ذكاء اصطناعي في كل مكان… إلا في الأرقام
من يتابع تصريحات كبرى الشركات العالمية يظن أن الذكاء الاصطناعي أصبح المحرك الأول للإنتاجية والنمو. مئات المؤتمرات، مليارات الدولارات من الاستثمارات، ووعود لا تنتهي حول ثورة في سوق العمل. لكن الأرقام الباردة القادمة من مكاتب الرؤساء التنفيذيين والاقتصاديين تروي قصة أكثر تعقيدًا: الذكاء الاصطناعي حاضر في الخطاب، غائب تقريبًا في إحصاءات الإنتاجية والتوظيف.
هذه الفجوة بين الوعود والنتائج أعادت إلى الواجهة ما يُعرف بـ”مفارقة إنتاجية سولو” التي ظهرت قبل نحو أربعة عقود مع صعود الحواسيب. اليوم، يبدو أن التاريخ يعيد نفسه مع الذكاء الاصطناعي التوليدي.
مفارقة سولو: درس من ثورة الحواسيب
في عام 1987 كتب الاقتصادي الحائز على نوبل روبرت سولو جملة شهيرة في New York Times: “يمكنك أن ترى عصر الحاسوب في كل مكان إلا في إحصاءات الإنتاجية”. كان العالم حينها مبهورًا بقطع إلكترونية ثورية: المعالجات الدقيقة، الدوائر المتكاملة، شرائح الذاكرة. الشركات استثمرت بكثافة، وتوقّع الكثيرون طفرة سريعة في الإنتاجية.
لكن ما حدث كان العكس تقريبًا؛ فوفق تحليلات سولو، تباطأ نمو الإنتاجية في الولايات المتحدة بعد السبعينيات من نحو 2.9٪ سنويًا إلى قرابة 1.1٪. الحواسيب ملأت المكاتب، لكنها كانت في كثير من الحالات تولّد تقارير مطوّلة لا يقرأها أحد، وتضيف طبقة من التعقيد بدلًا من التبسيط.
احتاج العالم إلى سنوات طويلة حتى تُترجم استثمارات تكنولوجيا المعلومات إلى قفزة ملموسة في الإنتاجية خلال التسعينيات وبداية الألفية الجديدة. هذا التأخير بين الاستثمار والنتائج أصبح جزءًا أساسيًا من فهمنا لعلاقة التكنولوجيا بالاقتصاد.
آلاف المديرين: لا أثر يُذكر للذكاء الاصطناعي
اليوم، تلوح مفارقة جديدة في الأفق، هذه المرة مع الذكاء الاصطناعي. دراسة حديثة صادرة عن National Bureau of Economic Research (NBER) حلّلت ردود أكثر من 6 آلاف رئيس تنفيذي ومدير مالي ومسؤول تنفيذي في الولايات المتحدة والمملكة المتحدة وألمانيا وأستراليا.
النتائج كانت مفاجِئة مقارنة بضجيج السوق:
- نحو ثلثي الشركات صرّحت أنها تستخدم الذكاء الاصطناعي بالفعل.
- لكن الاستخدام الفعلي لا يتجاوز في المتوسط 1.5 ساعة أسبوعيًا لكل موظف معني.
- 25٪ من المديرين أقرّوا بعدم استخدام الذكاء الاصطناعي في أعمالهم إطلاقًا.
- قرابة 90٪ من الشركات قالت إن الذكاء الاصطناعي لم يغيّر شيئًا في الإنتاجية أو التوظيف خلال السنوات الثلاث الماضية.
المفارقة أن هؤلاء المديرين أنفسهم لديهم توقعات متفائلة للمستقبل القريب؛ إذ يتوقعون ارتفاع الإنتاجية بنحو 1.4٪ والناتج بحوالي 0.8٪ خلال ثلاث سنوات مقبلة بفضل الذكاء الاصطناعي، مع تأثير محدود على الوظائف.
أرقام متضاربة واستثمارات ضخمة
التباين لا يتوقف عند آراء المديرين. تقارير اقتصادية متخصّصة ترسم صورة متناقضة بدورها. في تدوينة حديثة، أشار تورستن سلوك، كبير الاقتصاديين في شركة Apollo Global Management، إلى أنه “يمكن رؤية الذكاء الاصطناعي في كل مكان إلا في البيانات الماكرو اقتصادية الواردة”، مستحضرًا جملة سولو ذاتها. بحسب تحليله، لا أثر واضحًا للذكاء الاصطناعي في بيانات التوظيف أو الإنتاجية أو حتى التضخم.
على الجانب الآخر، أشار تقرير لبنك الاحتياطي الفيدرالي في سانت لويس بعنوان “State of Generative AI Adoption” إلى زيادة تُقدَّر بنحو 1.9٪ في الإنتاجية التراكمية منذ إطلاق ChatGPT أواخر 2022 (St. Louis Fed). وفي المقابل، قدّر باحثون من MIT أن الذكاء الاصطناعي قد يضيف فقط نحو 0.5٪ إلى نمو الإنتاجية على مدى العقد المقبل في سيناريوهات أكثر تحفظًا.
