استثمار جديد يرسم ملامح البنية التحتية لذكاء اصطناعي على عجلات
جمعت شركة Ethernovia الناشئة تمويلاً جديدًا بقيمة 90 مليون دولار لدفع تطوير منصة متقدمة لربط العتاد بالذكاء الاصطناعي، مع تركيز خاص على شبكات السيارات المتصلة ذاتية ومتقدمة القيادة. الجولة التمويلية، التي قادتها مجموعة من المستثمرين المتخصصين في أشباه الموصلات وتقنيات السيارات، تسلط الضوء على سباق عالمي محموم لبناء طبقة الاتصال والبنية التحتية التي تسمح للذكاء الاصطناعي بالخروج من مراكز البيانات إلى العالم الحقيقي.
من هي Ethernovia وما الذي تحاول حله؟
تقدم Ethernovia نفسها كشركة بنية تحتية للاتصال عالية الأداء، تطوّر شرائح ومنصات برمجية تستهدف بالأساس شبكات السيارات الداخلية (In-Vehicle Networks). الفكرة الجوهرية هي تحويل السيارة الحديثة إلى ما يشبه مركز بيانات متنقلاً، حيث تتدفق البيانات بين الحساسات والكاميرات ووحدات الحوسبة ووحدات التحكم بأقصى سرعة وبأقل تأخير ممكن، وبدرجة أمان عالية.
تعتمد الشركة على تقنيات مستوحاة من عالم مراكز البيانات مثل Ethernet المتقدم، لكنها تعيد تصميمها لتلائم بيئة السيارات التي تتطلب تحملًا كبيرًا للاهتزازات والحرارة، مع الامتثال لمعايير السلامة الصارمة لصناعة المركبات. بهذا النهج، تسعى Ethernovia إلى أن تكون الحلقة المفقودة بين العتاد الخام (المستشعرات والمعالجات) وخوارزميات الذكاء الاصطناعي التي تحتاج إلى تدفق مستمر للبيانات بجودة عالية.
لماذا تُعد شبكات السيارات محورًا حاسمًا للذكاء الاصطناعي؟
الجيل الجديد من السيارات الذكية يضم أعدادًا متزايدة من الكاميرات والرادارات والليدار ووحدات المعالجة، وكلها تعتمد على البيانات الحية. أنظمة مساعدة السائق المتقدمة (ADAS) والقيادة الآلية تحتاج إلى مئات الجيجابايت من البيانات في الساعة، يتم تحليلها لحظيًا لاتخاذ قرارات آمنة وسريعة.
أي اختناق في شبكة البيانات الداخلية أو تأخير في وصول المعلومة من حساس إلى وحدة المعالجة يمكن أن يعني اختلافًا بين مناورة ناجحة وحادث خطير. لهذا السبب تستثمر شركات السيارات وشركات الرقائق، مثل Nvidia وQualcomm، مبالغ ضخمة في بنية الاتصال الداخلية في المركبات، وليس فقط في وحدات المعالجة أو خوارزميات الذكاء الاصطناعي.
بحسب تقديرات مؤسسات بحثية متخصصة في سوق السيارات المتصلة، من بينها تقارير لـMcKinsey وGartner )، من المتوقع أن تصل قيمة سوق برمجيات وأنظمة السيارات بحلول 2030 إلى مئات مليارات الدولارات، مع تحول السيارة إلى منصة برمجية تعتمد على تحديثات مستمرة عبر الهواء واتصال دائم بالسحابة.
سباق عالمي لربط العتاد بالذكاء الاصطناعي
ما تعمل عليه Ethernovia ينسجم مع اتجاه أوسع يشهده قطاع التقنية: الخروج من التركيز الحصري على خوارزميات الذكاء الاصطناعي، والالتفات إلى الطبقة التحتية التي تغذّي هذه الخوارزميات بالبيانات. هذا يشمل:
- شرائح اتصال عالية السرعة داخل الأجهزة (السيارات، الروبوتات، المعدات الصناعية).
- بروتوكولات جديدة لنقل البيانات بزمن تأخير منخفض.
- حلول أمان مدمجة على مستوى العتاد لحماية تدفق البيانات.
تقارير من مؤسسات مثل IEEE وMIT Technology Review تشير إلى أن عنق الزجاجة في تطبيقات الذكاء الاصطناعي العملية لم يعد في قوة المعالجة فقط، بل في قدرة الأنظمة على نقل وتنسيق البيانات بشكل أسرع وأكثر موثوقية بين الحساسات والمعالجات والسحابة.
ماذا يميز Ethernovia وسط هذا الزحام؟
إلى جانب حجم التمويل اللافت لشركة لا تزال في مرحلة النمو، تقدم Ethernovia رؤية متكاملة تجمع بين:
- شرائح اتصال مخصصة للسيارات تعتمد على Ethernet بسرعة عالية وتقنيات ضغط وإدارة متقدمة لحركة البيانات.
