ممرضات خارج المشهد وخوارزميات في الصف الأمامي: من يحسم قرار العلاج؟
مستشفى في برونكس يفصل 12 ممرضة لصالح برامج حاسوبية
أثار قرار مركز مونتيفيوري الطبي في منطقة برونكس بمدينة نيويورك بفصل 12 ممرضة من قسم «مراجعة الاستخدام» تساؤلات حادة حول الدور المتنامي للذكاء الاصطناعي في قرارات الرعاية الصحية، خاصة عندما يتعلق الأمر بالموافقة على العلاجات التي تغطيها شركات التأمين.
بحسب رابطة ممرضات ولاية نيويورك (NYSNA)، تم استبدال الممرضات ببرامج تعتمد على تقنيات الذكاء الاصطناعي لإعداد الملفات وإرسالها إلى شركات التأمين، في حين ينفي المستشفى ذلك مؤكدًا أن ما تم إدخاله هو «برنامج غير سريري» يهدف فقط إلى تسهيل الأعمال الورقية.
ما وظيفة «مراجعة الاستخدام» ولماذا تهم المرضى؟
الممرضات اللواتي شملهن القرار لا يعملن في أقسام التمريض السريري المباشر، بل في وظيفة تبدو للوهلة الأولى إدارية: مراجعة السجلات الطبية وتجهيز ملف يبرر لشركات التأمين ضرورة الإجراء العلاجي الذي أوصى به الطبيب.
تصف النقابة هذه الوظيفة بأنها «قرار طبي متنكر في ثوب ورقي». فالبتّ في ما إذا كانت حالة معقدة تستدعي جراحة، أو ما إذا كان تشخيصًا معينًا مبررًا، أو ما إذا كان علاج باهظ التكلفة يطابق معايير التغطية، يتطلب خبرة سريرية وفهمًا دقيقًا لسياق كل مريض.
ممرضات مونتيفيوري يحذرن من أن نقل هذه المهمة إلى نظام حاسوبي لا يعني مجرد تسريع الإجراءات، بل قد ينعكس مباشرة على احتمالات رفض العلاج، خصوصًا في الحالات المعقدة التي لا تتبع أنماطًا «قياسية» يمكن للنموذج البرمجي التعرّف عليها بسهولة.
نزاع نقابي وقضية تعاقدية معلقة
تأتي هذه التطورات بعد إضراب استمر 41 يومًا في عدة مستشفيات بنيويورك مطلع 2026، انتهى بعقد ينص صراحة على أن الإدارة ملزمة بالتشاور مع النقابة إذا أدى استخدام الذكاء الاصطناعي إلى الاستغناء عن وظائف أعضاء النقابة.
تقول رابطة الممرضات إن إدارة مونتيفيوري لم تعقد هذا الاجتماع قط، رغم أن قرار التسريح بدأ سريانه في 12 يوليو/تموز، ما دفع النقابة إلى رفع دعوى جماعية في الأول من يونيو/حزيران كجزء من إجراءات تسوية النزاع التعاقدي.
المطلب الأساسي للنقابة ليس وقف استخدام التكنولوجيا بالكامل، بل تجميد قرار التسريح، والإبقاء على ممرضة مسجلة داخل عملية مراجعة الاستخدام، واستخدام الأنظمة الذكية كأداة مساعدة لا كبديل كامل عن التقدير البشري.
المستشفى: «برنامج غير سريري» وليس ذكاءً اصطناعيًا
من جانبها، تؤكد إدارة مونتيفيوري أن ما تم إدخاله عبارة عن برنامج لتسهيل المعاملات، وتنفي أن يكون بديلًا سريريًا عن الممرضات أو أن يكون «نظام ذكاء اصطناعي» يتخذ قرارات علاجية.
المتحدث باسم المستشفى، جو سولمونيز، وصف ادعاءات النقابة بأنها «كاذبة ومضللة»، مشيرًا إلى أن المستشفى يستثمر في التقنيات الجديدة لضمان أفضل رعاية ونتائج للمرضى، دون أن يوضح بشكل تفصيلي كيفية عمل النظام الجديد أو حجم تدخله في قرارات التغطية التأمينية.
