برنامج جديد يربط بين الإبداع والربح
أعلنت منصة التصميم الشهيرة Picsart عن برنامج مكافآت جديد يستهدف صنّاع المحتوى الذين يعتمدون على أدوات الذكاء الاصطناعي المدمجة في التطبيق لإنتاج الصور والتصاميم. وبحسب تقرير TechCrunch، تسعى الشركة إلى تحويل نشاط المستخدمين من مجرد تعديل صور للهاتف أو إنشاء تصاميم سريعة، إلى مصدر دخل يمكن أن يكون مستدامًا لجزء من المصممين والمبدعين.
تأتي هذه الخطوة في وقت تتسابق فيه منصات كبرى لإطلاق أدوات ذكاء اصطناعي مولِّد، لكنها غالبًا ما تُتَّهم بأنها تُضعِف فرص المصممين البشر أو تقلل من قيمة عملهم. Picsart تحاول أن تقدّم مقاربة مختلفة: أدوات توليد صور ورسومات تعتمد على الذكاء الاصطناعي، وفي الوقت نفسه آليات داخلية لمشاركة العائدات مع من يستخدم تلك الأدوات بشكل إبداعي.
كيف يعمل برنامج المكافآت في Picsart؟
بحسب المعلومات المنشورة في تقرير TechCrunch، يعتمد البرنامج على فكرة بسيطة: المبدعون الذين ينشرون محتواهم داخل المنصة، ويتيحونه للاستخدام أو التعديل من قِبل الآخرين، يمكن أن يحصلوا على جزء من العائدات الناتجة عن هذا التفاعل، سواء كان ذلك من خلال اشتراكات أو عمليات شراء متعلقة بهذا المحتوى.
آلية العمل تتقاطع مع نماذج سبق أن طبّقتها منصات مثل Adobe Stock أو Shutterstock، حيث يحصل المصمم على حصة من الإيرادات عند استخدام أعماله. الفارق هنا أن جزءًا كبيرًا من المحتوى في Picsart يُنشأ عبر أدوات ذكاء اصطناعي مضمنة: مولِّد صور نصي-إلى-صورة، أدوات تحسين تلقائي، فلاتر فنية تعتمد على الشبكات العصبية، وغيرها.
من منظور عملي، المستخدم الذي ينشئ قوالب تصميم، أو مجموعات عناصر جرافيكية، أو تأثيرات مبنية على الذكاء الاصطناعي، يمكن أن يفتحها للآخرين داخل المنصة. كلما زاد استخدامها أو تم دمجها في مشاريع مدفوعة، ارتفعت فرص حصوله على مكافآت مالية. هذا الربط المباشر بين انتشار العمل وحجم الدخل يجعل المنصة أقرب إلى سوق مغلق للمحتوى البصري، لكن مبني بالكامل تقريبًا على الذكاء الاصطناعي.
سياق عالمي: من يمتلك القيمة في عصر الصور المولَّدة؟
منذ الطفرة الواسعة لتقنيات توليد الصور مثل DALL·E من OpenAI وMidjourney وStable Diffusion، يتركز جزء كبير من النقاش العالمي على سؤالين رئيسيين: من صاحب حقوق الملكية الفكرية للصورة المولَّدة؟ ومن يملك القيمة الاقتصادية الناتجة عنها؟
تقارير من مؤسسات إعلامية مثل BBC وReuters توثّق خلافات متزايدة بين شركات الذكاء الاصطناعي من جهة، وناشرين وفنانين من جهة أخرى، بسبب استخدام بيانات وصور محمية بحقوق نشر في تدريب النماذج. في هذا المناخ المتوتر، أي منصة تعِد بمكافأة المبدعين الذين يقدّمون مدخلات إبداعية حقيقية، وتحاول ربط الذكاء الاصطناعي بسلاسل دخل واضحة للمستخدمين، تحظى باهتمام إضافي.
Picsart ليست وحدها في هذا الاتجاه؛ فقد أعلنت Adobe مثلًا عن نموذج مكافآت خاص بالمساهمين الذين تُستخدم أعمالهم في تدريب نموذج Adobe Firefly، كما حاولت Shutterstock بناء آلية مشاركة عائدات مع المصورين بعد شراكتها مع OpenAI. لكن المميز في حالة Picsart أن البرنامج مدمج مباشرة في تطبيق استهلاكي واسع الانتشار على الهواتف الذكية، وليس مجرد منصة احترافية للصور.
