هبوط في وول ستريت بسبب «تأثير الذكاء الاصطناعي»
شهدت أسواق الأسهم الأمريكية خلال الأيام الأخيرة تراجعًا ملحوظًا في أسهم شركات البرمجيات والتحليلات، وسط مخاوف متصاعدة من أن موجة الذكاء الاصطناعي التوليدي قد تعيد رسم خريطة القطاع بالكامل. المستثمرون الذين راهنوا لسنوات على نمو مستقر في عائدات الاشتراكات السحابية وبرمجيات التحليلات، بدأوا الآن يعيدون حساباتهم مع بروز أدوات قد تُبسّط الكثير من المهام التي كانت تحتاج إلى حلول برمجية معقدة ومكلفة.
من أين بدأ القلق؟
بحسب تقارير منشورة في Financial Times، فإن ضغوط البيع طالت عددًا من شركات البرمجيات التقليدية المزدهرة في مجالات إدارة الأعمال وتحليل البيانات وخدمات المؤسسات. المخاوف الرئيسية تدور حول احتمال أن تؤدي منصات الذكاء الاصطناعي العامة – مثل النماذج اللغوية الكبرى – إلى تقليص الحاجة إلى بعض الأدوات المتخصصة، أو على الأقل الضغط على هوامش أرباحها.
الأسواق تتعامل مع الذكاء الاصطناعي كسيف ذي حدين: من جهة، شركات البنية التحتية للحوسبة السحابية والرقائق تحقق مكاسب قوية، ومن جهة أخرى، تتعرض شركات البرمجيات والخدمات التحليلية لضغوط، لأن المستثمرين يخشون أن تصبح منتجاتها أقل تميزًا أمام أدوات عامة قادرة على توليد التقارير والتحليلات والرمز البرمجي بنقرة واحدة.
لماذا تخشى وول ستريت على شركات البرمجيات؟
نموذج أعمال العديد من شركات البرمجيات، خاصة في قطاع المؤسسات (B2B)، يعتمد على بيع حلول متخصصة بأسعار اشتراك مرتفعة نسبيًا، مقابل توفير أتمتة وتحليلات وتكامل مع أنظمة الشركات. لكن الذكاء الاصطناعي التوليدي يَعِد الشركات بشيء مختلف: واجهة محادثة واحدة قادرة على فهم اللغة الطبيعية، الوصول إلى قواعد البيانات، واستخلاص رؤى وتحليلات بدون الحاجة إلى عشرات الأدوات المنفصلة.
تشير تقارير Reuters إلى أن بعض المستثمرين باتوا يتساءلون: إذا كان بإمكان مدير شركة متوسطة الحجم أن يطرح سؤاله مباشرة على نموذج ذكاء اصطناعي متكامل مع بيانات شركته، ويحصل على لوحة معلومات وتوقعات مالية خلال ثوانٍ، فما الحاجة إلى دفع آلاف الدولارات سنويًا على منصات تحليلات معقدة لا يستخدمها إلا محللون مختصون؟
تآكل الميزة التنافسية
القلق الأبرز يتعلق بتآكل ما يُعرف بـ«الخنادق» التنافسية (Moats). شركات التحليلات والبرمجيات بنت لنفسها خنادق عبر:
- واجهات معقدة لكن غنية بالخصائص لا يمكن تقليدها بسهولة.
- مجتمعات مطورين ومهنيين مدرَّبين على منتجاتها.
- تكامل عميق مع أنظمة المؤسسات وقواعد البيانات الداخلية.
اليوم، تعِد منصات الذكاء الاصطناعي بجعل هذه الواجهات أبسط بكثير، عبر لغة البشر لا لغة القوائم والأزرار، ما يهدد بعض هذه الخنادق. وإذا أصبح بإمكان أي مؤسسة بناء واجهاتها الخاصة فوق واجهات برمجة تطبيقات (APIs) للذكاء الاصطناعي، فقد تجد بعض الشركات نفسها في منافسة مباشرة مع فرق تطوير داخلية صغيرة قادرة على إنتاج بدائل مخصّصة بتكلفة أقل.
الذكاء الاصطناعي ليس خبرًا سيئًا للجميع
رغم هذه المخاوف، لا يرى خبراء التقنية أن الذكاء الاصطناعي حكم بالإعدام على شركات البرمجيات والتحليلات. العكس قد يكون صحيحًا لمن ينجح في استغلال الموجة الجديدة مبكرًا. تقارير MIT Technology Review تشير إلى أن الشركات التي دمجت ميزات الذكاء الاصطناعي في منتجاتها مبكرًا شهدت ارتفاعًا في معدل الاحتفاظ بالعملاء وزيادة في القيمة المضافة للخدمة.
الفرصة الذهبية أمام هذه الشركات تكمن في:
- تحويل منتجاتها إلى منصات «مدعّمة بالذكاء الاصطناعي» بدل أن تتنافس معه.
- تقديم نماذج تسعير جديدة تراعي الاستخدام الفعلي وليس مجرد عدد المقاعد أو التراخيص.
