinancial Times تشير إلى قلق متزايد في قطاعات الصحافة، والتسويق، وخدمة العملاء من تسارع الأتمتة المعتمدة على الذكاء الاصطناعي.
لكن الصورة ليست سوداء بالكامل؛ فالأدوات نفسها تفتح مجالات جديدة للعمل الحر، وتقلّل من الحواجز أمام روّاد الأعمال، وتمكّن الأفراد من إنتاج محتوى وخدمات بجودة كان يصعب الوصول إليها من قبل بدون فريق متكامل.
في السياق العربي، يمكن أن تتحوّل هذه النماذج إلى رافعة حقيقية لزيادة الإنتاجية، إذا جرى استخدامها بوعي، وضمن أطر قانونية وأخلاقية واضحة، مع الاستثمار في تدريب المستخدمين على مهارات «الأسئلة الذكية» (Prompting) واستغلال قدرات النموذج دون الاعتماد الأعمى عليه.
ما الذي ينتظر كلود ومن ينافسه؟
المشهد لا يتوقّف عند Anthropic وكلود؛ المنافسة تتصاعد من جميع الاتجاهات: OpenAI تطلق نماذج أكثر قوة وسرعة، جوجل تدفع بقوة عبر Gemini، ومبادرات مفتوحة المصدر تتقدّم بسرعة، وتمنح المطوّرين حرية أكبر في التخصيص.
في هذا السباق، يبدو أن تميّز كلود لن يُقاس فقط بقوة النموذج لغويًّا أو برمجيًّا، بل بمدى قدرته على الحفاظ على ثقة المستخدمين، من خلال مزيج من الأمان، والشفافية، وسهولة الاستخدام، ودعم لغات وثقافات متنوّعة، من بينها العربية.
الأكيد أن تجربة المستخدم العادي مع الذكاء الاصطناعي لن تعود كما كانت. اسم كلود اليوم قد يكون واحدًا ضمن قائمة طويلة من النماذج، لكنه يساهم بشكل واضح في إعادة تعريف ما يتوقّعه الناس من «المساعد الذكي»: ليس روبوتًا جافًّا، بل شريكًا في التفكير والعمل اليومي.