زووم تحصد ثمار رهانها المبكر على أنثروبيك
تحول الاستثمار الاستراتيجي الذي قامت به شركة زووم (Zoom) في شركة الذكاء الاصطناعي الناشئة أنثروبيك (Anthropic) مطلع عام 2023 إلى واحد من أكثر رهاناتها نجاحًا، بعد أن قفزت قيمته التقديرية إلى نحو مليار دولار، بحسب تقرير لوكالة بلومبرغ نقلته منصة العربية Business.
الاستثمار الذي بدأ كخطوة تقنية لدمج نماذج «كلود» (Claude) اللغوية في منصة زووم، تحوّل اليوم إلى مكسب مالي كبير يتزامن مع إعلان الشركة عن نتائج فصلية قوية وتعزيز ثقة وول ستريت بسهمها.
جولة تمويل هائلة ترفع قيمة أنثروبيك
بحسب تقرير بلومبرغ، تستعد أنثروبيك لجمع ما يصل إلى 30 مليار دولار في جولة تمويل جديدة قد تُغلق خلال الأيام المقبلة، ضمن تقييم إجمالي مستهدف يبلغ 900 مليار دولار. وتُعد هذه الأرقام من بين الأضخم في سوق الذكاء الاصطناعي التوليدي، وتعكس شهية المستثمرين المتزايدة تجاه الشركات المطوِّرة للنماذج اللغوية المتقدمة.
ومن المتوقع أن تقود الجولة الجديدة أسماء بارزة في عالم رأس المال المغامر، من بينها:
- سيكويا كابيتال (Sequoia Capital)
- دراغونير إنفستمنت غروب (Dragoneer Investment Group)
- ألتيميتر كابيتال (Altimeter Capital)
- غرين أوكس كابيتال بارتنرز (Green Oaks Capital Partners)
حيث يُنتظر أن يضخ كلٌّ منها 2 مليار دولار، إلى جانب مشاركة مستثمرين حاليين مثل فاوندرز فاند (Founders Fund) وجنرال كاتاليست (General Catalyst).
نمو قياسي في استخدام منصات أنثروبيك
داريو أمودي، الرئيس التنفيذي لأنثروبيك، كشف مؤخرًا عن نمو «هائل» في مؤشرات الشركة، مشيرًا إلى أن الإيرادات السنوية المتكررة (ARR) ارتفعت بنحو 80 ضعفًا خلال الربع الأول فقط، ما أجبر الشركة على تكثيف جهودها للحصول على قدرات حوسبة إضافية لتلبية الطلب.
هذا النوع من النمو المتسارع بات سمة رئيسية في مشهد الذكاء الاصطناعي التوليدي، حيث تتسابق الشركات على بناء نماذج أكبر وأذكى، وتحتاج في المقابل إلى استثمارات ضخمة في مراكز البيانات والمعالجات المتخصصة، وعلى رأسها شرائح إنفيديا.
لماذا راهنت زووم على أنثروبيك؟
استثمار زووم في أنثروبيك لم يكن ماليًا فحسب، بل حمل بعدًا استراتيجيًا واضحًا. الهدف المعلن كان دمج نماذج كلود داخل «بنية ذكاء اصطناعي موحّدة» لمنصة الاجتماعات والعمل التعاوني.
هذا الدمج يسمح لزووم بتقديم طبقة ذكاء اصطناعي مدمجة في المنتج نفسه، مثل:
- تلخيص الاجتماعات تلقائيًا
- اقتراح ردود ورسائل متابعة
- تحليل محادثات فرق العمل واستخراج النقاط الأساسية
- مساعدة المستخدمين في إعداد العروض والوثائق داخل المنصة
وبذلك تنتقل زووم من مجرد أداة اتصال بالفيديو إلى منصة إنتاجية مدعومة بالذكاء الاصطناعي، وهو مسار مشابه لما تفعله مايكروسوفت مع «Copilot» وغوغل مع أدواتها المدمجة في Workspace.
انعكاس استثمار أنثروبيك على نتائج زووم
المكسب الورقي (غير المحقَّق بعد) من استثمار أنثروبيك جاء متزامنًا مع إعلان زووم عن نتائج مالية قوية للربع الأول من سنتها المالية. الشركة كشفت عن:
- إيرادات بلغت 1.24 مليار دولار، بزيادة 5.5% على أساس سنوي
- أرباح معدلة بلغت 1.55 دولار للسهم، مقارنة بـ1.43 دولار قبل عام
وعلى ضوء هذه النتائج، رفعت الإدارة توقعاتها للعام الكامل، مع استهداف:
- أرباح معدلة بين 5.96 و6.00 دولارات للسهم
- إيرادات إجمالية بين 5.08 و5.09 مليارات دولار
كما أعلنت زووم عن برنامج جديد لإعادة شراء أسهم بقيمة مليار دولار، في إشارة إلى ثقتها بآفاق نموها المستقبلية وقدرتها على توليد سيولة نقدية قوية.
