خوارزميات TikTok تحت المجهر الأوروبي
أطلق منظمون في الاتحاد الأوروبي موجة جديدة من التدقيق في تصميم واجهة تطبيق TikTok، مع تركيز خاص على آليات التمرير اللانهائي وتشغيل الفيديوهات تلقائيًا والإشعارات المتكررة. هذه العناصر، التي تبدو للوهلة الأولى مجرد مزايا لتسهيل الاستخدام، تُتهم اليوم بأنها تحوّل التجربة إلى سلوك شبه إدماني، خاصة لدى المراهقين والأطفال.
يأتي هذا الضغط التنظيمي في سياق قانون الخدمات الرقمية الأوروبي (DSA)، الذي دخل حيّز التنفيذ تدريجيًا منذ عام 2023، ويفرض على المنصات الكبرى مسؤوليات أوسع في ما يتعلق بحماية المستخدمين، والحد من المخاطر النفسية والاجتماعية المرتبطة بتصميم الخدمات الرقمية.
ما هو التمرير اللانهائي ولماذا يثير القلق؟
التمرير اللانهائي هو أسلوب تصميم لواجهة المستخدم يتيح استعراض محتوى لا ينتهي؛ كلما سحب المستخدم الشاشة إلى الأسفل ظهر محتوى جديد، من دون الحاجة إلى تغيير الصفحة أو الضغط على زر «التالي». على TikTok، يتجلى هذا في صفحة «For You» التي تعرض فيديو تلو الآخر بلا توقف، مع تشغيل تلقائي، وصوت نشط، وانتقال سريع بين المقاطع.
هذه التجربة البسيطة تعتمد على خوارزمية توصية متقدمة، تحلل سلوك كل مستخدم: مدة مشاهدة كل فيديو، التفاعلات، نوعية المحتوى المفضل، وحتى الأوقات التي يكون فيها أكثر نشاطًا. النتيجة هي موجة متواصلة من المقاطع المصممة خصيصًا لجذب انتباهه، وتقليل احتمالية مغادرة التطبيق.
خبراء علم النفس الرقمي يحذّرون من أن هذا النمط من التفاعل يحفّز مراكز المكافأة في الدماغ باستمرار عبر جرعات صغيرة ومتكررة من المتعة، ما يجعل توقّف المستخدم عن التصفح أصعب بمرور الوقت. تقرير نشره MIT Technology Review أشار إلى أن تصميمات التمرير اللانهائي والإشعارات المدروسة تعتمد على مبادئ من علم النفس السلوكي شبيهة بما يُستخدم في تصميم ألعاب الحظ والرهان.
التحقيقات الأوروبية: من الشفافية إلى حماية القُصّر
المفوضية الأوروبية فتحت خلال العامين الأخيرين تحقيقات تجاه عدد من المنصات الكبرى، من ضمنها TikTok، للتأكد من امتثالها لقواعد حماية القُصّر وتقليل المخاطر النظامية. وفق تغطية Reuters، فإن التركيز لا يقتصر على المحتوى فحسب، بل يمتد إلى طريقة تقديمه، أي خوارزميات التوصية وتصميم الواجهة ذاتها.
قانون الخدمات الرقمية يلزم المنصات بـ:
- تقييم المخاطر المرتبطة بتوصيات المحتوى، خصوصًا على الأطفال.
- تقديم خيارات واضحة لإيقاف التخصيص الخوارزمي، أو تقليل تأثيره.
- الحد من الأساليب التي تستغل نقاط الضعف النفسية للمستخدمين الصغار.
على TikTok، هذا يعني أن صفحة «For You» لم تعد مجرد ميزة ترفيهية، بل تُعامل كآلية قد تساهم في إطالة زمن الاستخدام إلى مستويات مقلقة، ما يستدعي شفافية أكبر حول كيفية عملها، وخيارات تحكم أكثر وضوحًا للمستخدمين وأولياء الأمور.
رد TikTok: ضوابط عمرية وأدوات للوقت
TikTok من جانبه يؤكد أنه أطلق بالفعل مجموعة من الأدوات للحد من الاستخدام المفرط لدى المراهقين. تقارير BBC أشارت إلى أن التطبيق قدّم إعدادًا افتراضيًا للحد اليومي من وقت الشاشة للمستخدمين دون 18 عامًا، إضافة إلى «وضع الأسرة» الذي يتيح للوالدين ربط حساباتهم بحسابات أبنائهم للتحكم في بعض الإعدادات.
كما يتيح التطبيق اليوم خيارات لتخصيص نوعية المحتوى، وكتم بعض الكلمات المفتاحية، وإيقاف الإشعارات في أوقات معينة من الليل لفئات عمرية محددة. لكن منتقدين يرون أن هذه الأدوات، رغم أهميتها، ما تزال ثانوية مقارنة بقوة تصميم التمرير اللانهائي نفسه، وأنها غالبًا تكون «مخفية» داخل إعدادات معقدة لا يلجأ إليها معظم المستخدمين.
