خوارزميات في قفص الاتهام: ما الذي حدث بالضبط؟
في تطور قانوني لافت داخل الولايات المتحدة، اعتبرت هيئة محلفين في محكمة اتحادية أن شركتي Meta (المالكة لفيسبوك وإنستغرام) وGoogle (المالكة ليوتيوب) تصرّفتا بإهمال في طريقة تصميم منصّاتهما، بحيث تشجّع هذه التصاميم على الإدمان، خصوصًا لدى المراهقين. الحكم، الذي تناولته مواقع متخصّصة مثل The Verge وTechCrunch، يفتح الباب أمام مرحلة جديدة من محاسبة شركات التكنولوجيا على آثار خوارزمياتها، وليس فقط على المحتوى الذي ينشره المستخدمون.
القضية رُفعت من قِبل مجموعة من العائلات التي تقول إن أبناءها عانوا من آثار نفسية وصحية خطيرة بسبب الإدمان على المنصات الاجتماعية، مدّعية أن الشركات تعمّدت تصميم تجارب استخدام تجعل الانفصال عن التطبيق شبه مستحيل، عبر إشعارات مستمرة وخوارزميات توصية تُغذي الفضول وتستغل نقاط الضعف عند المستخدم، خاصة في سن المراهقة.
من تحميل المسؤولية عن المحتوى إلى محاسبة التصميم
التحوّل الأبرز في هذه المحاكمة أن التركيز لم يكن على نوعية المحتوى فحسب، بل على البنية التقنية ذاتها: خوارزميات التوصية، الواجهة الرسومية، وطريقة عرض الفيديوهات والقصص والإشعارات. وفق تقرير The Verge، جادل محامو العائلات بأن المنصات صُممت عمداً لتوليد «حلقة لا نهائية» من المحتوى، تدفع المستخدم للاستمرار في التصفح لأطول فترة ممكنة.
هذا الطرح ينسجم مع انتقادات قديمة وُجّهت إلى نموذج الأعمال القائم على الإعلانات؛ كل دقيقة إضافية يقضيها المستخدم على المنصّة تعني بيانات أكثر وإعلانات أكثر، ومن ثم أرباحاً أكبر. الجديد هنا أن هيئة المحلفين اعتبرت هذا الربط بين التصميم والربح على حساب الصحة النفسية، نوعاً من الإهمال يمكن مساءلة الشركات عنه قانونياً.
خوارزميات توصية أم محركات إدمان؟
خوارزميات التوصية في فيسبوك، إنستغرام، ويوتيوب مبنية على مراقبة سلوك المستخدم: ماذا يشاهد؟ كم من الوقت يقضي على كل منشور؟ مع أي محتوى يتفاعل؟ ثم تستخدم هذه البيانات لاقتراح محتويات مشابهة تزيد احتمالية البقاء داخل التطبيق. وفق تقرير TechCrunch، فإن المرافعات ركّزت على أن هذه الخوارزميات لا تميّز بدرجة كافية بين مستخدم بالغ راشد وبين مراهق هشّ نفسيًا، يتأثر أكثر بما يظهر له من محتوى، وبالضغط النفسي الناتج عن المقارنة الاجتماعية والتنمّر الإلكتروني.
خبراء علم النفس الذين استُدعوا للشهادة أشاروا إلى ما يسمّى «حلقة المكافأة» في الدماغ؛ كل إعجاب (Like) أو تعليق أو إشعار جديد يفعّل نظام المكافأة العصبي، فيمنح شعوراً لحظياً بالرضا، يدفع المستخدم للعودة مرة تلو الأخرى. وعندما يُبنى تصميم التطبيق حول تعزيز هذا الشعور القصير المدى، يصبح الخطر أكبر على من لم يكتمل نضجه النفسي بعد.
ما أهمية هذا الحكم في السياق العالمي؟
أهمية القضية لا تتوقف عند حدود التعويضات المحتملة للعائلات، بل تمتد إلى وضع سابقة قانونية يمكن أن تُستند إليها مئات القضايا مستقبلاً في الولايات المتحدة وربما خارجها. حتى الآن، كانت منصات التواصل تعتمد في دفاعها على قوانين تمنحها حصانة نسبية من المسؤولية عن المحتوى الذي ينشره المستخدمون، مثل المادة 230 من قانون آداب الاتصالات الأمريكي.
لكن هذا الحكم يذهب في اتجاه مختلف: تحميل الشركات مسؤولية التصميم والخوارزميات، وليس فقط المحتوى. هذا التفريق قد يدفع المشرّعين في دول أخرى إلى التفكير في قوانين جديدة تستهدف «هندسة الإدمان» في التطبيقات الرقمية، وتُلزم الشركات بتبنّي معايير سلامة رقمية، خاصة حين يتعلق الأمر بالمراهقين.
الاتحاد الأوروبي سبق أن اتخذ خطوات في هذا الاتجاه عبر قانون الخدمات الرقمية (DSA)، الذي يفرض على المنصات الكبرى شفافية أكبر حول كيفية عمل خوارزمياتها، وإمكانية إيقاف التخصيص القائم على تتبع السلوك. إلا أن الحكم الأمريكي يمنح زخماً إضافياً لفكرة أن التصميم نفسه يمكن أن يكون موضع مساءلة قضائية، لا مجرد نقاش أخلاقي أو تنظيمي.
ماذا عن المستخدمين العرب والمنطقة العربية؟
رغم أن القضية أمريكية، إلا أن تأثير منصات مثل فيسبوك وإنستغرام ويوتيوب في العالم العربي لا يقل قوة. معدلات استخدام الشبكات الاجتماعية في دول عربية عدة من بين الأعلى عالميًا، خصوصًا في الفئات العمرية الشابة، بينما لا تزال الأطر القانونية والتنظيمية الرقمية في أغلب هذه الدول في طور التشكّل.
