مركز بيانات واحد قد يصبح بين الأكبر تلويثًا في أمريكا
كشف تحقيقان منفصلان لـ TechCrunch وThe Verge عن أن مشروع مركز بيانات ضخم تخطّط له أمازون في ولاية بنسلفانيا الأميركية قد يتحول إلى واحد من أكبر مصادر الانبعاثات الكربونية المرتبطة بالطاقة في الولايات المتحدة، في وقت تُعوِّل فيه الشركة على توسيع قدراتها في الحوسبة السحابية والذكاء الاصطناعي.
بحسب التقارير، يعتمد المشروع على محطة كهرباء تعمل بالغاز الطبيعي، ما يثير تساؤلات حادة حول مدى توافق طموحات أمازون في الذكاء الاصطناعي مع تعهداتها المناخية السابقة، خاصة التزامها بالوصول إلى «صفر انبعاثات كربونية صافية» بحلول عام 2040 ضمن مبادرة The Climate Pledge.
تفاصيل المشروع: بيانات أكثر… وانبعاثات أكثر
توضح TechCrunch أن أمازون تتعاون مع شركة طاقة لربط مركز البيانات الجديد بمحطة كهرباء تعمل بالغاز في مقاطعة لوسرن بولاية بنسلفانيا. المحطة كانت تواجه في السابق خطر الإغلاق بسبب التحول التدريجي عن الوقود الأحفوري، لكن العقد الجديد مع أمازون قد يمنحها «عمرًا ثانيًا» بفضل الطلب الكبير على الكهرباء لتشغيل البنية التحتية السحابية والذكاء الاصطناعي.
أما The Verge فتشير إلى أن استهلاك المركز الجديد من الطاقة قد يصل إلى مئات الميجاواط، وهو ما يوازي احتياجات مدينة صغيرة كاملة من الكهرباء. هذا الحجم الهائل من الاستهلاك، إذا استمر الاعتماد فيه على الغاز الطبيعي، يعني إطلاق أطنان من ثاني أكسيد الكربون سنويًا، ما يتعارض مع صورة الشركة كواحدة من أكبر المستثمرين في الطاقة المتجددة عالميًا.
الذكاء الاصطناعي يغيّر خريطة الطلب على الطاقة
طفرة النماذج اللغوية الضخمة وخدمات الذكاء الاصطناعي التوليدي لا تستهلك قدرات حوسبة فقط، بل تحتاج أيضًا إلى طاقة كهربائية مستمرة وبكثافة أعلى بكثير من مراكز البيانات التقليدية. تقارير بحثية مختلفة، من بينها دراسات منشورة في Nature وMIT Technology Review، تشير إلى أن تدريب نموذج ذكاء اصطناعي كبير واحد يمكن أن يستهلك طاقة تعادل استهلاك مئات المنازل لعدة أشهر.
هذا الطلب المتصاعد يدفع الشركات الكبرى مثل أمازون ومايكروسوفت وغوغل إلى سباق محموم لبناء مراكز بيانات جديدة حول العالم، غالبًا بالقرب من مصادر كهرباء متوفرة وبأسعار تنافسية. لكن عندما تكون هذه المصادر معتمدة على الغاز أو الفحم، تصبح كل عملية استعلام في خدمة ذكاء اصطناعي جزءًا من معادلة كربونية أثقل مما يراه المستخدم النهائي.
التزامات مناخية على الورق… وواقع مختلف على الأرض
أمازون تُقدّم نفسها منذ سنوات كأحد أكبر المشترين للطاقة المتجددة في العالم، وتعلن بشكل متكرر عن مشاريع مزارع رياح وطاقة شمسية في الولايات المتحدة وأوروبا وغيرها. كما أن تقارير الشركة البيئية الرسمية تؤكد انخفاض “الكثافة الكربونية” لأنشطتها مع التوسع في الاعتماد على الكهرباء النظيفة.
لكن تحقيق TechCrunch يشير إلى فجوة بين الخطاب البيئي والممارسة العملية، خاصة عندما يتعلق الأمر بالمواقع التي تحتاج إلى قدر كبير من الطاقة بشكل فوري ومستقر لتشغيل أحمال الذكاء الاصطناعي. في مثل هذه الحالات، يبدو أن الشركات مستعدة أحيانًا للتراجع خطوة إلى الوراء والاعتماد على محطات غاز أو حتى فحم، ثم محاولة تعويض الانبعاثات عبر آليات محاسبية أو شراء أرصدة كربونية، وهو ما تنتقده منظمات بيئية كثيرة بوصفه «حسابات على الورق» لا تغيّر الواقع المناخي فعليًا.
من يدفع الثمن؟ المجتمعات المحلية أولًا
وفقًا لما نشرته The Verge، أثار مشروع محطة الغاز المرتبطة بمركز بيانات أمازون قلق سكان المناطق المحيطة في بنسلفانيا، الذين يخشون من آثار الانبعاثات والضوضاء والضغط على البنية التحتية المحلية. منظمات بيئية محلية حذرت من أن إعادة إحياء محطة كهرباء قديمة لتغذية مركز بيانات واحد يجسد معضلة جديدة: رفاه رقمي عالمي يقابله عبء بيئي محلي.
