روبوت يبتسم ويغمز: ما المختلف هذه المرة؟
أعلنت الصين عن نموذج جديد لما وصفته بأنه أول “روبوت ذكاء اصطناعي بيوميمتيكي” في العالم، قادر على تقليد تعابير الوجه البشرية بدقة لافتة، من ابتسامة خفيفة إلى غمزة عين سريعة. الخبر الذي نقلته منصة Interesting Engineering أثار موجة من النقاش حول مستقبل الروبوتات الشبيهة بالبشر، وما إذا كنا نقترب فعلاً من عصر «الأندرويد» الذي طالما شاهدناه في أفلام الخيال العلمي.
الفكرة الأساسية ليست مجرد صنع روبوت له وجه يشبه الإنسان، بل دمج تقنيات الذكاء الاصطناعي مع تصميم بيوميمتيكي (بيولوجي المحاكاة) يسمح للروبوت بالتفاعل بتعابير أقرب إلى الواقع، ما يفتح أبوابًا واسعة أمام استخدامه في التعليم، والرعاية الصحية، والخدمات، وحتى الترفيه.
ما معنى روبوت بيوميمتيكي؟
المصطلح بيوميمتيكي يشير إلى تقليد الأنظمة والخصائص البيولوجية في تصميم الآلات والمواد. في حالة هذا الروبوت، ينعكس ذلك في:
- استخدام «جلد» صناعي مرن يحاكي ملمس ومرونة البشرة البشرية.
- ترتيب المحركات الدقيقة (Micromotors) تحت الوجه بطريقة تشبه توزيع العضلات المسؤولة عن تعابير الوجه.
- الاستفادة من نماذج ذكاء اصطناعي لفهم سياق الحوار واختيار التعبير المناسب: استغراب، ابتسامة، إيماءة موافقة… إلخ.
هذا الدمج بين الشكل والحركة والبرمجيات هو ما يجعل الروبوت مختلفًا عن الأجيال السابقة من «الوجوه الآلية» التي كانت حركتها محدودة أو مصطنعة بشكل واضح.
مقارنة مع تجارب سابقة
العالم ليس غريبًا عن فكرة الروبوتات الشبيهة بالبشر. الوجه الأشهر في هذا المجال هو الروبوت صوفيا من شركة Hanson Robotics، التي ظهرت في المؤتمرات والبرامج التلفزيونية، بل وحصلت على «جنسية» فخرية من المملكة العربية السعودية عام 2017. صوفيا اعتمدت على تعابير وجه متقدمة نسبيًا في حينها، مع قدرة على التحدث والرد على الأسئلة.
اليابان بدورها استثمرت لسنوات في الروبوتات الشبيهة بالمذيعين والمعلمين. الباحث الياباني هيروشي إيشيغورو عرض عدة نماذج لأندرويدات تشبه البشر إلى حد يقترب من ظاهرة «الوادي الغريب» (Uncanny Valley) التي تجعل بعض الناس يشعرون بعدم ارتياح عندما يواجهون آلة تشبه الإنسان بشكل كبير لكنها ليست بشرًا تمامًا.
في المقابل، تركز شركات مثل Boston Dynamics الأميركية أكثر على الحركة والرشاقة الجسدية (القفز، الجري، حمل الأغراض) بدل التركيز على الوجه. الجديد في التجربة الصينية يكمن في محاولة الجمع بين الواقعية البصرية للوجه وبين ذكاء اصطناعي يولّد تعابير وحوارات أقرب للتلقائية.
لماذا تهتم الصين بهذا النوع من الروبوتات؟
الصين ترى في الذكاء الاصطناعي المجسّد (Embodied AI) مجالًا استراتيجيًا لمنافسة الولايات المتحدة وأوروبا. وجود روبوتات قادرة على أداء مهام بشرية في الخدمات، ومساعدة كبار السن، والتعليم، والتسويق، يمكن أن يخفف من آثار الشيخوخة السكانية ونقص الأيدي العاملة في بعض القطاعات.
