صحافة البيانات تدخل منطقة حساسة على الإنترنت
تزداد علاقة غرف الأخبار العالمية بالذكاء الاصطناعي تعقيدًا يومًا بعد يوم. أحد أبرز الأمثلة حاليًا هو ما تطبقه صحيفة The New York Times من أدوات مخصصة بالذكاء الاصطناعي لمراقبة ما يُسمى بـ”المانوسفير”، أي شبكة المنصات الاجتماعية والتيارات الرقمية التي تتمحور حول قضايا الرجال، وغالبًا ما تنزلق نحو خطاب الكراهية، ومعاداة النساء، ونظريات المؤامرة.
الأمر لا يتعلق فقط بمتابعة ترندات عابرة على منصات التواصل، بل بمحاولة فهم تحولات أعمق في المزاج السياسي والاجتماعي، خاصة في أوساط اليمين الأمريكي، وكيف يمكن لهذه التحولات أن تؤثر على النقاش العام، وصنّاع القرار، وحتى التشريعات.
قضية إبستين: إنذار مبكر من الذكاء الاصطناعي
في يوليو 2025، أعلنت وزارة العدل الأمريكية أنها لن تنشر المزيد من الملفات المرتبطة بالتحقيق في قضايا الاتجار الجنسي بالأطفال المتهم بها جيفري إبستين. القرار أثار موجة غضب واسعة، لكن اللافت أن هذه الموجة جاءت من أوساط محافظة عادة ما تُحسب على معسكر الرئيس الأمريكي السابق دونالد ترامب.
هنا لعبت أداة الذكاء الاصطناعي الداخلية في New York Times دورًا حاسمًا. الأداة تولّد تقارير آلية تُرسل دوريًا إلى بريد الصحفيين، ترصد فيها اتجاهات النقاش داخل مجتمعات مؤثرة مثل المانوسفير، ومنظومة البودكاست اليميني، والقنوات اليوتوبية ذات التأثير الكبير على القاعدة الجمهورية.
بحسب تصريحات زاك سوارد، مدير المبادرات المعتمدة على الذكاء الاصطناعي في الصحيفة، كانت تلك التقارير من أوائل المؤشرات على أن جزءًا مهمًا من الإعلام المحافظ بدأ ينقلب على الإدارة الجمهورية في ملف شفافيات التحقيق مع إبستين. ومع تزايد الضغط من مؤثرين مثل جو روغان وأندرو شولز، تحولت القضية إلى موضوع سياسي ساخن انتهى بإقرار الكونغرس قانونًا جديدًا يفرض مزيدًا من الشفافية حول هذه الملفات.
ما هو “المانوسفير” ولماذا يهم الصحافة؟
مصطلح “المانوسفير” (Manosphere) ظهر لوصف شبكة واسعة من المدونات، والمنتديات، وقنوات يوتيوب، وحسابات على منصات مثل X (تويتر سابقًا) وReddit وTikTok، تركز على قضايا الرجال والعلاقات والجندر. جزء من هذا العالم يطرح نقاشات مشروعة حول الصحة النفسية للرجال أو أوضاعهم الاقتصادية، لكن جزءًا آخر ينجرف إلى خطاب متطرف يمزج بين:
- معاداة صريحة للنساء والحركات النسوية.
- نظريات مؤامرة حول النخب والسلطة والإعلام.
- دعوات ضمنية أو مباشرة للعنف أو العداء تجاه فئات بعينها.
هذه المساحات الرقمية تُعد اليوم أحد خزانات الأفكار المؤثرة في اليمين الشعبوي على مستوى العالم. ومن هنا يأتي اهتمام غرف الأخبار الكبرى بها؛ لأنها غالبًا ما تشكل “غرفة صدى” مبكرة لاتجاهات سياسية يمكن أن تتسرب لاحقًا إلى تيار أوسع، أو تتحول إلى حملات ضغط فعلية على الحكومات.
كيف تعمل الأداة التي طوّرتها نيويورك تايمز؟
الصحيفة لم تكشف كل التفاصيل التقنية للأداة، لكنها أوضحت الخطوط العامة. الأداة تقوم بما يلي:
- جمع محتوى عام من منصات متعددة (منشورات، حلقات بودكاست، تعليقات، مقاطع فيديو مفرغة نصيًا).
