أصبحت شرائح الحوسبة المتقدمة التي تشغّل أنظمة الذكاء الاصطناعي أداة تفاوض أساسية في الدبلوماسية العالمية، إذ تهيمن الولايات المتحدة على تصدير هذه الرقائق عالية الأداء. في هذا السياق، يتجه ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان إلى واشنطن ساعيًا للحصول على موافقة رسمية تتيح للمملكة الوصول إلى تقنيات أشباه الموصلات المتقدمة، في إطار مساعيه لتحويل السعودية إلى مركز إقليمي للذكاء الاصطناعي ضمن رؤية 2030.
تركز المباحثات مع الرئيس الأميركي دونالد ترامب على توسيع التعاون في مجالي الذكاء الاصطناعي والتكنولوجيا النووية، إلى جانب مناقشة ترتيبات أمنية ودفاعية جديدة تعزز موقع المملكة في بيئة إقليمية شديدة التنافس. وتبرز هنا المنافسة مع الإمارات، التي وقّعت في يونيو صفقة أمريكية بمليارات الدولارات لبناء مراكز بيانات متقدمة منحتها إمكانية الوصول إلى شرائح عالية الأداء، ما يدفع السعودية للإسراع في تأمين حصة مماثلة من هذه البنية التكنولوجية الحساسة.
تندرج هذه الخطوة في قلب رؤية 2030، التي تهدف إلى تقليل اعتماد السعودية على عائدات النفط عبر تطوير قطاعات تكنولوجية جديدة وبناء بنية تحتية قوية للذكاء الاصطناعي والحوسبة المتقدمة. فالحصول على شرائح متطورة يمثل شرطًا أساسيًا لإنشاء مراكز بيانات عملاقة وتشغيل نماذج تعلم آلي متقدمة، وهو ما يمكّن المملكة من أن تكون عقدة مركزية في شبكات الذكاء الاصطناعي العالمية، لا مجرد سوق مستهلك للتقنية.
إلى جانب ملف الرقائق، تسعى الرياض إلى اتفاق شامل مع واشنطن يشمل ضمانات أمنية وتعاونًا في برنامج نووي مدني للمملكة، بهدف تنويع مصادر الطاقة وتعزيز موقعها الاستراتيجي في مواجهة منافسين إقليميين مثل الإمارات وإيران. إلا أن المفاوضات تعثرت بسبب اشتراط أمريكي يحد من إمكانية تخصيب اليورانيوم أو إعادة معالجة الوقود المستهلك، وهي خطوات يُنظر إليها كطرق محتملة لامتلاك قدرات نووية عسكرية. كما تطالب السعودية باتفاق دفاعي يُصدّق عليه الكونغرس الأميركي، لكن واشنطن ربطت ذلك بتطبيع العلاقات مع إسرائيل، فيما ربطت الرياض بدورها هذا التطبيع بتقدم حقيقي نحو إقامة دولة فلسطينية، وهو ما يواجه رفضًا واضحًا من رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو.
مع ذلك، تشير تقديرات خبراء مثل المفاوض الأميركي السابق دينيس روس إلى احتمال التوصل إلى صيغة وسط على شكل أمر تنفيذي ينص على “تشاور فوري” بين واشنطن والرياض عند ظهور تهديدات، بما يتيح مجموعة واسعة من أشكال الدعم الأمني، من تزويد الأسلحة ونشر أنظمة دفاع جوي إلى مشاركات عسكرية دفاعية أو هجومية محدودة. وتبقى طموحات السعودية في مجال الذكاء الاصطناعي جوهر هذه المعادلة، إذ يمثل الوصول إلى الشرائح المتقدمة حجر الأساس لبناء قدرات وطنية تنافس المراكز الإقليمية الأخرى، ورافعة رئيسية لتحقيق أهداف رؤية 2030 في التحول الاقتصادي والتكنولوجي.