وول ستريت ترفع سقف التوقعات
النتائج الإيجابية لزووم، إلى جانب صعود قيمة استثمارها في أنثروبيك، دفعت عددًا من بيوت الأبحاث في وول ستريت إلى رفع الأسعار المستهدفة لسهم الشركة، من بينها:
- Morgan Stanley: رفع السعر المستهدف من 92 إلى 105 دولارات
- Rosenblatt Securities: من 115 إلى 130 دولارًا
- Benchmark: من 121 إلى 125 دولارًا
هذا التحول يعكس قراءة السوق لزووم ليس فقط كشركة اتصالات فيديو، بل كلاعب تقني يستفيد من موجة الذكاء الاصطناعي، عبر شراكات مثل أنثروبيك واستثمارات في منتجات مدعومة بالنماذج اللغوية.
سباق عالمي على شركات النماذج اللغوية
الرهان على أنثروبيك يأتي في سياق أوسع يشهد سباقًا محمومًا بين عمالقة التقنية والمستثمرين للاستحواذ على حصص في الشركات المطوِّرة للنماذج اللغوية الكبيرة (LLMs). في السنوات الأخيرة:
- مايكروسوفت ضخت عشرات المليارات في شراكتها مع OpenAI
- أمازون وغوغل استثمرتا بالفعل في أنثروبيك، بحسب تقارير منشورة في رويترز وفايننشال تايمز
- شركات مثل ميتا وبايدو وتنسنت تطوّر نماذجها الخاصة لتقليل الاعتماد على أطراف خارجية
هذا السباق ليس مجرد منافسة تقنية؛ بل هو سباق على البنى التحتية المستقبلية للبرمجيات. من يمتلك النموذج الأذكى والأكثر كفاءة في التكلفة، يملك القدرة على التحكم في طبقة أساسية من الاقتصاد الرقمي خلال العقد المقبل.
زووم وأنثروبيك: نموذج لتحالفات المرحلة المقبلة
قصة زووم وأنثروبيك تقدّم مثالًا واضحًا على شكل التحالفات المتوقع أن يزداد في السنوات القادمة: شركات برمجيات تملك قاعدة مستخدمين ضخمة تتحالف مع شركات نماذج لغوية متخصصة، لتقديم خدمات أكثر ذكاءً واندماجًا في سياق العمل اليومي.
ومع تزايد الضغوط التنافسية على شركات الإنتاجية وأدوات التعاون، يصبح امتلاك طبقة ذكاء اصطناعي متقدمة شرطًا أساسيًا للبقاء في الصدارة. استثمار زووم الذي يقترب من مليار دولار على الورق قد يكون مثالاً مبكرًا فقط على ما سنراه من تحالفات واستثمارات أضخم في هذا المجال.
تأثيرات متوقعة على سوق العمل الرقمي
انتشار أدوات مثل كلود داخل منصات العمل يعني أن المهام الروتينية – من تدوين الملاحظات إلى صياغة الرسائل والتقارير – ستصبح أكثر اعتمادًا على الذكاء الاصطناعي. هذا التحول قد يغيّر طبيعة الوظائف الرقمية، ويجعل مهارات التعامل مع أدوات الذكاء الاصطناعي جزءًا أساسيًا من الكفاءة المهنية.
بالنسبة للمنطقة العربية، يمكن أن يفتح ذلك المجال أمام:
- خدمات تعريب مدمجة في أدوات مثل زووم، إذا استثمرت الشركات العالمية أو الشركاء المحليون في دعم العربية بشكل أعمق
- نشوء شركات متخصّصة في تكييف هذه الأدوات لبيئات العمل المحلية والقطاعات الحكومية
- فرص لرواد الأعمال لبناء طبقات تطبيقية فوق منصات الذكاء الاصطناعي العالمية
خلاصة
استثمار زووم المبكر في أنثروبيك تحوّل إلى قصة تجمع بين رؤية تقنية ومكاسب مالية في آن واحد. في عالم يتجه بسرعة نحو الاعتماد على النماذج اللغوية التوليدية، يبدو أن الشركات التي تختار شركاءها في هذا المجال مبكرًا، وتدمج قدراتهم بعمق في منتجاتها، هي الأكثر استعدادًا للمرحلة المقبلة من التحول الرقمي.
المنطقة العربية أمام فرصة حقيقية لتعلّم الدروس من هذه التجارب: توجيه رأس المال الذكي نحو التقنيات التأسيسية، وبناء شراكات استراتيجية، ودعم منظومة محلية قادرة على المنافسة عالميًا في مجال الذكاء الاصطناعي، بدل الاكتفاء بدور المستهلك النهائي للتقنيات.