«وضع التخفي» يصل إلى واتساب: ذكاء اصطناعي بلا عيون تراقب
أعلنت ميتا عن خيار جديد داخل واتساب يتيح للمستخدمين إجراء محادثات خاصة مع مساعدها الذكي Meta AI بطريقة تمنع حتى الشركة نفسها من الاطلاع على محتوى الرسائل. الميزة الجديدة تحمل اسم Incognito Chat أو «وضع التخفي»، وتستند إلى نفس فلسفة التشفير الكامل بين الطرفين التي جعلت واتساب من أكثر تطبيقات المراسلة شيوعًا في العالم.
الخطوة تمثل محاولة واضحة من ميتا لتخفيف القلق المتزايد حول خصوصية أدوات الذكاء الاصطناعي التوليدي، خاصة مع انتشار استخدامها في أسئلة شديدة الحساسية تتعلق بالحياة الشخصية والمالية والصحية.
كيف يعمل «وضع التخفي» مع Meta AI؟
توضح ميتا أن «وضع التخفي» يعتمد على مفهوم جديد داخل الشركة يسمى المعالجة الخاصة (Private Processing)، وهو أسلوب لمعالجة الرسائل داخل بيئة آمنة معزولة، بحيث لا يمكن لأي طرف ثالث – بما في ذلك ميتا نفسها – الوصول إلى محتوى المحادثة.
بحسب ما أعلنته الشركة، يقوم هذا الوضع على ثلاثة مبادئ أساسية:
- تشفير كامل بين الطرفين: على غرار المحادثات العادية في واتساب، تُشفَّر الرسائل بين المستخدم ومساعد Meta AI، ولا تُفكّ إلا على جهاز المستخدم وداخل بيئة التنفيذ الخاصة بالمساعد.
- عدم تخزين الرسائل افتراضيًا: الرسائل في «وضع التخفي» لا تُحفَظ على خوادم ميتا، وتُعتبر مؤقتة بطبيعتها، ما يقلل فرص الوصول غير المصرح به لاحقًا.
- استبعاد البيانات من التدريب: ميتا تقول إن الرسائل في هذا الوضع لن تُستخدم في تدريب نماذج الذكاء الاصطناعي الخاصة بها، في محاولة للرد على أكثر مخاوف المستخدمين شيوعًا: “هل تُستخدم أسئلتي الشخصية لتحسين النظام؟”.
هذه المبادئ، إذا طُبِّقت كما تعلن الشركة، تعني أن تجربة استخدام Meta AI داخل واتساب قد تصبح أقرب إلى محادثة خاصة مع شخص موثوق، لا مع خادم غامض يجمع البيانات في الخلفية.
الخصوصية والذكاء الاصطناعي: معركة ثقة مفتوحة
خلال الأعوام الأخيرة، تحوّل الذكاء الاصطناعي التوليدي إلى أداة يومية للملايين. تقارير من Pew Research Center تُظهر أن جزءًا كبيرًا من المستخدمين يشعر بالقلق من حجم البيانات التي تجمعها الشركات وكيفية استخدامها، خصوصًا عندما يتعلق الأمر بأسئلة حساسة عن الصحة أو المشكلات العائلية أو الاستشارات المهنية.
منافسون مثل OpenAI وGoogle وAnthropic قدّموا خيارات توحي بزيادة الخصوصية، مثل أوضاع «عدم استخدام البيانات للتدريب» أو حسابات الأعمال ذات سياسات صارمة لحفظ البيانات. لكن معظم هذه الحلول ما تزال تعتمد، بدرجة أو بأخرى، على وجود إمكانية وصول من الشركة إلى محتوى المحادثات أو بيانات الاستخدام لأغراض الأمان أو التحسين.
من هنا تحاول ميتا أن تميّز نفسها عبر الترويج لـ«وضع التخفي» في واتساب كمساحة مغلقة بالفعل، تجمع بين قوة نماذجها التوليدية ومنهج التشفير الكامل الذي بنت عليه سمعة واتساب منذ سنوات.
ما الذي يميّز خطوة ميتا عن المنافسين؟
التكامل داخل تطبيق يستخدمه الجميع
الميزة الجديدة لا تأتي في تطبيق منفصل أو خدمة تجريبية، بل داخل واتساب نفسه، التطبيق الذي يستخدمه أكثر من ملياري مستخدم حول العالم وفقًا لبيانات ميتا. هذا يعني أن الوصول إلى مساعد ذكي مع طبقة خصوصية قوية لا يحتاج إلى تثبيت تطبيقات إضافية أو إنشاء حسابات جديدة.
