واتساب يختبر نموذج تسعير جديد لروبوتات الدردشة في إيطاليا
اتخذت واتساب خطوة لافتة في سوق تطبيقات المراسلة، بعد اعتماد نموذج تسعير جديد يستهدف روبوتات الدردشة (Chatbots) المدعومة بالذكاء الاصطناعي العاملة عبر منصتها في إيطاليا. القرار يجمع بين اعتبارات تنظيمية وتجارية، وقد يشكّل نموذجًا أوليًّا لكيفية تعامل المنصات الكبرى مع البوتات التي تقدم خدمات مدفوعة أو شبه مدفوعة للمستخدمين.
منصة مراسلة… ومنصة أعمال مدفوعة
على مدى السنوات الماضية، تحوّل واتساب من تطبيق للمراسلات الشخصية إلى منصة أعمال متكاملة عبر خدمة WhatsApp Business وواجهات البرمجة المخصصة للشركات. كثير من الشركات – من البنوك إلى متاجر التجارة الإلكترونية – اعتمدت على روبوتات دردشة داخل واتساب للرد الآلي على العملاء، وحجز المواعيد، وتقديم الدعم، بل وأحيانًا تنفيذ عمليات شراء كاملة.
مع صعود نماذج الذكاء الاصطناعي التوليدي، بدأت تظهر فئة جديدة من البوتات تقدم خدمات أكثر تعقيدًا، مثل تلخيص الوثائق، الاستشارات الآلية، أو الدعم التقني الفوري، وهو ما رفع استهلاك الموارد والبنية التحتية على خوادم واتساب، وأعاد فتح ملف التسعير والحوكمة.
ما الذي تغير في إيطاليا؟
وفق ما أفادت به تقارير متطابقة من وسائل إعلام تقنية أوروبية، بدأت واتساب في إيطاليا تطبيق رسوم محددة على استخدام روبوتات الدردشة بالذكاء الاصطناعي التي تعمل عبر واجهة برمجة التطبيقات (API) المخصصة للأعمال. النموذج يشبه ما تطبقه الشركة بالفعل على الرسائل التجارية، لكنه أكثر دقة عندما يتعلق الأمر بحجم التفاعل الآلي وعدد الجلسات التي يديرها البوت.
بمعنى آخر، لم تعد الشركات الحرة في إطلاق عدد غير محدود من تفاعلات الذكاء الاصطناعي مجانًا عبر واتساب؛ بل سيُحسب عليها ذلك ضمن هيكل تسعير جديد، يراعي عدد المحادثات، وتصنيفها (خدمة، تسويق، تنبيهات…)، وربما مستقبلاً نوعية البوت وقدرته على المعالجة الذكية.
البعد التنظيمي: الخصوصية وحماية المستهلك
اختيار إيطاليا تحديدًا ليس صدفة. روما من أكثر العواصم الأوروبية تشددًا مع خدمات الذكاء الاصطناعي، وقد سبق أن أوقفت هيئة حماية البيانات الإيطالية عمل خدمة ChatGPT مؤقتًا في 2023 بسبب مخاوف تتعلق بالخصوصية، قبل عودته مع تعديلات على طريقة جمع البيانات وإدارتها.
رفع واتساب مستوى الضبط على روبوتات الدردشة في بيئة قانونية صارمة مثل إيطاليا قد يكون وسيلة لطمأنة الجهات التنظيمية، عبر:
- إظهار أن المنصة قادرة على تتبع وحوكمة البوتات التجارية.
- منع استغلال البوتات في الإعلانات المضللة أو الخدمات غير المرخصة.
- تسهيل محاسبة الشركات التي تشغّل هذه البوتات ماليًّا وقانونيًّا.
في المقابل، يمنح نموذج التسعير الجديد لواتساب حجة إضافية أمام الجهات التنظيمية: إذا كانت الشركة تفرض رسومًا وتُخضع البوتات لنظام تسجيل وفوترة، فهذا يعني ضبطًا أوضح لهوية الجهة المشغلة ومسؤوليتها القانونية عن المحتوى.