- برامج تحكم في الشبكة (Network Software) تقدم طبقة ذكاء فوق العتاد، تسمح بإدارة أولويات البيانات، وضمان وصول حرج البيانات الخاصة بالأمان أولًا.
- معايير أمان مدمجة على مستوى الرقاقة، تشمل التشفير والتوثيق ومقاومة العبث.
بهذا المزيج، تحاول الشركة أن تكون شريكًا رئيسيًا لمصنّعي السيارات والشركات التي تطور منصات حوسبة السيارات مثل Nvidia Drive أو Qualcomm Snapdragon Digital Chassis، بدلًا من أن تكون مجرد مورّد قطعة إلكترونية يمكن استبدالها بسهولة.
انعكاسات محتملة على المنطقة العربية
معظم الاستثمارات الكبرى في هذا المجال تتم حاليًا في الولايات المتحدة وأوروبا وآسيا، لكن انعكاساتها تمتد إلى أسواق أخرى، منها العالم العربي، بعدة طرق:
- الانتقال إلى أساطيل سيارات أكثر ذكاءً: دول الخليج ومصر والمغرب بدأت بالفعل في تشجيع استيراد سيارات كهربائية وذات تجهيزات متقدّمة، واعتماد حلول تتبع ذكية في أساطيل النقل والخدمات اللوجستية.
- تحول البنية التحتية للنقل: مشاريع المدن الذكية والطرق الذكية في السعودية والإمارات وقطر تحتاج إلى سيارات وشبكات قادرة على التحدث مع الإشارات الضوئية والمجسّات المنتشرة على الطرق.
- فرص للشركات المحلية: برغم غياب مصانع سيارات كبرى في معظم الدول العربية، إلا أن مجال البرمجيات المرافقة، من لوحات القيادة الرقمية إلى أنظمة إدارة الأساطيل وتحليلات البيانات، لا يزال مفتوحًا أمام الشركات الناشئة.
نجاح شركات مثل Ethernovia قد يدفع شركات السيارات العالمية إلى تسريع طرح طرازات أكثر ترابطًا في أسواق المنطقة، ما يفتح الباب أمام خدمات قائمة على البيانات مثل التأمين حسب نمط القيادة، والصيانة الاستباقية، وحلول النقل الذكي داخل المدن.
تحديات وفرص أمام لاعبي المنطقة
رغم الفرص، توجد تحديات حقيقية أمام استفادة العالم العربي من هذا التحول:
- الفجوة في البنية التحتية الرقمية: ليست كل الدول العربية تمتلك شبكات طرق ذكية أو تغطية متقدمة لشبكات الجيل الخامس اللازمة لاستغلال كامل قدرات السيارات المتصلة.
- التشريعات: الأطر القانونية الخاصة بالبيانات، والخصوصية، ومسؤولية حوادث السيارات التي تعتمد على أنظمة ذكية ما زالت في طور التشكل.
- نقص الخبرات المتخصصة: هندسة أنظمة السيارات الذكية تجمع بين الإلكترونيات والبرمجيات والأمان السيبراني، وهي مجالات لا تزال حديثة نسبيًا في الجامعات العربية.
في المقابل، تملك المنطقة فرصة لتبني نموذج القفزة (Leapfrogging)، أي الانتقال مباشرة إلى الجيل الأحدث من التقنيات دون المرور بكل المراحل السابقة، كما حدث سابقًا مع الهواتف المحمولة في بعض الدول النامية.
ما الذي تعكسه هذه الجولة عن اتجاه السوق؟
جولة Ethernovia البالغة 90 مليون دولار ليست حدثًا معزولاً، بل جزء من موجة تمويلات تستهدف الشركات التي تبني “الأنابيب” التي يمر عبرها الذكاء الاصطناعي إلى أرض الواقع. إذا كان العقد الماضي قد شهد سباقًا على تطوير خوارزميات التعلم العميق، فإن العقد الحالي يشهد سباقًا لبناء المنصات والهياكل التي تجعل هذه الخوارزميات قابلة للتطبيق في السيارات والمصانع والمدن.
المستثمرون يراهنون على أن القيمة الحقيقية ستذهب لمن يملك القدرة على ربط العتاد بالبرمجيات والذكاء الاصطناعي في منظومة واحدة متكاملة، وهو بالضبط ما تحاول Ethernovia تقديمه في عالم السيارات. وإذا صح هذا الرهان، فإن الاهتمام بالبنية التحتية الذكية لن يبقى حكرًا على السيارات، بل سيمتد إلى قطاعات مثل الطاقة والرعاية الصحية والنقل العام في الشرق والغرب على حد سواء.
المراجع
- MIT Technology Review
- McKinsey
- Gartner
- IEEE