وضع «المحادثة الجانبية» Side Chat
إلى جانب «وضع التخفي»، تعمل ميتا على اختبار ميزة أخرى باسم Side Chat، تتيح استدعاء Meta AI داخل أي محادثة جارية. الفكرة تشبه وجود «مستشار صامت» داخل الدردشة، يمكن سؤاله عن:
- توضيح معلومات تدور في الحديث.
- تلخيص سيل طويل من الرسائل في نقاط واضحة.
- اقتراح ردود أو أفكار دون أن يراها بقية المشاركين في المحادثة.
هذا النوع من التكامل قد يغيّر شكل استخدام واتساب في العمل والدراسة والتنسيق اليومي، ويحوّل المساعد الذكي من مجرد بوت دردشة مستقل إلى جزء من نسيج التواصل اليومي.
سياق عالمي متوتر: اختبار على ثردز وانتقادات المستخدمين
إعلان «وضع التخفي» يأتي بعد أيام من بدء ميتا اختبار روبوت دردشة يشبه «Grok» من X داخل منصة Threads. التجربة واجهت اعتراضات من بعض المستخدمين الذين رفضوا إدماج Meta AI في المنصة الاجتماعية بهذه السرعة، وعبّروا عن مخاوف تتعلق بالأمان والخصوصية وتحوّل واجهات الاستخدام إلى ساحات تجريب دائمة للذكاء الاصطناعي.
تقارير من The Verge وTechCrunch تناولت في الأشهر الماضية موجة التشكيك في نوايا الشركات الكبرى عند إدخال مساعدات ذكية في تطبيقات التواصل. المستخدمون أصبحوا أكثر وعيًا بأن أي طبقة «ذكاء» إضافية تعني غالبًا طبقة «بيانات» إضافية في الخلفية.
من هذه الزاوية، يمكن قراءة «وضع التخفي» في واتساب كرسالة تسويقية أيضًا: ميتا تريد القول إنها قادرة على الجمع بين الذكاء الاصطناعي وخصوصية عالية، في وقت تواجه فيه انتقادات تاريخية بسبب ممارسات جمع البيانات على فيسبوك وإنستغرام.
بين الوعد التسويقي والضمانات التقنية
تاريخيًا، أظهر ملف واتساب أن التشفير الكامل بين الطرفين يمكن أن يصمد تقنيًا حتى تحت ضغط حكومات وهيئات تنظيمية، كما حدث في قضايا عدة تناولتها تقارير BBC Technology على مدار السنوات الماضية. لكن إدخال نموذج ذكاء اصطناعي في منتصف الطريق يضيف طبقة تعقيد جديدة.
الأسئلة المطروحة الآن تدور حول نقاط مثل:
- أين يجري تشغيل نموذج Meta AI أثناء «وضع التخفي»؟ على خوادم سحابية أم على أجهزة المستخدم مستقبلاً؟
- ما نوع البيانات الوصفية (Metadata) التي تستمر ميتا في جمعها – مثل أوقات الاستخدام، مدة الجلسة، نوع الجهاز – حتى لو لم تخزّن محتوى الرسائل؟
- كيف ستتعامل الشركة مع طلبات الحكومات للوصول إلى بيانات المحادثات في هذا الوضع؟
الإجابات الدقيقة على هذه الأسئلة لم تتضح بالكامل بعد، ما يجعل النقاش حول «وضع التخفي» جزءًا من حوار عالمي أكبر عن الحدود الفاصلة بين الابتكار في الذكاء الاصطناعي وحقوق المستخدم في السرية والخصوصية.
خطوة مهمة… لكنها ليست النهاية
إطلاق «وضع التخفي» في واتساب يشير إلى أن سباق الذكاء الاصطناعي لم يعد يدور حول «من يملك النموذج الأقوى فقط»، بل أيضًا حول «من يقدّم بيئة استخدام أكثر أمانًا وثقة». ميتا تراهن على أن الجمع بين قاعدة مستخدمي واتساب الضخمة، وتقنيات التشفير المتقدمة، ومساعدها الذكي Meta AI، سيمنحها موقعًا مميزًا وسط هذا السباق.
في المقابل، يظل على المستخدمين – خاصة في منطقتنا العربية – التعامل بحذر واعٍ مع أي أداة جديدة، والاستفادة من مزاياها دون افتراض أن الحماية كاملة أو نهائية. الخصوصية اليوم ليست خيارًا تقنيًا فقط، بل قرارًا مستمرًا يحتاج إلى مراجعة وفهم وسياسات واضحة من الشركات، وضغط دائم من المستخدمين والمشرّعين على حد سواء.