وزارة الصناعة وتكنولوجيا المعلومات الصينية تحدثت خلال السنوات الأخيرة عن خطط لتحويل الروبوتات الذكية إلى صناعة أساسية ضمن الاقتصاد الرقمي. ومع التقدم في نماذج اللغة الكبيرة (LLMs) والرقائق المحلية، يصبح من المنطقي توظيف هذه التقنيات في روبوتات تتواصل وجهًا لوجه مع البشر.
هل هو روبوت «ذكي» حقًا أم واجهة جذابة فقط؟
هنا يبرز السؤال الجوهري: هل نحن أمام ذكاء حقيقي أم مجرد واجهة بصرية محسّنة؟ الكثير من هذه الروبوتات يعتمد عمليًا على:
- نموذج لغوي كبير للرد على الأسئلة وتوليد الحوار.
- نظام رؤية حاسوبية للتعرف على الأشخاص وتتبّع ملامحهم.
- محركات وتعابير وجهية تُضبط بناءً على «حالة» الحوار.
أي أن جوهر الذكاء يشبه ما نراه في تطبيقات الدردشة الذكية، لكن تمت إضافة جسد ووجه وتمثيل حركي. هنا يدخل جانب نفسي مهم: الإنسان يتفاعل بشكل مختلف تمامًا مع كيان يتحدث من شاشة مقارنة بكائن يتحرك أمامه في المكان نفسه.
بعض خبراء الأخلاقيات التقنية يحذّرون من أن تقليد التعاطف البشري عبر تعابير الوجه قد يجعل المستخدمين يظنون أن الروبوت «يفهمهم» أو «يهتم بهم» فعلاً، في حين أنه في النهاية ينفّذ خوارزميات كتبتها شركات بهدف تجارية أو خدمية.
الأبعاد الأخلاقية: من يملك وجوهنا وبياناتنا؟
ظهور روبوتات قادرة على قراءة تعابير الوجه والاستجابة لها يطرح أسئلة حساسة حول الخصوصية وتحليل المشاعر. إذا كان الروبوت قادرًا على رصد انزعاجك أو توترك، فهل تُخزَّن هذه البيانات؟ ولصالح من تُستَخدم؟
تقارير من جهات مثل Brookings Institution ومنظمة العفو الدولية حذّرت سابقًا من مخاطر تقنيات التعرف على الوجوه ومراقبة السلوك في الفضاءات العامة. دمج هذه التقنيات في روبوتات «لطيفة» الشكل قد يجعل المستخدم أقل حذرًا، وهو ما يستدعي تشريعات واضحة تحسم:
- حق المستخدم في معرفة ما الذي يتم تسجيله بالضبط.
- مدة تخزين البيانات والجهات التي يمكنها الوصول إليها.
- حظر استخدام الروبوتات الشبيهة بالبشر لأغراض تلاعبية أو دعائية غير معلنة.
إلى أين تتجه الأمور خلال السنوات القادمة؟
مع تسارع انتشار نماذج اللغة الكبيرة مفتوحة المصدر، وتراجع كلفة العتاد اللازم لتشغيلها، يصبح دمجها في روبوتات بشرية المظهر خيارًا أكثر واقعية للشركات والحكومات وحتى المؤسسات التعليمية. خلال العقد القادم، من المتوقع أن نرى:
- روبوتات خدمة في الفنادق والمطارات تبدو أكثر طبيعية في الكلام والحركة.
- مساعدين شخصيين مجسّدين في المنازل الذكية بدل حصرهم في مكبّرات الصوت.
- نقاشات مجتمعية أوسع حول حدود ما هو مقبول من «تشبّه الآلة بالإنسان».
يبقى السؤال الأهم للمجتمعات العربية: هل سنكتفي بدور المستهلك لهذه النماذج المطوّرة في الخارج، أم سنستثمر في تطوير نسخ تحمل لغتنا وقيمنا وتراعي خصوصية بيئتنا الاجتماعية؟ الإعلان الصيني عن أول روبوت بيوميمتيكي يبتسم ويغمز قد يكون جرس إنذار مبكر بأن سباق الذكاء الاصطناعي المجسّد بدأ بالفعل، ومن يتأخر عن الدخول فيه قد يجد نفسه محاطًا بروبوتات بوجوه بشرية، لكن بعقول وقيم لم يشارك في صياغتها.