ماذا يعني هذا للمصممين في المنطقة العربية؟
المنطقة العربية تضم مجتمعًا واسعًا من المصممين والمبدعين الذين يعتمدون على تطبيقات مثل Photoshop وCanva وPicsart في مشاريعهم التجارية والشخصية. ومع محدودية منصات عربية تتيح تحقيق دخل مباشر من التصاميم، تظهر مثل هذه البرامج العالمية كفرصة لكسب إضافي، شريطة فهم الشروط القانونية وحدود الاستخدام.
الأهم أن الذكاء الاصطناعي هنا لا يظهر كمنافس مباشر يهدف إلى استبدال المصمم، بل كطبقة تقنية تمكّن المبدع من إنتاج كمية أكبر من التصاميم في وقت أقل. المستخدم العربي الذي يمتلك ذوقًا بصريًا متوافقًا مع ثقافة مجتمعه يمكنه توظيف أدوات Picsart المدعومة بالذكاء الاصطناعي لإنشاء قوالب عربية محلية: تصاميم لمناسبات دينية، قوالب لوسائل التواصل الاجتماعي باللغة العربية، ملصقات تتوافق مع الذوق الخليجي أو المغاربي أو المصري… ثم طرحها داخل النظام الربحي للمنصة.
هذا النوع من التخصيص الثقافي يمنح المبدعين في المنطقة ميزة تنافسية لا تستطيع النماذج العالمية تعويضها بسهولة، لأن فهم السياق المحلي والرموز البصرية الخاصة بالمجتمع لا يأتي من الخوارزميات وحدها.
مخاوف مشروعة وأسئلة مفتوحة
في المقابل، لا يخلو المشهد من تساؤلات. أحد أبرز الهواجس يدور حول نسبة العوائد التي ستحصل عليها Picsart مقارنة بحصة المبدع، وكيف ستدار هذه النسب مع مرور الوقت. تجارب منصات المحتوى السابقة تُظهر أن الشروط قد تتغيّر مع توسع المنصة أو وصولها إلى مرحلة تشبّع.
كذلك يبقى ملف الملكية الفكرية في الصور المولَّدة آخذًا في التعقيد. كثير من الشركات تذكر في شروط الاستخدام أن الصور الناتجة يمكن استخدامها تجاريًا من قبل المستخدم، لكنها في الوقت نفسه تحتفظ بحقوق واسعة لإعادة استخدام تلك الأعمال أو إدراجها في تدريب نماذج جديدة. هذه النقطة تهم المصممين العرب الذين قد يرغبون في حماية هويتهم البصرية وأعمالهم الأصلية، حتى لو وُلدت هذه الأعمال من خلال أدوات ذكاء اصطناعي.
من ناحية أخرى، استمرار الاعتماد على منصة واحدة لتحقيق الدخل يحمل مخاطرة؛ إذ قد تتغير سياسات المنصة، أو تُحجب في بعض الدول، أو تظهر بدائل أكثر جاذبية. لذلك قد يكون من الحكمة النظر إلى برنامج Picsart كأحد مصادر الدخل المحتملة، لا كبديل كامل عن العمل الحر التقليدي أو منصات البيع الأخرى.
فرصة لتجربة طرق جديدة للربح من التصميم
فتح Picsart لباب المكافآت أمام صنّاع المحتوى المعتمد على الذكاء الاصطناعي يعكس اتجاهًا أوسع في صناعة التقنية: لم تعد أدوات الذكاء الاصطناعي مجرد «ميزة إضافية» داخل التطبيقات، بل تحولت إلى بنية أساسية يمكن أن تبنى فوقها نماذج عمل كاملة، تتضمن أسواقًا مغلقة، ومكافآت للمبدعين، ونظم توصية تروّج للأعمال الأكثر جاذبية.
بالنسبة للمصمم العربي، هذه فرصة عملية لاختبار نموذج جديد لكسب الدخل من المهارات البصرية، شريطة قراءة الشروط بعناية، وفهم حدود استخدام الصور المولَّدة، وبناء أسلوب بصري خاص يميّزه وسط الكم الهائل من المحتوى الذي تنتجه الخوارزميات يوميًا.
تبقى الأسئلة المتعلقة بالاستدامة، وعدالة تقاسم العوائد، ومستقبل حقوق الفنانين في عصر الذكاء الاصطناعي مفتوحة للنقاش. لكن الواضح أن الشركات التقنية الكبرى، ومن بينها Picsart، بدأت تدرك أن استمرار نمو منصات الذكاء الاصطناعي لا يمكن أن يتم بمعزل عن مشاركة جزء من القيمة مع المبدعين الذين يضخّون فيها محتوى وأفكارًا يوميًا.