جوجل تعود إلى ساحة الدفاع الأمريكي بقوة أكبر
توسّع جوجل نطاق تعاونها مع وزارة الدفاع الأمريكية (البنتاغون) لتوفير منصات الذكاء الاصطناعي السحابية وتقنيات تحليل البيانات، في خطوة تعيد فتح ملف العلاقة المعقّدة بين عمالقة التقنية والقطاع العسكري في الولايات المتحدة. يأتي هذا التوسّع في وقت ترفض فيه شركات أخرى، مثل Anthropic، الدخول في شراكات مشابهة، ما يسلّط الضوء على انقسام داخل وادي السيليكون حول حدود الاستخدام العسكري للذكاء الاصطناعي.
من مشروع Maven إلى عقود الذكاء الاصطناعي الجديدة
ليست هذه المرة الأولى التي يجد فيها اسم جوجل مقترنًا بالبنتاغون. في عام 2018 أثار مشروع Maven، الذي كان يهدف لاستخدام خوارزميات تعلم الآلة في تحسين دقة تحليل صور الطائرات المسيّرة، عاصفة من الاحتجاجات داخل الشركة. مئات الموظفين وقّعوا عريضة رافضة للمشاركة في تطبيقات عسكرية قد تقود إلى «حرب بالذكاء الاصطناعي»، وانتهى الأمر بانسحاب جوجل من المشروع ورفع شعارات مثل «عدم بناء تقنيات للحرب».
لكن الصورة تغيّرت تدريجيًا. في 2022 أعلنت جوجل، إلى جانب أمازون، فوزها بحصة من عقد الحوسبة السحابية العملاق للبنتاغون المعروف باسم JWCC – Joint Warfighting Cloud Capability بقيمة قد تصل إلى 9 مليارات دولار حتى 2028، بحسب ما نقلته رويترز. هذا العقد وفّر إطارًا رسميًا لاستفادة وزارة الدفاع من بنى تحتية سحابية متقدمة، تشمل إمكانات الذكاء الاصطناعي وتحليل البيانات على منصات مثل Google Cloud.
دور منصات جوجل في المشهد العسكري الجديد
بحسب تقرير لـ TechCrunch، توسّع جوجل الآن نطاق إتاحة منصات الذكاء الاصطناعي التوليدي وأدوات تحليل البيانات لدى وزارة الدفاع، بما في ذلك نماذج يمكن استخدامها في:
- تحليل كميات هائلة من البيانات الاستخباراتية وصور الأقمار الصناعية.
- دعم عمليات اتخاذ القرار التخطيطية واللوجستية.
- أتمتة التقارير وملخصات المعلومات لصنّاع القرار العسكري.
مع أن جوجل تؤكد عادة – في سياساتها العلنية – أنها تفرض قيودًا على استخدام تقنياتها في تطوير أسلحة هجومية ذاتية التشغيل، فإن توفير منصات ذكاء اصطناعي عامة للبنتاغون يفتح الباب أمام تطبيقات متنوّعة، بعضها مدني (مثل الأمن السيبراني واللوجستيات)، وبعضها الآخر يرتبط بشكل مباشر أو غير مباشر بالعمليات العسكرية.
Anthropic ترفض… وجوجل تملأ الفراغ
المفارقة أن توسّع جوجل يأتي في سياق تردد أو رفض من منافسين بارزين. موقع TechCrunch نقل أن شركة Anthropic، المطوّرة لنموذج Claude، امتنعت عن إبرام تعاون مشابه مع البنتاغون، بسبب مخاوف مرتبطة بالاستخدامات العسكرية المتقدمة للذكاء الاصطناعي والتزام الشركة بسياسات أكثر تشددًا تجاه التطبيقات القتالية.
هذا الموقف يسلّط الضوء على اختلاف في فلسفات الحوكمة داخل شركات التقنية الكبرى. فبينما تسعى Anthropic لربط انتشار نماذجها بإطار «السلامة» و«التحكم»، تفضّل جوجل بناء علاقة مؤسسية منظمة مع وزارة الدفاع، مع الاعتماد على بنود تعاقدية وسياسات استخدام مقيدة. عمليًا، يؤدي ذلك إلى تقوية موقع جوجل التجاري والاستراتيجي في سوق الدفاع الأمريكي، في وقت يُتوقع فيه أن ترتفع ميزانيات الذكاء الاصطناعي العسكري بشكل كبير خلال السنوات المقبلة، وفق تقديرات عديدة نقلتها مؤسسة بروكينغز.