كثير من الأسر العربية تلاحظ صعوبة إبعاد أبنائها عن الهواتف الذكية، وتحديدًا عن الفيديوهات القصيرة (Reels وShorts) التي تُشغَّل تلقائيًا واحدًا تلو الآخر. هذا الشكل من المحتوى يعتمد على نفس منطق «السحب للأسفل بلا نهاية»، الذي انتقل من فيسبوك وتويتر إلى إنستغرام وتيك توك ويوتيوب، مستفيدًا من آلية الإدمان السلوكي: جملة قصيرة، صورة جذابة، ومكافأة لحظية متكررة.
لكن على عكس النقاشات الدائرة في الولايات المتحدة وأوروبا، لا تزال قضايا «السلامة الرقمية للمراهقين» في العالم العربي محدودة من حيث التشريع، وغالبًا ما يُحمَّل الأهل وحدهم مسؤولية المتابعة والرقابة، من دون سياسات واضحة تُلزم المنصات بتعديل تصميمها أو توفير أدوات حماية افتراضية افتراضية أقوى للمستخدمين القُصّر.
فرصة لصياغة سياسات رقمية عربية
الحكم الأمريكي الأخير يمكن أن يشكّل فرصة أمام صنّاع القرار في المنطقة لإعادة قراءة قوانين الفضاء الرقمي، وعدم الاكتفاء بمحاربة خطاب الكراهية أو المحتوى المتطرف، بل التوسّع نحو مساءلة تصميم المنصات التي تستهدف الأطفال والمراهقين، أو على الأقل إلزامها بحزم إعدادات افتراضية أكثر أمانًا في نسخ التطبيقات الموجّهة للأسواق العربية.
المدارس والجامعات والوزارات المعنية بالتربية والاتصالات تملك دوراً أساسياً في هذا السياق؛ من خلال حملات توعية بالسلامة الرقمية، وإدماج مفاهيم «الصحة النفسية الرقمية» في المناهج التعليمية، إلى جانب تشجيع استخدام أدوات الرقابة الأبوية، وتبني سياسات واضحة في المؤسسات التعليمية بشأن استخدام الهواتف الذكية.
ما الذي يمكن أن يتغيّر بالنسبة لعمالقة التكنولوجيا؟
من المبكر معرفة مدى التأثير الفعلي لهذا الحكم على طريقة تصميم المنصات، لكن المؤشرات الأولى تشير إلى ضغط متزايد على الشركات لتعديل خوارزمياتها، وتقديم خيارات أكثر للمستخدم للتحكم في نوعية التوصيات ومدة الاستخدام. سبق أن قدّمت بعض المنصات أدوات مثل «مؤقت الاستخدام» أو تنبيهات الاستراحة، لكن الانتقادات تقول إن هذه الأدوات شكلية، وغالبًا ما تكون مخفية في الإعدادات، ولا تغيّر من منطق التصميم الأساسي الذي يدفع نحو الإدمان.
إذا استمرت القضايا القضائية في اتجاه مشابه، فقد تُضطر الشركات إلى خطوات أعمق، مثل:
- الحد من الإشعارات الافتراضية للمستخدمين القُصّر.
- تقليل الاعتماد على المحتوى المقترح تلقائيًا لصالح المحتوى القادم من الأصدقاء والمعارف.
- توفير وضع افتراضي «آمن للمراهقين» مفعّل تلقائيًا، بدلاً من تركه خيارًا اختياريًا صعب الوصول.
- إتاحة مستوى أعلى من الشفافية حول كيفية عمل خوارزميات التوصية، وما البيانات التي تعتمد عليها.
من جهة أخرى، يخشى بعض الخبراء من أن يؤدّي تضييق الخناق القانوني على خوارزميات التوصية إلى إضعاف الابتكار أو إلى فرض أعباء ضخمة على الشركات الناشئة التي لا تملك موارد قانونية وتقنية بحجم عمالقة وادي السيليكون. إلا أن فريقًا آخر من الخبراء يرى أن وضع حدود واضحة للتصميم المسبّب للإدمان، يشبه تمامًا القواعد التي تحكم صناعات أخرى مثل ألعاب الفيديو أو المنتجات الموجهة للأطفال.
بين مسؤولية الشركات ووعي المستخدم
الحكم ضد Meta وGoogle يعكس مزاجًا عالميًا أكثر تشددًا تجاه شركات التكنولوجيا الكبرى، لكنه لا يلغي مسؤولية المستخدمين والأسر والمؤسسات عن بناء ثقافة استخدام رقمي أكثر وعيًا. الخوارزميات جزء من المعادلة، لكنها تتغذى أيضاً على سلوكنا اليومي، وعلى استعدادنا لتسليم وقتنا وبياناتنا بلا قيود.
ربما يكون التطور الأهم الذي تحمله هذه القضية هو الاعتراف القضائي بأن التصميم ليس محايدًا، وأن القرارات التقنية التي تُتخذ في غرف مغلقة يمكن أن تتحول إلى عوامل مؤثرة في الصحة النفسية والاجتماعية لملايين البشر، بينهم ملايين من الأطفال والمراهقين في منطقتنا العربية. وبينما تتحرك المحاكم والمشرّعون ببطء، يبقى السؤال المفتوح: كيف نوازن نحن، كمستخدمين وأولياء أمور، بين الاستفادة من هذه المنصات وبين حماية الوقت والعقل من إدمان خوارزمي لا ينام؟