هذا الغموض في طبيعة التقنية المستخدمة، وحدود دورها في اتخاذ القرار، أصبح محور النزاع: هل نتحدث عن أداة أتمتة إدارية، أم عن منظومة خوارزمية تتحكم فعليًا في ما إذا كانت شركة التأمين ستدفع ثمن العلاج أم لا؟
داتافانت في قلب الجدل… وقلق من خصوصية البيانات
تضع النقابة شركة «داتافانت» (Datavant)، وهي شركة تكنولوجيا صحية مقرها أريزونا مملوكة لصناديق أسهم خاصة، في قلب القضية، مشددة على أن نموذج الملكية هذا عادة ما يركّز على خفض التكاليف والعوائد السريعة، ما يثير مخاوف إضافية عندما يتعلق الأمر بقرارات علاجية حساسة.
النقابة أشارت أيضًا إلى وجود شراكات سابقة بين داتافانت وشركة «بالانتير» (Palantir) المتخصصة في تحليل البيانات الضخمة، في سياقات أخرى مثل تعاونات مع جهات حكومية أمريكية. لكن لم يتم التحقق من أي علاقة مباشرة بين داتافانت وبالانتير في مشروع مونتيفيوري تحديدًا، كما نفى المستشفى وجود أي صلة من هذا النوع. حتى الآن يبقى هذا الادعاء في إطار ما تقوله النقابة، لا في خانة الوقائع المثبتة.
ما هو موثق أن داتافانت واجهت في 2024 اختراقًا أمنيًا كشف بيانات شخصية لمرضى، وانتهت القضية بتسوية قضائية بلغت قيمتها 900 ألف دولار، بحسب وثائق الدعوى المنشورة في سجلات المحاكم الأمريكية. هذا السجل يزيد القلق من احتمال تعريض بيانات صحية حساسة للخطر، خاصة إذا تم دمجها في منصات تحليلية متقدمة أو ربطها ببيانات أخرى.
سياق أوسع: حرب خوارزمية على التغطية التأمينية
قصة مونتيفيوري لا تأتي من فراغ، بل تنضم إلى اتجاه أوسع في سوق التأمين الصحي الأمريكي، حيث تعتمد شركات التأمين بشكل متزايد على الخوارزميات لتسريع اتخاذ القرار بشأن الموافقة على العلاجات أو رفضها.
مسح وطني أجرته جهات معنية بالصناعة في الولايات المتحدة أشار إلى أن نحو 75% من خطط التأمين تستخدم تقنيات ذكاء اصطناعي أو أنظمة آلية في عملية الموافقة المسبقة على العلاج. الإشكال أن هذه الأنظمة تتعلم في الغالب من بيانات قرارات سابقة لشركات التأمين، ما يعني أنها قد ترسّخ أنماط الرفض التاريخية بدلاً من تصحيحها.
الجمعية الطبية الأمريكية (AMA) أشارت في تقاريرها إلى أن 61% من الأطباء في الولايات المتحدة قلقون من أن الاستخدام غير الخاضع للرقابة للذكاء الاصطناعي في التأمين قد يزيد من معدلات رفض المطالبات العلاجية، استنادًا إلى بيانات من استبيانات دورية للأطباء نُشرت عبر موقع الجمعية (ama-assn.org).
دراسات حول خطط «Medicare Advantage» التي تشرف عليها جهات رقابية أمريكية أظهرت أن نحو خُمس قرارات الرفض كان يجب أن يُقبل وفق القواعد الطبية والإدارية، وأن حوالي 82% من الطعون التي قُدمت ضد هذه القرارات انتهت بنقضها، بحسب تقارير مكتب المفتش العام في وزارة الصحة والخدمات الإنسانية الأمريكية (HHS OIG). الأرقام تعني أن من يملك القدرة والمعرفة والوقت لتقديم طعن، لديه فرصة كبيرة لكسبه، لكن معظم المرضى لا يفعلون ذلك إما لعدم المعرفة أو لضيق الوقت والموارد.
من يحمي المريض عندما يستخدم الطرف «الحامي» الخوارزمية؟
السؤال الأكثر إزعاجًا في هذه القضية لا يتعلق بوظائف الممرضات وحدها، بل بطبيعة الطرف الذي يلجأ إلى الخوارزميات. لسنوات، كان التوتر الأساسي بين الأطباء والممرضين من جهة، وشركات التأمين من جهة أخرى، إذ تستخدم الشركات أدوات تحليلية للحد من التكاليف، بينما يدافع الطاقم الطبي عن حق المريض في الحصول على العلاج المناسب.
