أمازون تعيد هيكلة واسعة بدفع من الذكاء الاصطناعي
أعلنت شركة أمازون عن إلغاء نحو 16 ألف وظيفة في موجة تسريح جديدة تربطها الإدارة مباشرة بتسارع تبنّي تقنيات الذكاء الاصطناعي في مختلف أقسام الشركة. الخطوة تعكس تحوّلًا عميقًا في طريقة عمل شركات التكنولوجيا الكبرى، حيث لم تعد الأتمتة مقتصرة على المهام الروتينية، بل طالت وظائف كانت تُعد حتى وقت قريب «آمنة» نسبيًّا.
من المتأثر؟ قطاعات التشغيل والدعم في الواجهة
بحسب ما نقلته عدة تقارير صحفية اقتصادية غربية، تمتد عملية التسريح لتشمل فرقًا في مجالات خدمة العملاء، والدعم التشغيلي، وإدارة المحتوى، وبعض المهام الإدارية المرتبطة بتحليل البيانات ومراقبة الجودة.
تشير مصادر داخلية، تحدثت لوسائل إعلام متخصصة في قطاع التقنية، إلى أن عددًا من المهام التي كانت تُنفّذ يدويًّا أو شبه يدوي، باتت اليوم تُدار عبر أنظمة تعتمد على النماذج اللغوية الكبيرة، وخوارزميات التنبؤ بالطلب، وأنظمة الردود الآلية الذكية.
الأتمتة تتقدم… والوظائف تتراجع
أمازون تستثمر منذ سنوات في تقنيات مثل:
- الروبوتات داخل مراكز التخزين والتوزيع
- أنظمة التوصية المعتمدة على الذكاء الاصطناعي في منصتها للتجارة الإلكترونية
- خدمات الحوسبة السحابية والذكاء الاصطناعي عبر AWS
- المساعدات الصوتية مثل «أليكسا»
الموجة الجديدة تذهب أبعد من ذلك، لتطال أعمالًا مكتبية وتحليلية، ما يثير تساؤلات عن شكل الوظائف في شركات التقنية خلال السنوات المقبلة.
اتجاه عالمي: العمالة في مواجهة الخوارزميات
أمازون ليست وحيدة. خلال العامين الماضيين، أعلنت شركات مثل مايكروسوفت وغوغل وميتا عن آلاف حالات التسريح، ربطتها بالصراع على الاستثمار في الذكاء الاصطناعي وتخفيض التكاليف. وفقًا لتقرير من رويترز، رافقت هذه القرارات زيادات ضخمة في ميزانيات تطوير نماذج الذكاء الاصطناعي والبنية التحتية السحابية.
في كثير من الحالات، توضح الإدارات أن الهدف هو «إعادة توزيع الموارد» بدلًا من تقليصها. لكن الواقع على الأرض يشير إلى أن جزءًا كبيرًا من الوظائف التي يتم الاستغناء عنها لا يعود بأشكال جديدة بالسرعة نفسها، أو يتطلب مهارات مختلفة جذريًّا، لا يمتلكها الكثير من الموظفين المتضررين.
تحذيرات مبكرة من التحول السريع
تقارير بحثية صادرة عن جهات أكاديمية مثل MIT وغيرها، حذرت من أن الذكاء الاصطناعي قد يؤثر في قطاعات واسعة من الوظائف، ليس فقط في المصانع أو الأعمال اليدوية، بل أيضًا في المهن المكتبية، والترجمة، وخدمة العملاء، والتحليل الأولي للبيانات.
هذه التحذيرات تبدو اليوم أكثر واقعية مع الخطوات المتسارعة لشركات مثل أمازون، التي تمتلك حضورًا عالميًّا وقوة توظيف ضخمة، ما يجعل قراراتها مؤشرًا مؤثرًا على سوق العمل التقني ككل.
كيف ينعكس ذلك على المنطقة العربية؟
رغم أن غالبية الوظائف الملغاة تتركز في الولايات المتحدة وأوروبا، إلا أن آثار هذه التحولات لا تقف عند حدود جغرافية. عدد من شركات الخدمات في المنطقة العربية تعتمد على عقود مع كيانات عالمية، بينها أمازون، سواء في مراكز تماس مع المستهلك أو في خدمات دعم عن بُعد.
