استحواذ يكشف تحوّل شركات الذكاء الاصطناعي نحو الجماهير
في خطوة تعكس انتقال شركات الذكاء الاصطناعي من الأدوات المتخصصة إلى المنتجات الجماهيرية، استحوذت منصة توليد الصور الشهيرة Midjourney على تطبيق الأبراج الأمريكي Co-Star، أحد أكثر تطبيقات الفلك انتشارًا بين الشباب في الولايات المتحدة. الصفقة كُشف عنها في تقرير موسّع لموقع The Verge، موضحًا أن الهدف لا يرتبط بالتنجيم بقدر ما يرتبط بفهم المستخدم وبناء تجارب رقمية شخصية تعتمد على البيانات والخوارزميات التنبؤية.
منصة صور تستحوذ على تطبيق أبراج: ما العلاقة؟
Midjourney عُرفت كأحد أبرز محركات توليد الصور بالذكاء الاصطناعي، تعتمد على أوامر نصية (Prompts) لتحويل الكلمات إلى لوحات وتصاميم عالية الجودة، وتنتشر بشكل واسع بين المصممين والهواة على خوادم ديسكورد. في المقابل، يقدّم Co-Star تطبيقًا للهواتف الذكية يستخدم بيانات فلكية وخوارزميات خاصة لتقديم قراءات يومية شخصية للمستخدمين، مع واجهة بسيطة ولغة قريبة من الجيل الشاب.
تقرير The Verge يشير إلى أن الصفقة ليست محاولة من Midjourney لدخول عالم التنجيم، بل للاستفادة من خبرة Co-Star في:
- تصميم تجارب شخصية تعتمد على بيانات المستخدم.
- بناء تفاعل يومي مع التطبيق عبر محتوى متجدد.
- تحويل خوارزميات التنبؤ إلى خدمة ترفيهية قريبة من المستخدم العام.
من الأبراج إلى الشخصيات الرقمية: ما الذي تطمح له Midjourney؟
بحسب تقرير The Verge، يرى مستثمرو وشركات الذكاء الاصطناعي أن المرحلة المقبلة لن تقتصر على بناء نماذج قوية فقط، بل على منتجات صديقة للجمهور تستفيد من هذه النماذج. الاستحواذ على Co-Star قد يكون خطوة نحو:
- شخصيات رقمية (Digital Personas) تتفاعل مع المستخدمين يوميًا، تقدم لهم نصائح أو محتوى ترفيهيًا مخصصًا.
- تجارب هجينة تجمع بين الصورة والنص؛ مثل شخصية رقمية ترسم لمستخدم ما «مزاج يومه» بصور مولّدة بالذكاء الاصطناعي، مع نص تفسيري مخصص.
- منتجات اشتراك توفر محتوى مميزًا ومدفوعًا، يتجاوز نموذج «الأداة المجانية» الذي لا يزال يضغط على عوائد كثير من شركات الذكاء الاصطناعي.
هذا التوجّه يتماشى مع موجة أوسع في السوق، حيث تسعى الشركات إلى دمج الذكاء الاصطناعي في تطبيقات ترفيهية يومية؛ من المساعدين الصوتيين إلى الدردشة مع شخصيات افتراضية ومؤثرين رقميين مبنيين بالكامل على الخوارزميات.
خطوة في سياق تنافس شرس بين عمالقة الذكاء الاصطناعي
الصفقة تأتي في وقت تتسابق فيه شركات مثل OpenAI وGoogle وAnthropic وMeta لبناء تطبيقات جماهيرية فوق نماذجها الأساسية. OpenAI، على سبيل المثال، قدمت نموذج ChatGPT في صورة منتج مباشر للمستخدمين، بينما تحاول منصات أخرى إطلاق تطبيقات مراسلة، أو أدوات كتابة، أو مساعدين شخصيين.
استحواذ Midjourney على Co-Star قد يعني محاولة للخروج من إطار «أداة للمبدعين» إلى منصة ترفيه شخصي تتعامل مع الملايين بشكل يومي، كما فعلت تطبيقات التواصل الاجتماعي ومنصات الفيديو القصير.
تجارب رقمية شخصية: ما الذي يميّز Co-Star؟
تطبيق Co-Star الذي انطلق قبل سنوات ركّز على استخدام لغة معاصرة وخوارزميات بيانات لتقديم تجربته الفلكية، بدل الاكتفاء بالنشرات التقليدية. وفق تقارير سابقة لـThe New York Times وThe Verge، يعتمد التطبيق على:
- بيانات فلكية لحظة ميلاد المستخدم وموقعه.
- محركات خوارزمية لترجمة هذه البيانات إلى رسائل شخصية مبسطة.
- واجهة تفاعلية تشبه تطبيقات الشبكات الاجتماعية، مع إمكانية مقارنة «الانطباعات الفلكية» بين الأصدقاء.
هذا النموذج أثبت أن المستخدمين مستعدون للعودة يوميًا إلى تطبيق يقدم محتوى مخصصًا لهم، حتى لو كان ترفيهيًا أو غير علمي، طالما أن التجربة مصممة بعناية وتشعرهم بخصوصيتها.