- تحليل هذا المحتوى باستخدام نماذج لغة متقدمة لتصنيف المواضيع، ونبرة الخطاب، والاتجاهات السياسية.
- استخراج أنماط التغير بمرور الوقت: ما القضايا الصاعدة؟ من هم المؤثرون الجدد؟ كيف تتبدل المواقف من شخصيات سياسية أو قرارات حكومية؟
- إنتاج تقارير سردية مكتوبة بلغة مفهومة للصحفي، أشبه بـ”ملخص استخباراتي” يومي أو أسبوعي.
هذه التقارير لا تنشر كما هي، بل تُستخدم كبداية لعمل بشري: صحفيون يراجعون البيانات، يتحققون من الأمثلة، يتواصلون مع مصادر في هذه المجتمعات الرقمية، ويحوّلون الإشارات الأولية إلى تحقيقات أو قصص خبرية متكاملة.
ذكاء اصطناعي في خدمة الاستقصاء… لا بديلاً عنه
تجربة New York Times تعكس اتجاهًا أوسع في غرف الأخبار العالمية لاستثمار الذكاء الاصطناعي في الصحافة الاستقصائية. مواقع مثل ProPublica وBBC تحدثت خلال السنوات الماضية عن استخدام خوارزميات لتحليل كمّيات ضخمة من الوثائق أو التسريبات، أو لمراقبة الخطاب المتطرف على المنصات الرقمية.
الفكرة الجوهرية أن الآلة قادرة على استيعاب ملايين الكلمات والمشاركات خلال وقت قصير، ثم إبراز ما يستحق نظر الصحفي. لكنها لا تُغني عن التحقق، والسياق، وفهم الخلفيات الاجتماعية والسياسية، وهي أمور ما تزال تعتمد على مهارات بشرية ومصادر حقيقية على الأرض.
أخلاقيات مراقبة الفضاء الرقمي
استخدام الذكاء الاصطناعي لمراقبة مجتمعات على الإنترنت يفتح أيضًا نقاشًا أخلاقيًا حساسًا. متى يتحول الرصد من ممارسة صحفية مشروعة إلى رقابة شاملة تمسّ الخصوصية؟ وما الحدود الفاصلة بين تحليل محتوى متطرف والتحريض على استهداف أفراده؟
منظمات حقوقية حذرت من أن استخدام أدوات مفرطة في الشمولية قد يؤدي إلى وضع مجموعات كاملة تحت مجهر دائم، خصوصًا إذا جرى تشارك نتائج التحليل مع جهات حكومية أو شركات إعلانية. هنا تبرز أهمية الشفافية: على غرف الأخبار أن توضح لقرائها ما نوع البيانات التي تُحلّل، وكيف تُستخدم، وما الضمانات لمنع إساءة توظيفها.
في حالة New York Times، التركيز المعلن هو على المحتوى المتاح للعامة، مع استخدام النتائج في إنتاج صحافة تفسيرية تحاول شرح الظواهر الاجتماعية والسياسية، وليس ملاحقة أفراد لمجرّد آرائهم.
من رصد الترند إلى فهم التحوّلات العميقة
القيمة الحقيقية للأدوات التي تطوّرها المؤسسات الإعلامية الكبرى لا تكمن في تتبع الترندات السريعة فحسب، بل في كشف التحولات البطيئة التي لا تظهر في العناوين اليومية. المانوسفير، على سبيل المثال، ليس مجرد موجة محتوى عابرة، بل مساحة تعكس أزمة أعمق في الهوية، والعلاقات بين الجنسين، والثقة في المؤسسات.
حين تستطيع غرفة أخبار أن تربط بين تصاعد الاستياء داخل هذه المساحات الرقمية وقرار سياسي مثل طريقة التعامل مع ملفات إبستين، فإنها تنقل النقاش من مستوى الفضائح الفردية إلى أسئلة أوسع حول العدالة، والشفافية، ومن يملك حق سرد القصة.
بالنسبة للإعلام العربي، هذه التجارب قد تكون دعوة لاستثمار أكثر جدية في أدوات الذكاء الاصطناعي المصممة محليًا، مع مراعاة الخصوصية اللغوية والثقافية، ودمجها في غرف الأخبار بطريقة تحترم قيم الصحافة: الدقة، والتوثيق، وخدمة المصلحة العامة قبل كل شيء.