قرار أوروبي جديد يضغط على جوجل
أعلن الاتحاد الأوروبي رسميًا عن حزمة التزامات جديدة على جوجل، تلزم الشركة بفتح بعض بيانات البحث أمام المنافسين، والسماح بنماذج ذكاء اصطناعي بديلة بالعمل على نظام أندرويد. يأتي ذلك في إطار تطبيق قانون الأسواق الرقمية (DMA) الذي يستهدف كبح هيمنة عمالقة التكنولوجيا على الخدمات الرقمية داخل أوروبا.
ما هو قانون الأسواق الرقمية DMA؟
قانون الأسواق الرقمية الأوروبي دخل حيز التنفيذ الكامل في 2024، ويصنف عددًا من المنصات الكبرى باعتبارها “حراس بوابة” (Gatekeepers) بسبب حجمها وتأثيرها في السوق. من بين هذه الشركات: جوجل، آبل، مايكروسوفت، ميتا، وأمازون.
القانون يفرض على هذه الشركات مجموعة من الالتزامات، من بينها:
- عدم تفضيل خدماتها على حساب خدمات المنافسين في نتائج البحث أو المتاجر.
- السماح بإلغاء تثبيت بعض التطبيقات الافتراضية أو استبدالها ببدائل.
- إتاحة نوع من الوصول إلى البيانات الأساسية للمنافسين العادلين.
- ضمان إمكانية عمل الخدمات المنافسة والذكاء الاصطناعي على المنصات الأساسية مثل أندرويد.
المفوضية الأوروبية أوضحت أن الهدف هو فتح الأسواق الرقمية، وتشجيع المنافسة والابتكار، وحماية المستهلك من الاحتكار المقنّع.
ماذا يعني “مشاركة بيانات البحث” مع المنافسين؟
بحسب تغطية رويترز وتقارير لاحقة، يتعين على جوجل أن توفر مستوى من الوصول إلى بيانات البحث الأساسية لمنافسيها، ضمن شروط واضحة لحماية الخصوصية وعدم الكشف عن هوية المستخدمين.
المقصود هنا ليس تسليم تاريخ بحث المستخدمين بشكل فردي، بل:
- معلومات تجميعية حول الاستعلامات الشائعة والكلمات المفتاحية.
- بيانات تساعد المنافسين على تحسين خوارزميات البحث واكتشاف الاتجاهات.
- آليات شفافة لكيفية ترتيب النتائج الإعلانية وغير الإعلانية.
جوجل ستكون مطالبة بتوفير واجهات برمجية (APIs) أو آليات تقنية تسمح لشركات أخرى بالاستفادة من هذه البيانات في بناء خدمات بحث أو أدوات ذكاء اصطناعي للمستخدمين الأوروبيين، ضمن ضوابط قانونية صارمة.
فتح أندرويد أمام نماذج ذكاء اصطناعي منافسة
إلى جانب البحث، يتزايد ضغط الاتحاد الأوروبي على جوجل في ملف الذكاء الاصطناعي على أندرويد. مع دخول نماذج مثل Gemini من جوجل في أنظمة أندرويد وخرائط وخدمات أخرى، يظهر تخوف واضح من تحويل جوجل إلى بوابة وحيدة للذكاء الاصطناعي على الهواتف.
بموجب التوجهات الجديدة في تطبيق قانون الأسواق الرقمية، وعلى ضوء ما نشرته تقارير متخصصة مثل TechCrunch، يُنتظر من جوجل أن:
- تسمح للمستخدم الأوروبي باختيار مساعد ذكاء اصطناعي افتراضي مختلف عن مساعد جوجل أو Gemini حيثما أمكن.
- تتيح للمطورين دمج نماذج ذكاء اصطناعي من شركات أخرى في تطبيقات النظام دون عوائق غير مبررة تقنيًا أو تجاريًا.
- تتجنب فرض تكامل حصري بين خدماتها (البحث، يوتيوب، الخرائط) ونموذج الذكاء الاصطناعي الخاص بها.
هذا الانفتاح قد يفتح الباب أمام لاعبين آخرين في مجال الذكاء الاصطناعي على أندرويد داخل أوروبا، بما في ذلك شركات ناشئة أوروبية تسعى لبناء نماذج تنافسية تركز على الخصوصية أو اللغات المحلية.
لماذا يشدد الاتحاد الأوروبي على جوجل الآن؟
الاتحاد الأوروبي لديه سجل طويل في مواجهة جوجل بقضايا المنافسة. خلال السنوات الماضية، فرضت المفوضية الأوروبية غرامات بمليارات اليورو على الشركة في ملفات متعلقة بالإعلانات، وأندرويد، وخدمات التسوق في نتائج البحث، وفق تغطيات متكررة من BBC ورويترز.
