جوجل ترفع سقف الرهانات على Anthropic
تتجه جوجل إلى تعميق شراكتها مع شركة Anthropic، إحدى أبرز الشركات الناشئة في مجال نماذج الذكاء الاصطناعي التوليدي، عبر حزمة استثمارات تجمع بين التمويل النقدي والوصول واسع النطاق إلى البنية السحابية. هذا التوجه، الذي تناولته تقارير متطابقة من The Wall Street Journal وTechCrunch، يضع العلاقة بين الشركتين في صلب سباق عالمي محتدم حول من يملك أقوى النماذج اللغوية وأكثرها أمانًا.
من هو اللاعب الجديد Anthropic؟
تأسست Anthropic في عام 2021 على يد مجموعة من الباحثين السابقين في OpenAI، من بينهم داريـو أمودي (Dario Amodei) وشقيقتُه دانييلا أمودي (Daniela Amodei). تركّز الشركة على تطوير نماذج لغوية ضخمة مع عناية خاصة بمفاهيم “السلامة” و”الاصطفاف” (AI Alignment)، أي جعل تصرّف الأنظمة الذكية متوافقًا مع القيم البشرية ومتطلبات الأمان.
قدّمت Anthropic سلسلة نماذج Claude، التي تُعَدّ منافسًا مباشرًا لنماذج مثل GPT من OpenAI وGemini من جوجل نفسها. ويُروَّج لـ Claude على أنه نموذج يوازن بين القوة والقدرة على توليد نصوص طويلة، وبين تقليص السلوكيات الخطرة أو المخرجات المسيئة قدر الإمكان.
تفاصيل استثمار جوجل السابق وتوسّعه المتوقع
بحسب تقرير The Wall Street Journal المنشور في أكتوبر 2023، استثمرت جوجل بالفعل نحو 2 مليار دولار في Anthropic، في مزيج من الاستثمار المباشر والقروض القابلة للتحويل، مع اتفاق لتوفير موارد حوسبة كبيرة عبر منصة Google Cloud.
تقرير TechCrunch أشار إلى أن جوجل تستعد لتوسيع هذه الشراكة عبر حزم إضافية من التمويل والوصول إلى البنية التحتية السحابية، بما يشمل وحدات المعالجة الرسومية (GPU) المتقدمة ووحدات التسريع الخاصة بجوجل (TPU). هذا النوع من الصفقات بات السمة الأبرز في المرحلة الحالية من سباق الذكاء الاصطناعي: الشركات الناشئة المتخصصة بالنماذج تحتاج إلى حوسبة هائلة، وعمالقة السحابة يحتاجون إلى نماذج متفوّقة لجذب المطورين والعملاء.
لماذا تحتاج Anthropic إلى جوجل؟
تدريب نموذج لغوي ضخم واحد بدرجة تعقيد تنافسية قد يكلّف عشرات أو مئات الملايين من الدولارات، ليس فقط من حيث العتاد، بل أيضًا على مستوى تكاليف الطاقة، وإدارة البيانات، والبنية التحتية الداعمة. وفق تقديرات نشرتها MIT Technology Review، فإن تدريب النماذج الأحدث يتجه لأن يكون من بين أكثر العمليات استهلاكًا للطاقة والحوسبة في القطاع التقني.
Anthropic، رغم حصولها على تمويلات كبيرة من جهات عدة بينها أمازون (التي أعلنت عن استثمار قد يصل إلى 4 مليارات دولار في 2023)، لا تزال بحاجة إلى تنويع مصادر الحوسبة السحابية، وعدم الارتهان لمزوّد واحد فقط. هنا يبرز دور جوجل كلاعب ثانٍ يقدّم بنية تحتية سحابية متقدمة، وأدوات متكاملة للتعلم العميق عبر Google Cloud، وTPU، ومنظومة برمجية مترابطة مع منتجات أخرى مثل Workspace وAndroid.
لماذا تحتاج جوجل إلى Anthropic رغم امتلاكها Gemini؟
من الخارج، قد يبدو أن شركة تمتلك نموذجًا ضخمًا خاصًا بها مثل Gemini لا تحتاج إلى دعم منافس. لكن في الواقع، المشهد أكثر تعقيدًا:
- تنويع مصادر الابتكار: وجود أكثر من نموذج قوي داخل المنظومة نفسها يمنح جوجل خيارات أوسع لتجربة أفكار مختلفة في سلامة الذكاء الاصطناعي، وهندسة النماذج، وطرق التدريب.
- القيمة التجارية: Anthropic تقدّم Claude كخدمة تجارية للمؤسسات والمطورين. استضافة هذه الخدمات على Google Cloud تجذب عملاء جدد إلى سحابة جوجل، وتزيد حجم استخدام مواردها الحاسوبية.