الذكاء الاصطناعي والترفيه الشخصي: فرصة أم مساحة حساسة؟
مراقبون في مجال التقنية يرون أن مزج الذكاء الاصطناعي بالتجارب ذات الطابع «الشخصي» – مثل الأبراج أو الإرشاد اليومي – يفتح أسئلة حساسة حول:
- الخصوصية: ما نوع البيانات التي سيجمعها التطبيق؟ وكيف تُستخدم لحساب «التنبؤات» أو اقتراح المحتوى؟
- الشفافية: إلى أي حد يفهم المستخدمون أن ما يتلقونه ناتج عن خوارزميات لا عن «خبرة إنسانية»؟
- التأثير النفسي: الاعتماد اليومي على تطبيقات تخبر المستخدم كيف يشعر أو ماذا يتوقع من يومه يمكن أن يؤثر في قراراته ومزاجه.
تقارير سابقة لـBBC وMIT Technology Review تناولت بالفعل النقاش الدائر حول تطبيقات الدردشة القائمة على الذكاء الاصطناعي، وكيف يمكن أن ترتبط بالمستخدمين عاطفيًا، وما يترتب على ذلك من مسؤوليات أخلاقية تجاه الفئات الأصغر سنًا أو الأكثر هشاشة نفسيًا.
ماذا عن المستخدم العربي؟
السوق العربية تشهد انتشارًا واسعًا لتطبيقات الأبراج والمحتوى الروحاني والترفيهي، خاصة على منصات مثل TikTok وInstagram وYouTube. كثير من هذا المحتوى يُقدَّم بأسلوب مبسط، ويستهدف فئة الشباب والمراهقين بشكل أساسي.
حتى الآن، لا توجد إعلانات رسمية عن إطلاق نسخ عربية من Co-Star أو منتجات Midjourney المبنية على التنجيم أو الشخصيات الرقمية للمستخدم العربي. لكن الاتجاه العالمي يشير إلى أن:
- المنطقة العربية ستكون سوقًا جاذبة لتطبيقات الترفيه الشخصي المدعومة بالذكاء الاصطناعي، بحكم ارتفاع استخدام الهواتف الذكية ومنصات التواصل.
- شركات محلية أو إقليمية قد تحاول تقليد نموذج Co-Star، مع توطين المحتوى لغويًا وثقافيًا.
- النقاش حول الخصوصية والأثر النفسي لتطبيقات «تقرأ شخصيتك» أو «تتنبأ بيومك» ربما يحتاج إلى حضور أقوى في الإعلام التقني العربي.
ما الذي يمكن أن يتغير في تجربة المستخدم خلال السنوات المقبلة؟
استحواذ Midjourney على Co-Star قد يكون نموذجًا مبكرًا لما يمكن أن تصبح عليه تطبيقات الترفيه اليومية:
- تطبيق واحد، تجربة كاملة: بدلاً من تطبيق للأبراج وآخر للصور وثالث للدردشة، قد يقدم تطبيق واحد حزمة متكاملة من «مرافق رقمي» يعرف تفضيلات المستخدم، ويرسم له صورًا، ويؤلف له نصوصًا، ويقترح له محتوى.
- تخصيص عميق: كل مستخدم يحصل على شخصية رقمية لها «أسلوبها» في الكلام والتعليق، مستمدة من تفاعلاته السابقة.
- نماذج اشتراك جديدة: خدمات مدفوعة للحصول على «مستوى أعمق من التخصيص»، مثل محتوى حصري أو شخصيات رقمية أكثر تطورًا أو تجارب واقع معزّز.
في المقابل، سيزداد الضغط على الهيئات التنظيمية والجهات المعنية بحماية البيانات في مختلف الدول، لوضع أطر واضحة لكيفية جمع بيانات المستخدمين الشخصية واستخدامها في تدريب النماذج التنبؤية.
قراءة أوسع للاتجاه: من النماذج إلى المنتجات
خلال العامين الماضيين، ركزت معظم النقاشات على «قوة النماذج» مثل GPT-4 أو Gemini أو Claude. أما الآن، فيتحوّل الاهتمام تدريجيًا إلى كيف تُترجَم هذه القوة إلى منتجات قابلة للاستخدام اليومي، وفي أي مجالات يمكن أن تحقق نموًا حقيقيًا في الإيرادات.
من هذه الزاوية، يمكن قراءة استحواذ Midjourney على Co-Star كإشارة إلى أن شركات الذكاء الاصطناعي لم تعد ترى المستقبل في بيع الوصول إلى النماذج فحسب، بل في بناء علامات تجارية جماهيرية، وتجارب ترفيهية وشخصية تحافظ على تفاعل مستخدم مستمر، وتفتح الباب أمام نماذج ربح مستدامة.
خلاصة الاتجاه
استحواذ Midjourney على تطبيق الأبراج Co-Star يتجاوز حدود التنجيم والبرج اليومي، ليكشف عن اتجاه أوسع في صناعة الذكاء الاصطناعي نحو بناء منتجات شخصية ذات طابع ترفيهي، تجمع بين فهم سلوك المستخدم والقدرات التنبؤية والتوليدية للنماذج الحديثة.
تجارب مثل هذه قد تصل إلى الأسواق العربية عاجلًا أو آجلًا، سواء عبر اللاعبين العالميين أو عبر شركات محلية تتبنى النهج نفسه. ومع الفرص الكبيرة في مجالات الترفيه الرقمي والتخصيص، تبرز بالتوازي ضرورة نقاش واعٍ حول خصوصية المستخدم وحدود تأثير الخوارزميات في قراراته وحياته اليومية.