تحوّل جديد في إستراتيجية وولمارت التقنية
أعلنت شركة وولمارت Walmart، أكبر سلسلة متاجر تجزئة في العالم، عن خطة لإعادة هيكلة جزء من فرقها الإدارية والتقنية، تتضمن تسريح أو نقل ما يقرب من 1000 موظف من العاملين في المكاتب والشركات التابعة. الخطوة تأتي ضمن مسعى أوسع لدمج فرق التقنية والمنتجات على مستوى العالم، وتوجيه استثمارات أكبر نحو الذكاء الاصطناعي والبرمجيات.
بحسب تقرير لصحيفة وول ستريت جورنال، فإن الشركة أبلغت موظفين في مكاتبها بالولايات المتحدة، بما في ذلك مقار في أركنساس ونيوجيرسي وكاليفورنيا، بقرارات إما إنهاء خدماتهم أو دعوتهم للانتقال إلى مواقع أخرى تابعة للشركة. هذه القرارات ترتبط بإعادة تصميم هيكل فرق التقنية والمنتجات، بهدف العمل بطريقة أكثر تكاملاً وكفاءة عبر الأسواق المختلفة.
دور الذكاء الاصطناعي في إعادة الهيكلة
في صيف 2023، استقطبت وولمارت المدير التنفيذي السابق في إنستاكارت دانييل دانكر لتولي منصب جديد هو «رئيس تسريع الذكاء الاصطناعي عالميًا». ومنذ ذلك الحين، عمل دانكر إلى جانب سوريش كومار، رئيس التقنية العالمية في وولمارت، على مراجعة البنية التنظيمية للفرق التقنية والمنتجات داخل الشركة، وفقًا لما نقلته وول ستريت جورنال.
المذكرة الداخلية التي اطّلعت عليها الصحيفة تشير إلى أن الهدف هو تبسيط الهياكل التنظيمية، وإزالة التكرار بين الفرق، وبناء فرق متعددة التخصصات يمكنها تطوير المنتجات الرقمية بسرعة أكبر، مع دمج قدرات الذكاء الاصطناعي في العمليات اليومية، من إدارة المخزون وحتى التسعير وتجربة المتسوقين عبر الإنترنت والمتاجر الفعلية.
لماذا يرافق تبني الذكاء الاصطناعي قرارات تسريح؟
تجربة وولمارت ليست حالة استثنائية؛ فشركات تقنية وتجارية كبرى مثل أمازون وميتا وألفابت (غوغل) أعلنت في العامين الماضيين عن موجات تسريح مرتبطة بإعادة ترتيب الأولويات، والانتقال من نماذج عمل تقليدية إلى نماذج أكثر اعتمادًا على البرمجيات والخدمات السحابية والذكاء الاصطناعي.
تُظهر تقارير عدة، من بينها تقارير ماكينزي ودليل المنتدى الاقتصادي العالمي حول مستقبل الوظائف، أن الشركات التي تستثمر بكثافة في الأتمتة والذكاء الاصطناعي غالبًا ما تعيد توزيع العمالة البشرية، بحيث تتقلص الوظائف الروتينية أو الإدارية منخفضة القيمة المضافة، لصالح أدوار أكثر تخصصًا في تحليل البيانات، وتطوير الأنظمة، وإدارة المنتجات الرقمية.
تأثير الخطوة على نموذج عمل وولمارت
وولمارت ليست مجرد سلسلة متاجر؛ بل تُعد واحدة من أكبر المؤسسات التقنية غير المصنفة رسميًا كشركة تكنولوجيا. الشركة تستثمر مليارات الدولارات في التجارة الإلكترونية، والمنصات اللوجستية، وأنظمة التوصيل، وتحليلات البيانات على نطاق ضخم، لتنافس لاعبين مثل أمازون في سوق التجزئة الرقمي.
إعادة الدمج بين فرق «التقنية» و«المنتج» تعكس توجّهًا متزايدًا في قطاع التقنية عالميًا نحو تشكيل فرق منتجات شاملة (Product Squads) تضم مطوّرين ومهندسي بيانات ومصممين ومديري منتجات في فريق واحد، بدلاً من فرق منفصلة متباعدة. هذا النموذج يختصر زمن تطوير الميزات الجديدة، ويرفع وتيرة التجربة والاختبار، وهو أمر حاسم في بيئة تنافسية تتحرك بسرعة عالية.
بالنسبة لوولمارت، يضاف إلى ذلك هدف آخر: تحسين الهوامش الربحية في سوق تجزئة يتسم بضغوط سعرية شديدة. الاعتماد الأكبر على الأتمتة والذكاء الاصطناعي يمكن أن يقلل التكاليف التشغيلية، سواء عبر تحسين إدارة سلاسل الإمداد أو تقليل الفاقد والسرقات أو أتمتة عمليات خدمة العملاء.
السياق العالمي: موجة إعادة تشكيل للوظائف التقنية
في العامين الأخيرين، شهد قطاع التقنية موجة واسعة من التسريحات شملت عشرات الآلاف من الموظفين، وثّقتها منصات متخصصة مثل Layoffs.fyi، مع تحوّل التركيز من «النمو بأي ثمن» إلى «الكفاءة والربحية». شركات عدة أعادت ترتيب فرقها للتركيز على مشاريع الذكاء الاصطناعي التوليدي، والحوسبة السحابية، وخدمات البنية التحتية الرقمية.
وولمارت، رغم كونها شركة تجزئة، تتحرك ضمن السياق نفسه. إعادة هيكلة فرقها التقنية تعني أن المنافسة في تجارة التجزئة لم تعد قائمة فقط على الحجم وسلاسل الإمداد، بل أيضًا على من يمتلك أفضل خوارزميات التنبؤ بالطلب، وأذكى أنظمة التسعير، وأكثر المنصات الرقمية سلاسة للمستخدم.
دروس للشركات العربية من تجربة وولمارت
قرارات وولمارت تحمل مجموعة من الدروس للشركات في المنطقة العربية التي تستعد لتسريع تحولها الرقمي:
- التحول التنظيمي لا يقل أهمية عن تبني التقنية؛ شراء أنظمة ذكية لا يكفي، بل يجب إعادة تصميم الفرق والهياكل لتستفيد من هذه الأنظمة.
- دمج فرق التقنية والمنتج يساعد على طرح خدمات ومنتجات رقمية أسرع وأكثر ملاءمة للعملاء.
- التواصل الشفاف مع الموظفين مهم عند تنفيذ أي إعادة هيكلة، لتقليل حالة عدم اليقين والحفاظ على المواهب الأساسية.
- الاستثمار في إعادة تأهيل الموظفين يمكن أن يحوّل بعض الوظائف المهددة بالأتمتة إلى أدوار جديدة أكثر قيمة، بدلاً من الاعتماد فقط على التسريح.
من الواضح أن وولمارت تنظر إلى نفسها بوصفها شركة تقنية بقدر ما هي شركة تجزئة، وهو توجه يزداد شيوعًا عالميًا. ومع استمرار المنافسة على العملاء في العالمين الواقعي والرقمي، يبدو أن الشركات التي تنجح في إعادة تشكيل فرقها حول البيانات والذكاء الاصطناعي ستكون الأقدر على الاستمرار والنمو، سواء في الولايات المتحدة أو في العالم العربي.
مارأيك في هذا الموضوع, اكتب تعليقك