الذكاء الاصطناعي يدخل الكواليس التشريعية في واشنطن
أظهر تقرير صحفي حديث أن أداة الدردشة الشهيرة ChatGPT لم تعد حكرًا على المطورين وطلاب الجامعات، بل أصبحت جزءًا من العمل اليومي داخل مكاتب أعضاء الكونغرس الأمريكي. المساعدون البرلمانيون يلجأون إليها لتلخيص تقارير معقّدة، وصياغة مسودات أولية للخطابات، وتحضير نقاط كلامية لاجتماعات واستجوابات رسمية.
هذا الحضور المتزايد للأدوات اللغوية في قلب صناعة القرار السياسي يثير نقاشًا واسعًا في الولايات المتحدة حول الشفافية، وحدود الاعتماد على الخوارزميات في الملفات التشريعية الحساسة.
من أداة تجريبية إلى جزء من روتين المكاتب التشريعية
منذ إطلاق ChatGPT نهاية عام 2022 من قبل شركة OpenAI، توسّع استخدامه بسرعة في العديد من القطاعات. أما في الكونغرس الأمريكي، فقد كان الحضور أكثر هدوءًا في البداية، قبل أن يتحول تدريجيًا إلى أداة عمل يومية للمكاتب التي تعاني ضغطًا متزايدًا في متابعة مشروعات القوانين والوثائق الحكومية الطويلة.
بحسب تقارير متفرقة من وسائل إعلام أمريكية، منها The Washington Post وPolitico، يعتمد عدد متزايد من المساعدين على النماذج اللغوية من أجل:
- تلخيص تشريعات وقوانين مطوّلة في نقاط مركّزة.
- صياغة مسودات أولى لبيانات صحفية أو رسائل للناخبين.
- اقتراح نقاط نقاش لاجتماعات اللجان أو المقابلات الإعلامية.
- البحث السريع في خلفيات موضوعات سياسية أو اقتصادية.
هذه الاستخدامات لا تعني أن الآلة تحل محل المشرّع، لكنها تغيّر شكل العمل اليومي في «الكواليس»؛ حيث يُفترض أن المساعدين هم من يقومون بمعظم القراءة، والفرز، والتحضير الأولي للمواد.
قلق متزايد حول الشفافية والدقة
استخدام ChatGPT في السياق السياسي يضع أمام المشرّعين سؤالًا أساسيًا: من يكتب فعلًا النص الأولي للقانون أو الخطاب؟ مستشار بشري أم نموذج لغوي؟
تقارير بحثية، من بينها تحليل صادر عن Brookings Institution، تحذّر من أن الاعتماد غير المنضبط على النماذج اللغوية قد يؤدي إلى أخطاء في المعلومات، أو تبسيط مفرط لقضايا معقّدة، أو حتى إعادة إنتاج تحيّزات موجودة في بيانات التدريب.
كما يطرح خبراء قانونيون تساؤلات حول المسؤولية: إذا استند مشرّع إلى نص أو توصية ولّدها نموذج لغوي، ثم تبيّن لاحقًا أنها مبنية على معلومات مغلوطة، فهل يتحمّل النموذج المسؤولية أم المستخدم أم الجهة المطوِّرة؟ عمليًا، المسؤولية القانونية والسياسية تبقى على عاتق المشرّع وفريقه، لكن الضغط الفعلي على سرعة الإنجاز قد يدفع إلى تقليص التدقيق البشري في مخرجات الذكاء الاصطناعي.
تحركات داخل الكونغرس لوضع ضوابط
عدد من أعضاء الكونغرس الأمريكي بدأ بالفعل طرح أسئلة حول كيفية استخدام هذه الأدوات داخل المؤسسات الحكومية. وفق تقارير نشرتها Reuters وNew York Times، طُرحت أفكار مبدئية تشمل:
- وضع سياسات داخلية تحدد متى وكيف يمكن لمكاتب الأعضاء استخدام النماذج اللغوية.
- إلزام المساعدين بمراجعة بشرية دقيقة لأي نص يتم الاستعانة فيه بأداة ذكاء اصطناعي قبل اعتماده.
- دراسة فرض متطلبات شفافية، مثل الإشارة الداخلية إلى أن بعض المسودات تعتمد على أدوات آلية.
في الوقت نفسه، تعمل اللجنة الفرعية الخاصة بالذكاء الاصطناعي في مجلس النواب، إلى جانب لجان أخرى، على جلسات استماع متكررة يستدعى إليها خبراء من الشركات التقنية والجامعات لمناقشة أطر تنظيمية عامة للذكاء الاصطناعي، تشمل الاستخدام الحكومي.
