تسريح جديد في ميتا يطال 8 آلاف موظف
أبلغت شركة ميتا موظفيها عن خطة جديدة للاستغناء عن نحو 10٪ من قوتها العاملة، أي ما يقارب 8 آلاف موظف، إلى جانب إغلاق 6 آلاف وظيفة شاغرة كانت قيد التوظيف. يأتي هذا التحول في إطار إعادة توجيه الموارد نحو مشاريع الذكاء الاصطناعي، التي باتت في قلب إستراتيجية الشركة، وفقًا لمذكرة داخلية تم تسريب مضمونها إلى عدد من وسائل الإعلام التقنية العالمية.
ميتا، المالكة لفيسبوك وإنستغرام وواتساب، كانت توظف أكثر من 78 ألف شخص بنهاية عام 2025، وهو رقم يعكس التوسع الهائل الذي شهدته الشركة خلال سنوات النمو السريع في قطاع التقنية. إلا أن هذا النمو يصطدم اليوم برؤية مختلفة لإدارة الموارد، حيث تسعى الشركة إلى موازنة الاستثمارات الضخمة في الذكاء الاصطناعي مع تقليص النفقات التشغيلية.
رسالة واضحة: الأولوية للمشاريع المدعومة بالذكاء الاصطناعي
في المذكرة الداخلية، أوضحت جانيل غيل، رئيسة شؤون الأفراد في ميتا، أن هذه القرارات تأتي ضمن “جهد متواصل لإدارة الشركة بكفاءة أكبر، وتمكيننا من تعويض الاستثمارات الأخرى التي نقوم بها”، في إشارة مباشرة إلى استثمارات الذكاء الاصطناعي. وأقرت غيل بصعوبة القرار، مؤكدة أنه يعني التخلي عن موظفين قدموا مساهمات حقيقية للشركة.
مارك زوكربيرغ، الرئيس التنفيذي لميتا، كان قد أكد في مناسبات متكررة أن موجة الذكاء الاصطناعي لن تقتصر على تحسين بعض الخدمات، بل ستعيد تشكيل طريقة بناء البرمجيات وإدارة المنتجات بالكامل. وقد أشار إلى أن أنظمة المساعدة في البرمجة، المعتمدة على الذكاء الاصطناعي، ستتولى جزءًا متزايدًا من مهام كتابة الشيفرات التي يقوم بها مهندسو البرمجيات اليوم.
تحول هيكلي أم استجابة ضغط السوق؟
تسريح الموظفين في شركات التقنية الكبرى لم يعد حدثًا استثنائيًا. منصات مثل Layoffs.fyi توثّق منذ 2022 موجة مستمرة من التقليصات في عمالقة التكنولوجيا، من أمازون إلى مايكروسوفت وألفابت (غوغل)، مع تكرار المبررات ذاتها تقريبًا: التركيز على الكفاءة وإعادة توجيه الاستثمارات نحو الذكاء الاصطناعي.
لكن حالة ميتا تحمل طابعًا خاصًا، فالشركة أنفقت خلال السنوات الأخيرة مليارات الدولارات على مشاريع الواقع الافتراضي والميتافيرس، قبل أن تحوّل بوصلتها تدريجيًا نحو الذكاء الاصطناعي التوليدي والنماذج اللغوية الضخمة. هذا التحول السريع في الأولويات ساهم في خلق ضغوط داخلية وخارجية، من المستثمرين والموظفين على حد سواء.
تقارير سابقة من The New York Times وReuters أشارت إلى أن وول ستريت تنظر إلى خفض التكاليف كإشارة إيجابية على انضباط مالي أكبر، خاصة بعد فترة توسع وظيفي غير مسبوقة خلال جائحة كورونا. في المقابل، يرى بعض المحللين أن وتيرة التسريح المتكررة قد تضر بثقة الموظفين المميزين على المدى الطويل، وتجعل من الصعب الاحتفاظ بالمواهب في سوق بات شديد التنافسية على الكفاءات في الذكاء الاصطناعي.
هل الذكاء الاصطناعي يستبدل الوظائف أم يعيد تشكيلها؟
زوكربيرغ وغيره من قادة وادي السيليكون يروجون لخطاب مفاده أن الذكاء الاصطناعي لن يلغي الوظائف بقدر ما سيغيّر طبيعتها. الفكرة أن المهندسين، بدلًا من كتابة كل سطر برمجي يدويًا، سيعملون جنبًا إلى جنب مع أنظمة توليد الشيفرات، ما يرفع الإنتاجية ويسمح بالتركيز على التصميم المعماري واتخاذ القرارات التقنية المعقدة.
غير أن هذا الخطاب يواجه بأسئلة عملية: إذا بات بإمكان فريق أصغر، مدعوم بأدوات ذكاء اصطناعي، إنجاز العمل نفسه أو أكثر، فما الذي سيمنع الشركات من تقليص أعداد الموظفين؟ ما يحدث في ميتا اليوم يقدم مثالًا واضحًا على هذا التحول، حيث يتزامن الاستثمار الكثيف في أدوات الذكاء الاصطناعي مع عمليات تسريح واسعة وإعادة هيكلة الفرق.
