مواجهة جديدة في عالم الذكاء الاصطناعي التوليدي
لم يعد السؤال اليوم أي نموذج ذكاء اصطناعي هو الأقوى على الورق، بل أيهما يقدم تجربة أفضل للمستخدم العادي والشركات والمطوّرين. منذ إطلاق ChatGPT من OpenAI أواخر 2022، أصبح الاسم الأكثر ارتباطًا بالذكاء الاصطناعي التوليدي. لكن دخول Google بقوة عبر عائلة نماذج Gemini قلب المعادلة وفتح سباقًا تقنيًا وإعلاميًا لا يهدأ.
الإعلان عن Gemini من Google لم يكن مجرد طرح نموذج جديد، بل محاولة واضحة لانتزاع الصدارة من ChatGPT، مستندة إلى بنية متعددة الوسائط (نص، صورة، صوت، فيديو) وقدرات دمج أعمق مع منظومة خدمات Google. السؤال الذي يشغل كثيرين اليوم: هل تجاوز Gemini فعلًا ChatGPT، أم أننا أمام توازن قوى يتغيّر حسب نوع الاستخدام؟
ChatGPT وGemini: من يملك الأفضلية على الورق؟
تعتمد المقارنة بين النموذجين عادة على أحدث الإصدارات المتاحة للمستخدمين: GPT-4.1 أو GPT-4o من جانب OpenAI، وGemini Advanced/Ultra من جانب Google. كلاهما يوصف بأنّه “نموذج عام قوي” قادر على التعامل مع مهام متعددة، من الكتابة والتحليل إلى البرمجة وتلخيص الوثائق.
تستعرض Google بشكل متكرر نتائج Gemini في اختبارات معيارية مثل MMLU (القدرة على فهم أسئلة متعددة المجالات) واختبارات البرمجة، لتثبت أن نماذجها تضاهي أو تتفوّق على نماذج OpenAI في بعض الجوانب. وبالمقابل، تشير عروض OpenAI إلى تفوّق GPT-4 في دقة المنطق، والتعامل مع التعليمات المعقّدة، وتحمّل الاستخدام الكثيف في بيئات العمل.
لكن الأرقام المعيارية ليست كل شيء؛ فالتجربة الفعلية للمستخدم تعتمد على عوامل أخرى: استقرار الأداء، جودة اللغة، دقة الحقائق، التكامل مع الأدوات، وسهولة الوصول.
اللغة العربية: مساحة تنافس لم تُحسم بعد
من منظور المستخدم العربي، إحدى أهم نقاط القياس هي أداء اللغة العربية. كلا النموذجين تطوّر بشكل ملحوظ في فهم العربية الفصحى واللهجات، لكن الفروق الدقيقة ما زالت واضحة:
- ChatGPT (إصدارات GPT-4/4o): يُظهر سلاسة عالية في الكتابة بالعربية الفصحى، مع قدرة جيدة على الحفاظ على سياق طويل، وإنتاج مقالات وتحليلات متماسكة. في المقابل، لا يزال يرتكب أحيانًا أخطاء في بعض التركيبات النحوية أو استخدام المصطلحات المتخصّصة، خاصة في المجالات القانونية والفلسفية بالعربية.
- Gemini: يستفيد من قوة Google التقليدية في معالجة اللغات العالمية، بما فيها العربية. في العديد من التجارب العملية، يقدّم Gemini أسلوبًا عربيًا مفهومًا، وإن كان أقرب أحيانًا إلى ترجمة محسّنة من الإنجليزية، مع تفاوت في جودة الصياغة بين النصوص الطويلة والرسائل القصيرة.
في التطبيقات اليومية مثل صياغة بريد رسمي، أو إعداد ملخّص لمقال عربي، قد لا يشعر المستخدم بفارق كبير بينهما. لكن عند الانتقال إلى مهام أكثر تعقيدًا، مثل كتابة بحث أكاديمي بالعربية أو تحليل نص أدبي، يميل التفوّق غالبًا للنموذج الذي تلقى تدريبًا أوسع على محتوى عربي عالي الجودة، وهو جانب لا يزال قيد التحسين لدى الجميع.
من الأفضل في البرمجة وحل المشكلات التقنية؟
تعد البرمجة إحدى أهم ساحات التنافس بين ChatGPT وGemini. تقارير تقنية متعدّدة، منها مراجعات على TechCrunch وتجارب منشورة على GitHub، تشير إلى أن نماذج GPT-4 وGPT-4o ما زالت مرجعًا رئيسيًا للمطوّرين، خاصة عند التعامل مع قواعد شيفرة كبيرة، أو طلب شروح معمّقة للمفاهيم.
Gemini من جهته يقدّم تجربة قوية، خصوصًا عندما يكون مدمجًا داخل بيئات Google مثل Android Studio أو خدمات Google Cloud، حيث يمكنه فهم سياق المشروع والوصول إلى مستندات ذات صلة بسهولة. هذا الاندماج يمنحه أفضلية في بعض سيناريوهات العمل المؤسسي.
في اختبارات عملية قام بها مطوّرون مستقلّون، تبيّن أن:
- كلا النموذجين قادر على كتابة شيفرة أولية لمواقع وتطبيقات بسيطة، مع اقتراحات للتحسين.
- GPT-4 يميل لتقديم شروح لفظية أكثر دقّة حول سبب اختيار نهج برمجي معين.