السياق العالمي: منصات في سباق على انتباهك
TikTok ليس وحده في دائرة الاتهام. خوارزميات التوصية التي تحفّز الاستخدام المستمر باتت ركيزة أساسية في تطبيقات عديدة مثل Instagram Reels وYouTube Shorts وSnapchat Spotlight. كل منصة تتسابق للفوز بأطول «وقت مشاهدة» ممكن، لأن الوقت يعني إعلانات أكثر وبيانات أكثر، ومن ثم أرباحًا أكبر.
منظمات مثل Center for Humane Technology في الولايات المتحدة تطالب منذ سنوات بضرورة إعادة تصميم هذه المنصات وفق مبدأ «الوقت المفيد» لا «الوقت الأطول». الفكرة أن التكنولوجيا ينبغي أن تُصمم لمصلحة المستخدم، لا لتتغذى على انتباهه بلا حدود.
في هذا المناخ، تصبح التحركات الأوروبية ذات أثر عالمي؛ فعندما تُجبر منصة بحجم TikTok على تعديل خوارزمياتها أو واجهتها في أوروبا، غالبًا ما تنعكس تلك التغييرات – أو جزء منها – على الأسواق الأخرى أيضًا، لتقليل تعقيد إدارة نسخ مختلفة من الخدمة.
ماذا عن المستخدم العربي؟ بين الإقبال العالي وضعف التنظيم
المنطقة العربية تُعد من أكثر الأسواق نموًا لـ TikTok، خاصة بين الفئات الشابة. في دول الخليج والمغرب العربي ومصر، تُظهر تقارير شركات الأبحاث التسويقية ارتفاعًا كبيرًا في معدلات استهلاك الفيديو القصير، مع انتشار واسع لظاهرة «التمرير قبل النوم» أو خلال فترات الدراسة والعمل.
لكن على عكس أوروبا، ما تزال الأطر التنظيمية في معظم الدول العربية أقل صرامة في ما يتعلق بتصميم المنصات وتأثيرها النفسي. التركيز – حين يظهر – يكون غالبًا على المحتوى المخالف للقيم أو القوانين، وليس على آليات التصميم الخوارزمية ذاتها.
هذا يفتح نقاشًا مهمًا حول الحاجة إلى:
- تحديث التشريعات الرقمية لتأخذ في الاعتبار سلوك المنصات، لا المحتوى فقط.
- تضمين «الرفاه الرقمي» في المناهج التعليمية، لتوعية الطلاب بمخاطر الإدمان على التمرير اللانهائي.
- إطلاق حملات توعية مشتركة بين وزارات التعليم والصحة والاتصالات حول إدارة الوقت على المنصات الاجتماعية.
آراء خبراء: من المسؤول عن الإدمان الرقمي؟
باحثون في علم الاجتماع الرقمي يرون أن تحميل المسؤولية للمستخدم فقط لم يعد منصفًا. تصميم المنصات اليوم، بخوارزمياتها وتدفق محتواها وإشعاراتها المتكررة، يلعب دورًا أساسيًا في تشكيل سلوك المستخدم. لذلك، يتقاسم العبء كل من:
- الشركات التقنية: عبر تبنّي مبادئ تصميم مسؤولة، وتوفير إعدادات افتراضية أكثر أمانًا، خاصة للأطفال.
- الجهات التنظيمية: عبر فرض قواعد واضحة وشفافة حول كيفية عمل الخوارزميات، وتأثيرها على الصحة النفسية.
- الأسر والمدارس: عبر بناء ثقافة رقمية واعية، وتشجيع الشباب على تنظيم أوقات استخدامهم.
في المقابل، يحذّر البعض من أن التدخل التنظيمي المفرط قد يحد من الابتكار أو يدفع المنصات إلى مغادرة بعض الأسواق. لكن النقاش الأوروبي الحالي يحاول إيجاد توازن بين الإبداع التقني وحقوق المستخدمين، خاصة الفئات الأضعف.
نحو تجربة أكثر توازنًا على TikTok والمنصات المشابهة
الضغط الأوروبي على TikTok بسبب التمرير اللانهائي وتشغيل الفيديوهات تلقائيًا لا يدور فقط حول تطبيق واحد، بل حول نموذج كامل لكيفية تصميم المنصات الرقمية اليوم. السؤال الجوهري هو: هل يجب أن تُبنى تجربة الاستخدام بهدف تعظيم الأرباح أم حماية الانتباه والصحة النفسية؟
احتمال أن تؤدي هذه التحقيقات إلى تغيير فعلي في تصميم TikTok قائم، سواء عبر خيارات افتراضية تقلل من التمرير اللانهائي للأطفال، أو عبر شفافية أكبر في طريقة عمل الخوارزمية، أو توفير وضع «خفيف» يقلل من الإشعارات والتوصيات المسببة للإدمان.
في العالم العربي، يبقى التحدي مضاعفًا: الاستفادة من الفرص التي تقدمها هذه المنصات في التعليم والترفيه وريادة الأعمال، دون الوقوع في فخ الاستخدام القهري. وربما تكون التجربة الأوروبية الحالية جرس إنذار مبكر يدفع صانعي القرار والمستخدمين معًا لإعادة التفكير في السؤال البسيط الصعب: من يتحكم بمن؟ نحن أم الخوارزميات؟