- صورة المسؤولية والأمان: Anthropic تبني سمعتها بالكامل تقريبًا على محور “السلامة” في الذكاء الاصطناعي. ارتباط جوجل بهذا التوجّه يساعدها في تحسين صورتها التنظيمية أمام الحكومات والجهات الرقابية، خاصة في ظل النقاشات المتصاعدة في الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة حول تنظيم الذكاء الاصطناعي.
سباق عالمي تحكمه السحابة والحوسبة
المنافسة الحالية في الذكاء الاصطناعي التوليدي لا تدور فقط حول من يمتلك النموذج الأقوى، بل أيضًا حول من يمتلك أرخص وأوسع حوسبة. مايكروسوفت تتعاون بعمق مع OpenAI وتستضيف نماذجها على Azure، وأمازون ترتبط بشراكة استراتيجية مع Anthropic على AWS، بينما تعمل ميتا على إتاحة نماذجها مفتوحة المصدر مثل Llama لاستقطاب مجتمع المطورين.
ضمن هذا المشهد، يسعى كل عملاق سحابة إلى عقد شراكات متعددة مع مطوري النماذج لضمان أن تمر أكبر كمية ممكنة من الأحمال الحاسوبية عبر منصاته. الصفقة المتوسعة بين جوجل وAnthropic تعكس هذا المنطق: حجز سعة حوسبية ضخمة وضمان وجود تطبيقات جذابة تستنزف هذه السعة لصالح Google Cloud.
انعكاسات على المنطقة العربية
حتى الآن، لا تمتلك المنطقة العربية نموذجًا لغويًا ضخمًا تجاريًا بمستوى Claude أو GPT أو Gemini، رغم وجود مبادرات مهمة مثل نموذج “جُرَيْت” (Jais) المدعوم من جامعة محمد بن زايد للذكاء الاصطناعي في الإمارات، إلى جانب جهود بحثية في السعودية وقطر ومصر وغيرها.
تعميق الشراكة بين جوجل وAnthropic يحمل بعدين مهمين للسوق العربية:
- تسريع إتاحة النماذج المتقدمة: كلما زادت قدرة Anthropic على الوصول إلى موارد حوسبة ضخمة، أصبح بإمكانها تطوير نسخ أكثر قوة واستقرارًا من Claude، وهو ما قد ينعكس على المستخدم العربي عبر واجهات استخدام تدعم العربية بدرجات أفضل مستقبلًا، سواء مباشرة أو عبر واجهات برمجة تطبيقات (API) تقدّمها منصات سحابية مثل Google Cloud.
- تذكير بصعوبة السباق: حجم الاستثمارات وأعداد وحدات الحوسبة اللازمة يوضح أن بناء نموذج منافس عالميًا لم يعد مهمة شركة ناشئة صغيرة في المنطقة دون سند مالي وتقني ضخم. هذا قد يدفع الحكومات وصناديق الاستثمار السيادية في المنطقة إلى التفكير في شراكات أكبر مع عمالقة التقنية، أو في إنشاء تحالفات إقليمية لمشاركة الموارد.
مخاوف تنظيمية وأسئلة مفتوحة
كل توسع جديد في شراكات الذكاء الاصطناعي يثير تساؤلات تنظيمية. تقارير Reuters وFinancial Times أشارت سابقًا إلى أن الجهات التنظيمية في كل من الولايات المتحدة وأوروبا تراقب عن كثب استثمارات عمالقة التقنية في الشركات الناشئة المتخصصة، خشية أن تتحول الشراكات إلى شكل غير مباشر من أشكال الاستحواذ أو الاحتكار.
في حالة Anthropic، موزّع المخاطر بين أمازون وجوجل وعدة مستثمرين آخرين قد يقلّل من مخاوف الاحتكار، لكنه لا يلغي الأسئلة حول مدى استقلالية الشركة في اتخاذ قراراتها التقنية والتجارية على المدى البعيد.
ما الذي يعنيه ذلك للمستخدم والمطوّر؟
للمستخدم النهائي، دخول جوجل بثقل أكبر في Anthropic يفترض أن يسرّع وصول نماذج أكثر قوة واستقرارًا داخل التطبيقات اليومية: من محركات البحث والمساعدات الذكية، إلى أدوات الكتابة والتصميم وتحليل البيانات. أما بالنسبة للمطورين، فتوسيع الشراكة يعني خيارات أوسع لاستضافة نماذج Claude على Google Cloud، وربما تكاملًا أفضل مع خدمات أخرى مثل BigQuery ومنصات البيانات وتحليلات الأعمال.
في المقابل، يبقى التحدي الأهم متمثلًا في ضمان ألا تتحول هذه القدرات إلى أداة لتعميق الفجوة بين من يمتلك وصولًا إلى هذه التقنيات ومن لا يمتلكه، سواء على مستوى الأفراد أو الشركات أو حتى الدول. وهنا يظل الطلب قائمًا على سياسات واضحة، واستثمارات محلية في المحتوى العربي، وتعاون بين القطاعين العام والخاص لتوطين التقنيات بدلاً من الاكتفاء باستهلاكها.