ما يحدث في برونكس يطرح احتمالًا جديدًا: ماذا لو بدأ المستشفى نفسه، بوصفه الجهة التي يُفترض أن تكون في صف المريض، في تبنّي أنظمة خوارزمية شبيهة بتلك التي تستخدمها شركات التأمين، سواء لأسباب تتعلق بتسريع الإجراءات أو لاعتبارات مالية؟ حينها يصبح ميزان القوى منحازًا أكثر إلى جانب منطق الأتمتة وتقليل التكلفة، على حساب التقييم الفردي لكل حالة.
الخبراء الذين يتابعون ملف الأتمتة في الرعاية الصحية يحذرون من أن إسناد قرارات التغطية إلى نماذج تتعلم من بيانات قديمة يهدد بتكريس التحيزات الموجودة في النظام الصحي، مثل الفروق في جودة الرعاية بين الأحياء الفقيرة والغنية، أو بين الفئات العرقية المختلفة، كما نبهت تقارير منشورة في دوريات طبية مثل New England Journal of Medicine حول مخاطر التحيز في خوارزميات الصحة الرقمية.
أبعاد جغرافية وتقنية: نماذج آسيوية تتحرك في الفراغ
على خلفية هذا الجدل في الولايات المتحدة، تشهد أسواق أخرى تحولًا مختلفًا في سباق الذكاء الاصطناعي، خاصة في آسيا. موقع TechCrunch أشار في تقرير حديث إلى أن عددًا من الشركات الناشئة الآسيوية أطلق نماذج ذكاء اصطناعي متقدمة توصف بأنها مماثلة لعائلة نماذج Mythos من شركة Anthropic، مستفيدة من القيود المفروضة على تصدير بعض النماذج الأمريكية المتطورة إلى أسواق معينة (TechCrunch).
هذا التحول يعكس تغيرًا استراتيجيًا في خريطة المنافسة العالمية على النماذج الكبرى (Large Language Models). الشركات الآسيوية لا تكتفي باستهلاك الخدمات الغربية، بل تسعى لتطوير نماذجها الخاصة، بما يسمح لها بالتحكم في البنية التحتية للذكاء الاصطناعي واستخدامها وفق أطر تنظيمية محلية، سواء في الصحة أو التعليم أو الخدمات الحكومية.
النتيجة هي سباق جغرافي حقيقي: نماذج أمريكية وأوروبية من جهة، ونماذج آسيوية صاعدة من جهة أخرى، وكل منها يسعى إلى توسيع نفوذه التقني والقانوني. هذا التنافس سيؤثر بطبيعة الحال على كيفية انتشار الأنظمة الخوارزمية في قطاعات حساسة مثل التأمين الصحي، وربما يدفع بعض الدول إلى تفضيل حلول محلية لأسباب سيادية أو تتعلق بحماية البيانات.
نقطة التوازن بين الكفاءة والعدالة الصحية
الخوارزميات قادرة على تسريع مراجعة آلاف الملفات في وقت قياسي، وكشف التكرار والأخطاء، وربما رصد أنماط احتيال لا يلتقطها البشر بسهولة. لكن عندما تتحول من أداة مساعدة إلى «حَكَم» في من يحصل على العلاج ومن لا يحصل عليه، يصبح السؤال المطروح: من يضع القواعد؟ ومن يراجع النتائج؟
قضية مونتيفيوري في برونكس تذكير مبكر بما قد يواجهه القطاع الصحي عالميًا، ومن ضمنه العالم العربي، مع توسع استخدام النماذج الذكية. النقاش لم يعد حول ما إذا كان سيتم استخدام الذكاء الاصطناعي في الرعاية الصحية، بل حول من يملك هذا الذكاء، وكيف يُضبط، ولصالح من يعمل فعليًا.
المراجع
- American Medical Association (AMA)
- U.S. Department of Health and Human Services, Office of Inspector General (HHS OIG)
- TechCrunch
- New England Journal of Medicine
- وثائق محاكم اتحادية أمريكية بشأن تسوية اختراق بيانات شركة Datavant (سجلات PACER)