خطوة تجارية أيضًا… لا رقابية فقط
لا يمكن فصل القرار عن البعد التجاري. واتساب، المملوك لمجموعة Meta، يبحث منذ سنوات عن طرق مباشرة لتحقيق إيرادات من التطبيق الذي يستخدمه أكثر من ملياري شخص حول العالم. وبينما تعتمد المنصة على نماذج تسعير للمراسلات التجارية في أسواق عديدة، فإن البوتات المدعومة بالذكاء الاصطناعي تمثل شريحة جديدة ذات قيمة مضافة أعلى.
من المنطقي أن ترى واتساب أن الشركات التي تجني أرباحًا من خدمات متقدمة عبر البوتات – مثل الاستشارات القانونية الأولية، التحليلات المالية، الدعم التقني الاحترافي، خدمات الحجز والدفع – يمكن أن تتحمل رسومًا أعلى مقابل استخدام البنية التحتية للتراسل الفوري، بدلاً من الاعتماد على نموذج مجاني بالكامل.
كيف يمكن أن ينعكس هذا النموذج على بقية العالم؟
الخطوة الإيطالية قد تكون اختبارًا تمهيديًّا قبل تعميم نموذج التسعير على أسواق أخرى في أوروبا والعالم. منصات تقنية كبرى مثل Meta غالبًا ما تبدأ بتنفيذ السياسات الجديدة في دول ذات أطر تنظيمية متقدمة، ثم توّسعها تدريجيًّا.
في حال ثبُت أن النموذج فعّال وغير مُنفّر للشركات، يمكن توقّع:
- إطلاق خطط تسعير متدرجة للبوتات بحسب عدد المستخدمين أو مستوى الذكاء الاصطناعي المستخدم.
- ظهور فئة “بوتات مميزة” بخدمات متقدمة ورسوم أعلى.
- دمج أعمق مع منصات الذكاء الاصطناعي الخاصة بـ Meta نفسها، مثل نماذج LLaMA، مع تسعير متكامل بين البنية التحتية للمراسلة والمعالجة.
أين تقف المنطقة العربية من موجة “بوتات واتساب”؟
المنطقة العربية تشهد بالفعل انتشارًا واسعًا لاستخدام واتساب في الأعمال الصغيرة والمتوسطة؛ من متاجر إنستغرام المنزلية، إلى المطاعم، إلى شركات الخدمات. كثير من هذه الأعمال تعتمد على ردود شبه آلية، وقوائم جاهزة، وأحيانًا روبوتات بسيطة تعتمد على قوائم الاختيار.
خلال العامين الأخيرين، بدأت شركات تقنية ناشئة في الخليج ومصر والأردن وتونس تقديم حلول متقدمة لبوتات واتساب المدعومة بالذكاء الاصطناعي، تربط بين واجهات WhatsApp Business وبين منصات مثل OpenAI وGoogle Cloud، لتقديم:
- دعم عملاء آلي بعدة لغات، بينها العربية.
- إجابات فورية عن الأسئلة الشائعة.
- مساعدة في اختيار المنتجات وحجز المواعيد.
إذا قررت واتساب تعميم نموذج الرسوم المطبّق في إيطاليا عالميًّا، فمن المرجح أن تتأثر هذه الشركات الناشئة مباشرة. ستتحول تكاليفها التشغيلية من مجرد استضافة ونماذج ذكاء اصطناعي خارجية، إلى رسوم إضافية على كل محادثة أو جلسة يديرها البوت عبر واتساب.
هل سيُبطّئ ذلك من انتشار البوتات العربية؟
خبراء في سوق التقنية العربية يرون أن التأثير سيكون “انتقائيًّا” لا شاملًا. الشركات المتوسطة والكبيرة التي تحقق عائدًا مباشرًا من خدمات البوتات قد لا تجد مشكلة في تحمّل هذه الرسوم، خصوصًا إذا قورنت بتكلفة فرق دعم العملاء التقليدية.