جدل أخلاقي محتدم داخل وادي السيليكون
النقاش حول دور شركات التقنية في الحروب ليس جديدًا، لكنه يزداد حدّة مع تقدم الذكاء الاصطناعي التوليدي. تقارير من نيويورك تايمز وواشنطن بوست وثّقت خلال السنوات الماضية موجات من الاعتراضات الداخلية في شركات مثل جوجل وميتا ومايكروسوفت على عقود دفاعية، سواء في مجال الرؤية الحاسوبية أو أنظمة الواقع المعزز أو التحليلات الاستخباراتية.
الخبراء يحذّرون من أن الذكاء الاصطناعي يمكن أن يدفع نحو «تسريع» وتيرة اتخاذ القرار العسكري، ما يرفع احتمالات الخطأ وسوء التقدير. باحثون في معهد MIT ومؤسسة كارنيغي للسلام الدولي نبّهوا إلى مخاطر الاعتماد المفرط على الأنظمة المؤتمتة في التقييم الاستخباراتي والاستهداف، وإلى صعوبة محاسبة الخوارزميات في حال وقوع كوارث إنسانية.
القانون الدولي… أبطأ من سرعة الخوارزميات
الأمم المتحدة تناقش منذ سنوات إطارًا لتنظيم «أنظمة الأسلحة ذاتية التشغيل»، لكن التقدم بطيء، والدول الكبرى تختلف حول مدى إلزامية القيود المقترحة. في هذه الفجوة التنظيمية، تصبح قرارات الشركات الكبرى – مثل جوجل وAnthropic – بمثابة «قواعد سلوك» بحكم الأمر الواقع.
تقرير لـ BBC أشار إلى أن بعض الحكومات ترى في الشراكات مع عمالقة التقنية فرصة لتعزيز «الدقة» وتقليل الخسائر الجانبية، بينما ترى منظمات حقوقية أن نشر أدوات تحليلية متقدمة قد يسهّل المراقبة الشاملة واستهداف البنية المدنية تحت ذريعة الأمن القومي.
أين تقف المنطقة العربية من هذا التحول؟
العديد من الدول العربية تتحرك بدورها نحو الاستثمار في الذكاء الاصطناعي في المجالين المدني والعسكري، عبر إنشاء مراكز أبحاث، وتوقيع مذكرات تفاهم مع شركات عالمية، وإطلاق استراتيجيات وطنية للذكاء الاصطناعي. لكن غياب نقاش عام واسع حول الأبعاد الأخلاقية، وضعف الإطار التشريعي في معظم الدول، يجعلان المنطقة عرضة لاعتماد تقنيات دفاعية متقدمة دون ضوابط كافية.
في المقابل، هناك فرص حقيقية إذا تم توجيه هذه القدرات نحو تحسين إدارة الأزمات، وحماية البنية التحتية الحيوية، وتعزيز الأمن السيبراني، ودعم اتخاذ القرار في القطاعات المدنية الحساسة مثل الصحة والنقل والطاقة. التحدي يكمن في رسم خط فاصل بين الاستخدامات «الدفاعية» المشروعة، والتطبيقات الهجومية أو القمعية التي قد تمس حقوق الإنسان والحريات الأساسية.
ما الذي يعنيه توسّع جوجل للمستقبل القريب؟
توسّع تعاون جوجل مع وزارة الدفاع الأمريكية يكرّس حقيقة أن الذكاء الاصطناعي أصبح جزءًا بنيويًا من البنية العسكرية العالمية، وليس مجرد أداة تجريبية. وبدلًا من أن تحسم شركة واحدة الاتجاه، يبدو أن السوق يتجه نحو نموذج «التعددية»: شركات تقبل التعاون تحت ضوابط، وأخرى ترفض، وثالثة تختار مجالات مدنية بحتة.
بالنسبة لصنّاع القرار العرب، يفرض هذا التطور ضرورة تطوير سياسات وطنية واضحة لاستخدام الذكاء الاصطناعي في الأمن والدفاع، مع التأكيد على الشفافية والرقابة البرلمانية والقضائية، وإشراك الجامعات والمجتمع المدني في النقاش. أما على المستوى العالمي، فاستمرار الانقسام بين الشركات حول عقود الدفاع قد يدفع في نهاية المطاف نحو معايير دولية أكثر وضوحًا، سواء عبر الأمم المتحدة أو عبر تحالفات إقليمية.
إلى أن يحدث ذلك، ستبقى كل صفقة جديدة بين شركة تقنية كبرى ووزارة دفاع كبرى نقطة اختبار جديدة للتوازن الهش بين الابتكار، والأمن القومي، والمسؤولية الأخلاقية.