هذا التناقض في القياسات يأتي في وقت تجاوزت فيه استثمارات الشركات العالمية في الذكاء الاصطناعي 250 مليار دولار، وفق تقديرات منشورة في تقارير اقتصادية متعدّدة. أي أن هناك التزامًا ماليًا هائلًا، لكن العائد الكلي على مستوى الاقتصاد لا يزال غامضًا.
كيف يفسّر الخبراء هذا التباطؤ؟
جزء من الإجابة يعود إلى أن إدماج الذكاء الاصطناعي في الأعمال ليس مجرّد إضافة أداة جديدة، بل يتطلّب إعادة هندسة شاملة للعمليات. الشركات التي تكتفي بمنح موظفيها حق الوصول إلى أدوات مثل ChatGPT أو Copilot غالبًا لا ترى سوى مكاسب متواضعة، لأن جوهر طريقة العمل لم يتغير بعد.
تجارب MIT في 2023 أظهرت أن أداء بعض فئات الموظفين يمكن أن يتحسّن بنسبة تصل إلى 40٪ عند استخدام نماذج لغوية متقدّمة في مهام مثل خدمة العملاء أو كتابة المسودات الأولية. لكن هذه النتائج ظهرت في بيئات تجربة مضبوطة، وليست بالضرورة مماثلة لبيئات الشركات الكبيرة المعقّدة، حيث تصطدم الأدوات الجديدة بإجراءات قديمة وبيروقراطية داخلية ومخاوف قانونية وأمنية.
إريك برينجولفسون، مدير مختبر الاقتصاد الرقمي في جامعة ستانفورد، يرى أن العالم الآن ينتقل من مرحلة الاستثمار في الذكاء الاصطناعي إلى مرحلة جني العوائد. في مقال له في Financial Times أشار إلى أن إنتاجية الولايات المتحدة قفزت بنحو 2.7٪ العام الماضي، مرجّحًا أن جزءًا من هذا التحسن مرتبط ببدء تحوّل الاستثمارات إلى نتائج عملية. كما لفت إلى مفارقة لافتة: نمو الناتج المحلي الإجمالي يسير بقوة بينما تتباطأ وتيرة خلق الوظائف، في نمط يشبه ما حدث في التسعينيات مع أتمتة المكاتب.
أين تقف المنطقة العربية من هذه التحولات؟
في العالم العربي، الصورة أكثر تباينًا. دول مثل الإمارات والسعودية أعلنت استراتيجيات وطنية طموحة للذكاء الاصطناعي، وتتحدث وثائق حكومية عن مساهمات محتملة بمئات المليارات من الدولارات في الناتج المحلي الإجمالي على المدى المتوسط. تقارير من جهات مثل PwC وMcKinsey تقدّر أن الشرق الأوسط قد يستفيد بشكل كبير من تبنّي الذكاء الاصطناعي في مجالات الطاقة والخدمات الحكومية والقطاع المالي.
لكن التحدي الأكبر لا يزال في الفجوة بين الخطط والواقع داخل الشركات المتوسطة والصغيرة، التي تشكّل العمود الفقري لمعظم الاقتصادات العربية. كثير من هذه الشركات ما زال في مرحلة التجارب المحدودة: أتمتة ردود خدمة العملاء، إنشاء محتوى تسويقي، أو استخدام أدوات ترجمة وكتابة مسودات، دون إعادة تصميم كاملة لسير العمل.
إضافة إلى ذلك، يعاني جزء كبير من المنطقة من نقص البيانات العربية عالية الجودة، ومهارات متخصّصة في علوم البيانات وهندسة النماذج، ما يجعل تبنّي الذكاء الاصطناعي العميق أكثر صعوبة. ومع ذلك، يمكن القول إن هذا التأخير قد يكون فرصة أيضًا؛ فالتجربة العالمية الحالية توضح أن الإسراع في الصرف على الذكاء الاصطناعي دون نموذج عمل واضح لا يضمن مكاسب إنتاجية.
من الضجيج إلى العائد الحقيقي
المشهد الحالي يوحي بأننا في مرحلة انتقالية تشبه زمن بدايات الحواسيب؛ استثمارات ضخمة، تجارب متفرقة، ونتائج كلية متواضعة نسبيًا. لكن الدروس التاريخية تشير إلى أن ثمار التحوّلات التكنولوجية العميقة لا تظهر فورًا في الإحصاءات، بل بعد أن تتكيّف المؤسسات، وتُعاد صياغة الوظائف، ويُعاد توزيع المهارات داخل سوق العمل.
بالنسبة لصنّاع القرار في المنطقة العربية، الرسالة الأساسية واضحة: لا يكفي إعلان استراتيجيات طموحة أو شراء أدوات جاهزة. الأثر الحقيقي للذكاء الاصطناعي في الإنتاجية لن يظهر إلا عندما يتحوّل إلى جزء مدمج في بنية الأعمال، من تصميم المنتجات إلى إدارة سلاسل الإمداد، مرورًا بالتعليم وإعادة تأهيل القوى العاملة.
إلى أن يحدث ذلك، ستظل مفارقة سولو – بنسختها القديمة والجديدة – حاضرة: يمكن رؤية الذكاء الاصطناعي في المؤتمرات والعروض التسويقية، أكثر مما يظهر في أرقام الإنتاجية على أرض الواقع.