محللون في المنطقة يشيرون إلى أن:
- جزءًا من أعمال مراكز النداء (Call Centers) والخدمات المساندة معرض للاستبدال بمنصات دردشة ذكية وروبوتات محادثة عربية وإنجليزية.
- الأدوار التي تعتمد على إدخال البيانات الروتيني أو المراسلات المتكررة باتت في دائرة الخطر.
- الطلب يتجه أكثر نحو مختصي علوم البيانات، ومهندسي الذكاء الاصطناعي، ومصممي حلول الأتمتة.
في المقابل، بدأت حكومات عربية، مثل الإمارات والسعودية، بإطلاق استراتيجيات وطنية للذكاء الاصطناعي، تتضمن برامج تدريب وتأهيل رقمية. لكن الفجوة بين سرعة التغيير في السوق، وسرعة إعادة تأهيل الكفاءات المحلية، لا تزال مثار قلق.
ما الذي يقوله الخبراء عن موجة التسريح؟
يرى خبراء في اقتصاد العمل الرقمي أن قرارات شركات مثل أمازون تحمل رسائل متعددة:
- رسالة للمستثمرين: الشركة قادرة على تخفيض التكاليف ورفع هامش الأرباح عبر اعتماد أوسع على الأتمتة.
- رسالة للمنافسين: السباق الحقيقي لم يعد في عدد الموظفين بل في كفاءة الخوارزميات والبنية التحتية الذكية.
- رسالة للموظفين: المهارات التقليدية وحدها لم تعد كافية، والقدرة على التكيّف مع أدوات الذكاء الاصطناعي باتت شرطًا أساسيًّا للاستمرار.
عدد من الخبراء يحذر من أن الاقتصار على زاوية الكفاءة المالية قد يفاقم الفجوة الاجتماعية، إذا لم تُرافق هذه التحولات سياسات واضحة لإعادة التدريب، وشبكات أمان للموظفين المتضررين، وتحفيز لخلق وظائف جديدة في مجالات ناشئة.
ماذا يعني ذلك للموظفين والطلاب العرب؟
في ضوء موجة التسريحات الأخيرة، يتجه الحديث في الأوساط التعليمية والتقنية العربية نحو سؤال عملي: كيف يمكن الاستعداد لواقع تتحول فيه مهام كثيرة إلى أنظمة ذكية؟
هناك ثلاثة محاور أساسية تبرز في النقاش:
- رفع الوعي الرقمي: فهم أساسي لماهية الذكاء الاصطناعي، وحدوده، وكيف يعمل، بعيدًا عن التهويل أو التبسيط المخل.
- تعلّم مهارات تكاملية: مثل تحليل البيانات، وإدارة المنتجات الرقمية، وتصميم التجربة، وهي مجالات يصعب أتمتتها بالكامل.
- إعادة تعريف الوظائف: كثير من الأدوار المستقبلية سيكون جوهرها «العمل مع الذكاء الاصطناعي»، لا منافسته، من خلال الإشراف، والتحقق، والتخصيص، وصنع القرار.
الجامعات ومراكز التدريب العربية مطالبة اليوم بتحديث مناهجها لتشمل استخدام أدوات الذكاء الاصطناعي في السياقات العملية، بدل الاكتفاء بالحديث عنها كموضوع نظري أو كخطر مستقبلي.
بين الكفاءة والعدالة: سؤال المرحلة المقبلة
قرار أمازون بإلغاء 16 ألف وظيفة بدعوى تحسين الكفاءة عبر الذكاء الاصطناعي يلخّص معضلة أساسية في المرحلة الحالية: إلى أي مدى يمكن للمجتمع قبول أن تعمل الشركات الضخمة على زيادة الإنتاجية والأرباح، بينما يدفع آلاف الموظفين ثمن هذا التحول؟
الإجابة لن تأتي من شركة واحدة، بل من تفاعل الحكومات، والقطاع الخاص، والجامعات، والنقابات، لوضع أطر تشريعية وأخلاقية توازن بين الاستفادة من قدرات الذكاء الاصطناعي، وحماية الاستقرار المجتمعي وسوق العمل.
حتى ذلك الحين، تبدو موجة الأتمتة الحالية بداية لمسار طويل، لن يمرّ بعيدًا عن المنطقة العربية، سواء من زاوية التهديد أو من زاوية الفرص لمن يستعد مبكرًا.
المراجع
- Reuters
- MIT