الاختلاف اليوم أن التركيز لم يعد فقط على الإعلانات والبحث التقليدي، بل على الذكاء الاصطناعي التوليدي كنقطة قوة جديدة قد تمنح الشركات الكبرى سيطرة أعمق على سلوك المستخدمين والبيانات.
من وجهة نظر بروكسل، إذا احتكرت جوجل محرك البحث، ونظام التشغيل أندرويد، وأدوات الذكاء الاصطناعي على الهواتف، فإن منافسيها سيجدون صعوبة حقيقية في التواجد بشكل عادل أمام المستخدم النهائي.
أثر القرارات على تجربة المستخدم الأوروبي
من الناحية النظرية، من المتوقع أن يرى المستخدم الأوروبي تغييرات ملموسة خلال الفترة المقبلة، منها:
- شاشات اختيار (choice screens) أوضح لاختيار محرك البحث الافتراضي، وربما مساعد الذكاء الاصطناعي.
- نتائج بحث أقل تحيزًا لمنتجات جوجل عندما تكون هناك بدائل ذات صلة.
- تنوع أكبر في تطبيقات وخدمات الذكاء الاصطناعي المتاحة على أندرويد.
لكن هذه التغييرات لن تكون فورية، إذ تحتاج جوجل إلى وقت لتعديل منتجاتها، كما تحتاج المفوضية الأوروبية إلى مراقبة التنفيذ والتحقق من امتثال الشركة.
ما الذي يعنيه ذلك لجوجل على مستوى الأعمال؟
فتح البيانات وتخفيف التكامل الحصري قد يحد من قدرة جوجل على ربط خدماتها ببعضها بصورة مغلقة، خاصة في البحث والإعلانات والذكاء الاصطناعي.
محللون في شركات أبحاث السوق مثل Gartner وForrester أشاروا في تقارير سابقة إلى أن القيود التنظيمية الأوروبية غالبًا ما تصبح معيارًا تُضطر الشركات لتبنيه عالميًا، حتى لو جزئيًا، بسبب صعوبة بناء نسخ مختلفة كليًا من المنتج لكل منطقة.
هذا السيناريو قد يدفع جوجل إلى إعادة التفكير في استراتيجيات التكامل بين خدماتها والذكاء الاصطناعي، وربما تطوير نماذج عمل جديدة تعتمد أكثر على الشراكات بدلاً من الإغلاق الكامل للنظام البيئي.
ماذا يقول الخبراء؟
تقارير تحليلية في Financial Times وThe Economist تشير إلى أن أوروبا تحاول عبر هذه القوانين تعويض تأخرها في سباق شركات التقنية الكبرى من خلال تنظيم صارم يضمن على الأقل عدم تفاقم الفجوة.
بعض الخبراء يحذرون من أن الإفراط في التنظيم قد يثني الشركات عن إطلاق أحدث خدماتها في السوق الأوروبي أولاً، لكن آخرين يرون أن وضوح القواعد أفضل من غيابها، خصوصًا في سوق حساس كالبحث والإعلانات والذكاء الاصطناعي.
أما بالنسبة للمستخدمين، فالتأثير الفعلي سيتوقف على كيفية تنفيذ جوجل لهذه الالتزامات: هل ستكتفي بالحد الأدنى المطلوب قانونيًا، أم ستحاول تحويل الانفتاح إلى فرصة تجارية عبر شراكات أوسع مع مطوري الذكاء الاصطناعي وشركات البحث الصغيرة؟
صورة أوسع: تنافس عالمي على تنظيم الذكاء الاصطناعي
ما يجري بين جوجل والاتحاد الأوروبي جزء من مشهد أوسع؛ الولايات المتحدة تناقش حاليًا أطرًا تنظيمية للذكاء الاصطناعي، بينما أطلقت الصين قواعدها الخاصة لتنظيم النماذج التوليدية وخدمات الإنترنت الكبرى.
الاتحاد الأوروبي سبق الجميع تقريبًا بقانون الذكاء الاصطناعي (EU AI Act)، كما نقلت The Guardian، مما يعني أن الشركات العالمية ستضطر إلى التعامل جديًا مع المتطلبات الأوروبية إذا أرادت البقاء حاضرة في هذا السوق.
بالنسبة لجوجل، مشاركة بيانات البحث وفتح أندرويد أمام الذكاء الاصطناعي المنافس ليست سوى بداية لمسار طويل من التفاوض مع المنظمين في بروكسل. الفترة القادمة ستكشف ما إذا كانت هذه التغييرات ستصبح نموذجًا عالميًا جديدًا لكيفية عمل محركات البحث ومنصات الذكاء الاصطناعي على الهواتف.
المراجع
- Reuters
- BBC
- Financial Times
- The Guardian
- TechCrunch
- Gartner
- Forrester
- The Economist