سياق عالمي: برلمانات تتلمّس الطريق
الجدل حول الذكاء الاصطناعي في التشريع لا يقتصر على الولايات المتحدة. في الاتحاد الأوروبي، يناقش المشرعون «قانون الذكاء الاصطناعي» (EU AI Act)، الذي يهدف إلى وضع قواعد لاستخدام الأنظمة عالية المخاطر في قطاعات حساسة، مع التركيز على الشفافية والرقابة البشرية.
في المملكة المتحدة، أطلقت الحكومة سلسلة من المبادرات والمشاورات مع خبراء الصناعة والأكاديميا لوضع إرشادات لاستخدام الذكاء الاصطناعي في القطاع العام، بحسب تغطيات BBC وFinancial Times. الهدف المعلن هو الاستفادة من قدرات الأتمتة دون المساس بالثقة العامة في المؤسسات.
منظمات بحثية مثل MIT Technology Review وStanford Institute for Human-Centered Artificial Intelligence (HAI) تناولت أيضًا، في تحليلات مطوّلة، التبعات المحتملة عندما تصبح الخوارزميات جزءًا من عملية صنع القرار السياسي، مشددة على أهمية «الإنسان في الحلقة» لضمان المساءلة.
فرص وكوابح أمام تبنّي الذكاء الاصطناعي تشريعيًا في المنطقة
فرص محتملة
- تخفيف العبء عن الباحثين والمستشارين: تلخيص سريع لمذكرات قانونية وتقارير اقتصادية مطوّلة.
- تحسين الوصول إلى المعلومات: واجهات حوارية تمكّن المواطنين من فهم القوانين واللوائح بلغة أبسط.
- دعم صناعة القرار: تحليل سيناريوهات مختلفة لتأثيرات تشريعات جديدة، بالاستناد إلى بيانات تاريخية ومراجع متاحة.
عوائق وتحديات
- غياب أطر تنظيمية واضحة: لا توجد في معظم الدول العربية سياسات تفصيلية تحدد حدود استخدام الذكاء الاصطناعي في العمل التشريعي.
- مخاوف الخصوصية والسيادة على البيانات: التعامل مع منصات سحابية خارجية يثير أسئلة حول أمن المعلومات الحكومية الحساسة.
- الفجوة اللغوية: النماذج الحالية لا تتعامل بالجودة نفسها مع العربية مقارنة بالإنجليزية، ما يقلل من دقتها في النصوص القانونية العربية.
آراء خبراء: بين الحماسة والحذر
خبراء في القانون والتقنية يرون أن المسألة لا تتعلق بمنع أو السماح المطلق لاستخدام ChatGPT وأقرانه في البرلمانات، بل بوضع قواعد واضحة. تحليلات نُشرت في منصات مثل Brookings وMIT Technology Review تشير إلى مجموعة مبادئ أساسية يمكن البناء عليها:
- الشفافية: ضرورة أن تعرف المؤسسات التشريعية، داخليًا على الأقل، متى وأين استُخدمت أدوات ذكاء اصطناعي في إعداد مسودات أو مذكرات.
- المراجعة البشرية الإلزامية: عدم اعتماد أي نص قانوني أو موقف سياسي مبني على مخرجات نموذج لغوي دون مراجعة دقيقة من خبراء بشريين.
- حماية البيانات: وضع سياسات صارمة بشأن نوعية الوثائق التي يمكن مشاركتها مع الأدوات السحابية.
- التدريب وبناء القدرات: تمكين الطواقم البرلمانية من فهم حدود وقدرات هذه الأدوات حتى لا يُساء استخدامها.
تحوّل لا يمكن تجاهله
الدور المتنامي لـ ChatGPT داخل الكونغرس الأمريكي يعبّر عن واقع أوسع: النماذج اللغوية أصبحت جزءًا من البنية التحتية غير المرئية لإنتاج النصوص، سواء في الصحافة أو البحث العلمي أو التواصل الحكومي.
في المنطقة العربية، يبدو أن الانضمام الفعلي إلى هذا المسار يتطلب أكثر من مجرد إتاحة أدوات جديدة؛ هناك حاجة إلى نقاش تشريعي ومهني صريح حول كيفية الاستفادة من الذكاء الاصطناعي في دعم العمل البرلماني، دون التفريط في مبادئ الشفافية، والمساءلة، وجودة التشريع.
التجربة الأمريكية، بما فيها من فرص ومخاطر، تقدم درسًا مبكرًا يمكن الاستفادة منه قبل أن تتحول الأدوات الذكية إلى لاعب أساسي غير مرئي في صياغة السياسات والقوانين في عالم عربي يسعى إلى تحديث مؤسساته التشريعية.