السياق العالمي: سباق تسلح تقني حول النماذج الضخمة
من مايكروسوفت وشراكتها مع OpenAI، إلى غوغل ونماذجها “Gemini”، وصولًا إلى أمازون واستثماراتها في Anthropic، يبدو أن الشركات الكبرى تخوض سباقًا محمومًا لبناء ونشر نماذج ذكاء اصطناعي قادرة على توليد النصوص والصور والبرمجيات. ميتا بدورها تطور سلسلة نماذج “Llama” مفتوحة المصدر نسبيًا، وتستثمر موارد ضخمة في مراكز البيانات والشرائح المتخصصة لتدريب هذه النماذج.
هذا النوع من المشاريع يتطلب استثمارات رأسمالية هائلة في البنية التحتية الحاسوبية والشرائح (خصوصًا شرائح Nvidia)، ما يدفع الشركات إلى البحث عن وفورات في مجالات أخرى، وعلى رأسها الرواتب والتكاليف التشغيلية. من هذه الزاوية، تصبح عمليات التسريح جزءًا من معادلة مالية بحتة: ضغط من المستثمرين للحصول على هوامش ربح مستقرة، مقابل الحاجة إلى مواصلة الإنفاق بكثافة على الذكاء الاصطناعي.
انعكاسات على المنطقة العربية وسوق العمل التقني
من الناحية المباشرة، قد لا يطال قرار ميتا أعدادًا كبيرة من الموظفين في المنطقة العربية، نظرًا لتركز مقار الشركة الرئيسية في الولايات المتحدة وأوروبا وآسيا. إلا أن التأثير غير المباشر يبدو أكثر أهمية، لأنه يرسم ملامح جديدة لسوق العمل التقني عالميًا، ينعكس بالضرورة على المبرمجين والمهندسين العرب.
تحديات وفرص للمطورين العرب
هناك اتجاه متزايد نحو الاعتماد على أدوات الذكاء الاصطناعي في مهام مثل:
- توليد الشيفرات واقتراح الحلول البرمجية.
- اختبار البرمجيات وتحليل الأخطاء.
- إنتاج المحتوى وإدارة الحملات الرقمية.
هذا لا يعني اختفاء الحاجة إلى المهارات البرمجية التقليدية، لكنه يرفع قيمة الكفاءات القادرة على:
- تصميم الأنظمة المعقدة بدلًا من الاكتفاء بتنفيذ المهام الجزئية.
- فهم كيفية عمل نماذج الذكاء الاصطناعي، وحدودها، ومخاطرها.
- دمج هذه النماذج في المنتجات والخدمات الرقمية بشكل عملي وآمن.
بالنسبة للشركات الناشئة في العالم العربي، يمكن النظر إلى تحولات ميتا من زاويتين: الأولى تحذيرية، تؤكد أهمية عدم التضخم الوظيفي في مراحل النمو، والثانية فرصوية، حيث تفتح تقنيات الذكاء الاصطناعي الباب أمام فرق صغيرة لاستهداف أسواق عالمية بمنتجات عالية الجودة دون الحاجة إلى موارد بشرية ضخمة.
رؤية الخبراء: دورة جديدة في صناعة التقنية
خبراء اقتصاد وتقنية يرون في هذه التحولات جزءًا من دورة متكررة في وادي السيليكون: مرحلة توسع وتوظيف مكثف في فترات التفاؤل ونمو المستخدمين، تليها مرحلة تصحيح وتقليص للنفقات عندما يتباطأ النمو أو تتغير الأولويات الإستراتيجية. الجديد اليوم هو أن الذكاء الاصطناعي ليس مجرد تقنية إضافية، بل منصة عامة قد تعيد صياغة طريقة عمل قطاعات كاملة، من الإعلان الرقمي إلى تطوير البرمجيات.
في هذا السياق، تبدو قرارات ميتا محاولة لاستباق المستقبل بدلًا من الاكتفاء برد الفعل، ولو على حساب دفع ثمن اجتماعي ومهني قاسٍ لموظفيها الحاليين. السؤال المفتوح هو ما إذا كانت هذه الموجة ستقود إلى نظام أكثر استقرارًا في التوظيف بعد انتهاء “حمّى” الذكاء الاصطناعي، أم أن القطاع سيدخل مرحلة طويلة من إعادة الهيكلة المستمرة.
ما الذي ينبغي متابعته خلال الفترة المقبلة؟
هناك عدة مؤشرات تستحق المتابعة لفهم الاتجاه الحقيقي لهذا التحول:
- حجم الاستثمارات الفعلية لميتا في مراكز البيانات والشرائح المخصصة للذكاء الاصطناعي مقارنة بتكاليف التسريح.
- قدرة الشركة على إطلاق منتجات مدعومة بالذكاء الاصطناعي تحقق عائدًا تجاريًا واضحًا، وليس مجرد عرض تقني.
- استجابة سوق العمل، خصوصًا في أوساط المهندسين، لإستراتيجيات التوظيف الجديدة لدى عمالقة التقنية.
مع استمرار التسابق بين الشركات الكبرى على الريادة في الذكاء الاصطناعي، يبدو أن قرارات مثل تلك التي اتخذتها ميتا ستتكرر في أماكن أخرى، ما يفرض على العاملين في المجال التقني، في المنطقة العربية وخارجها، إعادة التفكير في مهاراتهم وأدوارهم خلال السنوات المقبلة.