- Gemini يتفاعل بشكل أسرع أحيانًا، مع تركيز أكبر على إنتاج الشيفرة نفسها، لكنه قد يحتاج لتدخل يدوي أكثر في التصحيح في بعض اللغات أو الأطر البرمجية المتخصّصة.
دقة الحقائق وحدود “الهلوسة”
إحدى أكبر التحديات أمام جميع نماذج الذكاء الاصطناعي هي ما يُعرف بـ”هلوسة المعلومات”؛ أي تقديم إجابات خاطئة بثقة عالية. تقارير من BBC وMIT Technology Review أشارت إلى أن هذه المشكلة لم تُحل جذريًا لدى أي نموذج تجاري حتى الآن، وإن تم تقليصها عبر ربط النماذج بالبحث الفوري على الويب أو قواعد بيانات متخصّصة.
من هذه الزاوية، يمثل Gemini ميزة واضحة كونه متصلاً مباشرة بقدرات بحث Google، مما يتيح له نظريًا الوصول إلى معلومات حديثة. لكن التجارب العملية توضح أن الاعتماد على نتائج البحث لا يزيل الحاجة إلى تدقيق يدوي للمعلومات، إذ يبقى النموذج هو من يختار ويعيد صياغة ما وجده.
في المقابل، يعتمد ChatGPT غالبًا على بيانات التدريب حتى تاريخ محدد، مع إتاحة التصفح لبعض المستخدمين أو عبر واجهات برمجة التطبيقات. هذا يعني أن دقة المعلومات التاريخية والتحليلية عادة قوية، بينما قد تقل الدقة في الأخبار العاجلة أو التغيّرات القانونية والتنظيمية الحديثة إذا لم يُفعّل التصفح.
تكامل المنظومات: Google Workspace في مواجهة تطبيقات OpenAI
هنا يظهر اختلاف استراتيجي مهم. Google تراهن على Gemini كطبقة ذكية مدمجة في Gmail وDocs وDrive وMeet وباقي منظومة Workspace، ما يحوّله إلى مساعد يومي للمستخدم والمؤسسة: كتابة رسائل، تلخيص اجتماعات، تنظيم جداول، واقتراح محتوى عروض تقديمية.
OpenAI من جانبها تبني منظومتها الخاصة عبر تطبيق ChatGPT المدفوع، ومتجر GPTs، وتكامل واسع مع منصات مثل Microsoft Copilot، الذي بات مدمجًا بعمق في Windows وOffice. عمليًا، كثير من مستخدمي ChatGPT في بيئات العمل يتعاملون معه اليوم من خلال Copilot، لا من خلال موقع OpenAI مباشرة.
للمستخدم العربي، يظل انتشار خدمات Microsoft وGoogle في الشركات والحكومات عاملاً حاسمًا؛ إذ يسهل اعتماد المساعدات الذكية المدمجة دون الحاجة لتغيير البنية الرقمية القائمة.
الخصوصية والحوكمة: هاجس الشركات والجهات الرسمية
في المنطقة العربية، تلعب اعتبارات الخصوصية والسيادة الرقمية دورًا متزايد الأهمية. كثير من المؤسسات المتوسطة والكبيرة تتردد في إرسال بيانات حساسة إلى نماذج سحابية خارجية، سواء من Google أو OpenAI، بسبب متطلبات الامتثال التنظيمي (مثل القوانين المحلية أو المعايير الداخلية).
الرد التقني على هذه المخاوف يتجه نحو نماذج هجينة: جزء منها يعمل على السحابة، وجزء أصغر يُنشر محليًا (on-premise) أو على سحابة إقليمية. هنا تبرز فرص لشركات عربية وإقليمية لتقديم حلول مخصّصة باللغة العربية، مدعومة بنماذج عالمية مثل GPT-4 أو Gemini، لكن ضمن إطار حوكمة وخصوصية يتماشى مع القوانين المحلية.
هل تجاوز Gemini فعلاً ChatGPT؟
الإجابة الدقيقة تعتمد على زاوية النظر ونوع الاستخدام:
- للاستخدام الفردي الإبداعي والتحليلي: ما زال ChatGPT، خصوصًا بإصدارات GPT-4 المتقدمة، خيارًا مفضلاً لدى كثير من الكتّاب والمحللين والمطورين، بفضل ثبات الأسلوب وقوة الفهم السياقي.
- للاستخدام المدمج في أدوات Google: يتقدّم Gemini بقوة، خاصة للمستخدمين الذين يعيشون داخل منظومة Google Workspace وAndroid، حيث يصبح جزءًا طبيعيًا من سير العمل اليومي.
- في اللغة العربية: لا يوجد تفوّق كاسح لطرف واحد، بل تقارب متدرّج مع أفضلية نسبية لـ GPT-4 في المهام التحليلية العميقة، مقابل تطوّر ملحوظ لـ Gemini في المهام السريعة والتكامل مع خدمات البحث والترجمة.
يمكن القول إن سباق التفوق بين Gemini وChatGPT ليس سباق سرعة ينتهي عند خط معيّن، بل ماراثون طويل تتغيّر فيه الأرقام كل بضعة أشهر، وربما أسابيع. بالنسبة للمستخدم العربي، الأهم ليس اسم النموذج بقدر ما هو القدرة على الاختيار الواعي، والتجريب المتوازي، والتحقّق من النتائج بدل قبولها كما هي.
في نهاية المطاف، من يستفيد أكثر ليس من يراهن على نموذج واحد، بل من يفهم نقاط القوة والضعف لدى كل نموذج، ويستخدمهما كأداتين متكاملتين، لا كخصمين في معركة صفرية.