أما المشاريع الصغيرة والناشئة جدًا، فقد تتردد في تبني حلول ذكاء اصطناعي متقدمة إذا أصبحت الفاتورة الشهرية أعلى مما تتحمل. هذا قد يدفع السوق إلى:
- تركيز الاستخدام على البوتات في الخدمات ذات العائد الواضح (مبيعات، اشتراكات، دعم مدفوع).
- الاستمرار في الاعتماد على ردود شبه آلية أبسط في الخدمات المجانية أو الهامشية.
- ظهور مزودين محليين يقدمون حلولًا “مجمّعة” تخفف تكلفة الرسائل على عدد كبير من العملاء.
تنظيم الذكاء الاصطناعي عبر بوابة التسعير
اللافت أن كثيرًا من نقاشات تنظيم الذكاء الاصطناعي تركز على الجوانب الأخلاقية والقانونية، لكن واتساب تطرح مسارًا مكملاً: التنظيم عبر التسعير. عندما تُصبح كل محادثة أو جلسة مدفوعة، يزداد حافز الشركات لاستخدام البوتات بمسؤولية، وتقل تجارب “الإغراق” بالمحتوى الآلي غير المجدي.
في الوقت نفسه، يمكن للشركات الكبيرة ذات الميزانيات الضخمة أن تستمر في استخدام البوتات على نطاق واسع، ما قد يثير تساؤلات حول عدالة الوصول إلى تقنيات الذكاء الاصطناعي بين اللاعبين الكبار والصغار. هذه الفجوة قد تكون أوضح في أسواق نامية مثل بعض الدول العربية، حيث حساسية الأسعار أكبر بكثير.
ما الذي يجب أن تراقبه الشركات العربية الآن؟
مع أن خطوة واتساب الحالية محصورة في إيطاليا، إلا أن الشركات العربية التي تبني منتجاتها وخدماتها على قمة المنصة تحتاج إلى مراقبة عدة أمور خلال الفترة المقبلة:
- تحديثات شروط استخدام WhatsApp Business API وسياسات التسعير الرسمية من Meta.
- أي تجارب مشابهة في دول أوروبية أخرى، إذ غالبًا ما تسبق أوروبا بقية العالم في مثل هذه السياسات.
- تحركات المنافسين، مثل تلغرام وSignal وربما تطبيقات محلية، التي قد تستغل أي زيادة في التكلفة على واتساب لجذب الشركات الصغيرة.
عدد من الخبراء في مجال التحول الرقمي في الخليج يشيرون إلى أن أفضل إستراتيجية الآن هي تنويع قنوات التواصل مع العملاء، وعدم حصرها في واتساب فقط، والاستعداد لسيناريو تصبح فيه البوتات المتقدمة على واتساب خدمة مدفوعة بتسعير واضح، لا مجرد ميزة إضافية مجانية.
مستقبل البوتات على واتساب: خدمة أساسية أم رفاهية مدفوعة؟
إيطاليا قد تكون البداية فقط. التجربة الجديدة تفتح الباب أمام نموذج عمل مختلف جذريًّا لروبوتات الدردشة المبنية على المنصات الكبرى. إذا نجحت الخطة تجاريًّا وتوافقت مع الأطر التنظيمية، قد نرى خلال سنوات قليلة تسعيرًا موحدًا عالميًّا يميّز بين:
- محادثات بشرية عادية.
- محادثات تجارية تقليدية.
- محادثات مدعومة بالكامل بالذكاء الاصطناعي.
في هذه الحالة، لن يكون السؤال هل ستستخدم الشركات العربية البوتات الذكية على واتساب، بل: كم ستكون جاهزة لدفع ثمنها، وكيف ستقيس العائد من كل رسالة؟