- التركيز على الأمان وحوكمة البيانات، وهما نقطتان يصعب على الحلول العامة تغطيتهما بشكل كامل.
أثر التحول على قطاع التحليلات
أدوات التحليلات بالذات في عين العاصفة. تاريخيًا، احتاجت فرق الأعمال إلى محللين يجيدون لغة الاستعلامات (SQL) أو أدوات ذكاء الأعمال (BI) لإعداد التقارير المعقدة. اليوم، يمكن لمدير التسويق أن يكتب سؤالاً بالعربية أو الإنجليزية مثل: «ما هي أكثر الحملات الإعلانية ربحية خلال الأشهر الستة الماضية؟» ويحصل على إجابة ورسوم بيانية مفسَّرة خلال ثوانٍ، اعتمادًا على نموذج ذكاء اصطناعي متصل بالبيانات الداخلية.
هذا التحول يُغيّر طريقة تفكير الشركات في الاستثمار في التحليلات. بدل شراء منصة ضخمة وتدريب فرق متخصصة، قد تفضّل الشركة حلًا خفيفًا يُضاف فوق نظمها الحالية ويتيح استفسارات ذكية عبر واجهة محادثة. هنا بالضبط يشعر المستثمرون بأن القيمة قد تنتقل من شركات التحليلات التقليدية إلى لاعبين جدد يقدمون طبقة ذكاء اصطناعي مرنة وقابلة للتكييف.
بين تسعير البورصة وقيمة الواقع
تراجع أسعار أسهم شركات البرمجيات والتحليلات لا يعني بالضرورة أن نماذج أعمالها غير قابلة للحياة. أسواق المال تميل للمبالغة في التفاؤل كما تبالغ في التشاؤم. المستثمرون يحاولون استباق المستقبل، أحيانًا قبل أن تتضح معالمه عمليًا داخل الشركات.
على أرض الواقع، كثير من المؤسسات الكبيرة لن تتخلى بسهولة عن حلولها المستقرة لصالح أدوات جديدة غير مختبرة بالكامل، خاصة في القطاعات المنظمة مثل البنوك والرعاية الصحية والطاقة. في هذه المجالات، قد يكون المسار الواقعي هو دمج ميزات الذكاء الاصطناعي داخل الأنظمة القائمة، وليس استبدالها كليًا.
من جهة أخرى، الشركات التي تتباطأ في التكيف مع الذكاء الاصطناعي ستجد نفسها أمام منافسين أخف كلفة وأكثر سرعة في بناء الميزات الجديدة. مستثمرو وول ستريت يحاولون التمييز اليوم بين من يملك خطة واضحة للتحول، ومن لا يزال يكتفي بالشعارات.
ماذا يعني ذلك للمستثمر العربي وصانع القرار؟
الرسالة الأساسية من تقلبات وول ستريت هي أن الذكاء الاصطناعي لم يعد مجرد «ميزة إضافية»، بل أصبح عنصرًا استراتيجيًا في تقييم الشركات، سواء في أسواق المال العالمية أو في قرارات الاستثمار المحلية. بالنسبة للمستثمر العربي، يتطلب الأمر:
- فهمًا أدق لطبيعة نماذج أعمال شركات البرمجيات والتحليلات، قبل الحكم عليها من خلال حركة الأسهم فقط.
- متابعة ما إذا كانت هذه الشركات تبني قدرات ذكاء اصطناعي حقيقية، أم تكتفي بواجهة تسويقية.
- التركيز على الشركات التي تمتلك بيانات خاصة وعلاقات عميقة مع العملاء، لأنها أكثر قدرة على الاستفادة من الذكاء الاصطناعي.
أما صناع القرار في المؤسسات العربية، فربما يكون الدرس الأهم هو عدم تأجيل التفكير في الذكاء الاصطناعي إلى مرحلة لاحقة. الانتقال من برمجيات تقليدية إلى بنية رقمية مرنة تدعم الذكاء الاصطناعي قد يحدد الفارق بين شركات تحافظ على قدرتها التنافسية، وأخرى تكتشف متأخرًا أن أدوات الأمس لم تعد تكفي لمنافسة الغد.
خلاصة المشهد
ما يحدث في وول ستريت اليوم هو إعادة تسعير واسعة لتأثير الذكاء الاصطناعي على قطاع البرمجيات والتحليلات، بين مخاوف من تقليص بعض النماذج التقليدية، وآمال في خلق طبقة جديدة من القيمة المضافة. المنطقة العربية ليست معزولة عن هذا الجدل، بل قد تكون ساحة لتطبيقات عملية مبكرة، خاصة في المجالات التي ما زالت في بدايات التحول الرقمي.
السنوات القليلة المقبلة ستكشف ما إذا كانت موجة الذكاء الاصطناعي ستطيح ببعض اللاعبين التقليديين نهائيًا، أم تدفعهم إلى حقبة جديدة من الابتكار. إلى أن يتضح المسار بالكامل، سيبقى التوتر حاضرًا في أسواق الأسهم، بين من يراهن على المستقبل، ومن يخشى أن يُفاجَأ به.