الانتقادات لا تقتصر على التلوث الكربوني فقط، بل تمتد إلى استهلاك المياه لتبريد مراكز البيانات، وهو عامل بات يثير الجدل في مناطق تعاني أصلًا من ضغوط مائية. تقارير سابقة من The New York Times وBloomberg تحدثت عن آثار مراكز البيانات على موارد المياه في ولايات أميركية أخرى، مع تنامي عدد الخوادم المطلوبة لتشغيل تطبيقات الذكاء الاصطناعي.
السياق العالمي: سباق على الذكاء الاصطناعي… ومراجعة للمسار المناخي
التوتر بين أهداف الذكاء الاصطناعي والأهداف المناخية لا يقتصر على أمازون. مايكروسوفت تواجه انتقادات مماثلة بعد توسّع شراكتها مع OpenAI وبناء مراكز بيانات جديدة، في حين أعلنت غوغل عن خطط للاستثمار في بنية تحتية للحوسبة المتقدمة في أسواق متعددة.
تقرير لـ الوكالة الدولية للطاقة (IEA) توقّع أن يزداد استهلاك الكهرباء من مراكز البيانات عالميًا بشكل كبير خلال الأعوام القادمة، مع مساهمة الذكاء الاصطناعي وتقنيات البلوك تشين في تسريع هذا النمو. الوكالة حذّرت من أن عدم مواءمة هذا التوسع مع خطط واضحة للطاقة المتجددة وكفاءة استهلاك الطاقة قد يهدد المسار العالمي نحو أهداف اتفاق باريس للمناخ.
آراء خبراء: الذكاء الاصطناعي يحتاج إلى «معيار أخضر» واضح
مراكز بحث متخصصة في سياسات التكنولوجيا والبيئة، مثل Greenpeace وElectronic Frontier Foundation، تدعو منذ سنوات إلى تبنّي شفافية أكبر في تقارير استهلاك الطاقة والانبعاثات الخاصة بمراكز البيانات، وربطها بخدمات الذكاء الاصطناعي المتاحة للمستخدمين.
بعض الباحثين يقترحون إضافة ما يشبه «بطاقة كفاءة الطاقة» للخدمات الرقمية، تُمكِّن الشركات والعملاء من معرفة الأثر البيئي التقريبي لاستخدام واجهات برمجة التطبيقات أو نماذج الذكاء الاصطناعي، على غرار الملصقات الموجودة على الأجهزة الكهربائية المنزلية. مثل هذه الخطوة قد تدفع المطورين إلى تفضيل الخدمات الأقل استهلاكًا للطاقة، وتشجع الشركات على الاستثمار في خوارزميات ونماذج أكثر كفاءة.
في المقابل، تحاجج شركات التقنية الكبرى بأن التحول الكامل إلى الطاقة المتجددة يحتاج وقتًا واستثمارات ضخمة في الشبكات والبنية التحتية، وأن وقف مشاريع مراكز البيانات بحجة الاعتماد الحالي على الوقود الأحفوري قد يعطل الابتكار الرقمي، بما فيه حلول الذكاء الاصطناعي التي تُستخدم أصلًا في تحسين كفاءة الطاقة وإدارة الشبكات الذكية.
أسئلة مفتوحة أمام أمازون وصناعة الذكاء الاصطناعي
التحقيقان المنشوران في TechCrunch وThe Verge يسلطان الضوء على مسألة تتعدى شركة واحدة أو مشروعًا واحدًا. مع كل موجة جديدة من خدمات الذكاء الاصطناعي، يزداد الضغط على شبكات الكهرباء عالميًا، وتتضاعف أهمية القرارات المتعلقة بمصادر الطاقة التي تغذي هذه الطفرة.
أمام أمازون وغيرها من عمالقة السحابة أسئلة ملحّة: هل يمكن تسريع مشاريع الطاقة المتجددة بما يكفي لمجاراة توسع الذكاء الاصطناعي؟ هل تصبح عقود الكهرباء المستقبلية مشروطة بنسبة محددة من الطاقة النظيفة؟ وهل سيكون للمستخدمين، أفرادًا وشركات، دور في الضغط لاختيار خدمات «أكثر خضرة» حتى لو كانت بتكلفة أعلى أو أداء أقل قليلًا؟
النقاش الذي فتحته تسريبات مشروع مركز بيانات بنسلفانيا يوضح أن الذكاء الاصطناعي لم يعد موضوعًا تقنيًا بحتًا، بل جزءًا من معادلة اقتصادية وبيئية واجتماعية معقدة، يشارك فيها صانعو السياسات، وشركات التقنية، والمجتمعات المحلية، والمستخدمون على حد سواء.
المراجع
- TechCrunch
- The Verge
- International Energy Agency (IEA)
- Nature
- MIT Technology Review
- The New York Times
- Bloomberg
- Greenpeace
- Electronic Frontier Foundation