Office workshops to learn how to avoid AI
ورش عمل جديدة في المكتبات: تعلّم استخدام الإنترنت بلا خوارزميات
في وقت تتسابق فيه الشركات على دمج الذكاء الاصطناعي في كل خدمة رقمية تقريبًا، بدأت مكتبات عامة في الولايات المتحدة وأوروبا في تنظيم ورش عمل بعنوان لافت: «تجنّب الذكاء الاصطناعي». الهدف ليس الهروب من التكنولوجيا بالكامل، بل مساعدة الناس على استخدام الإنترنت بأقل قدر ممكن من التتبع وبعيدًا عن خوارزميات الشركات الكبرى، بحسب تقرير مفصّل نشره موقع TechCrunch.
ماذا يحدث داخل ورش «تجنّب الذكاء الاصطناعي»؟
بحسب تقرير TechCrunch، الذي رصد أمثلة من مكتبات عامة في ولايات أمريكية مختلفة، تشهد هذه الجلسات إقبالًا متزايدًا من فئات عمرية متنوعة. محتوى الورش يركّز على مهارات رقمية عملية يمكن لأي مستخدم تعلّمها، من أبرزها:
- استخدام محركات بحث بديلة تقلّل جمع البيانات مثل DuckDuckGo وStartpage.
- تفعيل إعدادات الخصوصية في المتصفحات الشائعة، مع شرح خيارات مثل حظر ملفات تعريف الارتباط (الكوكيز) التابعة لأطراف ثالثة.
- تعطيل التتبع الإعلاني على مستوى النظام أو الحساب، سواء في متصفحات الويب أو أنظمة تشغيل الهواتف.
- استخدام إضافات تمنع التتبع مثل uBlock Origin وPrivacy Badger، وشرح كيفية عملها وحدودها.
- تقليل بصمة المستخدم الرقمية (Digital Footprint) التي تُستخدم في تدريب نماذج الذكاء الاصطناعي أو في بناء ملفات تعريف إعلانية.
لا تقدّم هذه الورش حلولًا سحرية أو وعودًا بقطع أي علاقة مع الذكاء الاصطناعي، لكنها تمنح المشاركين حدًا أدنى من السيطرة على بياناتهم واختياراتهم اليومية على الإنترنت.
السياق الأوسع: تصاعد القلق من «البيانات كوقود للذكاء الاصطناعي»
لفهم هذا التوجه الجديد، لا بد من النظر إلى المناخ العالمي المحيط بالذكاء الاصطناعي. خلال العامين الماضيين، تضاعفت التقارير البحثية والإعلامية التي تحذّر من حجم البيانات الشخصية التي تُجمع وتُستخدم لتدريب النماذج الكبرى.
تقارير من مؤسسات مثل Electronic Frontier Foundation (EFF) وMozilla تشير إلى أن غالبية المستخدمين لا يملكون تصورًا واضحًا عن حجم البيانات التي تُقتطف من نشاطهم اليومي على الإنترنت، سواء عبر المواقع الإخبارية أو منصات التواصل الاجتماعي أو تطبيقات الهاتف.
كما سلّطت تقارير صحفية عدة، من بينها تقارير في The New York Times وMIT Technology Review، الضوء على قضايا متعلقة باستخدام بيانات متاحة على الويب في تدريب نماذج الذكاء الاصطناعي دون موافقة صريحة من أصحابها، بما في ذلك محتوى منشئي المحتوى المستقلين والصور المتداولة عبر منصات مختلفة.
أمام هذا الواقع، بدأت تتشكّل حركة مجتمعية تدعو إلى «التقليل الواعي» من الاعتماد على المنصات التي تبني نماذجها التجارية على جمع أكبر قدر ممكن من البيانات الشخصية.
المكتبات العامة تعود إلى الواجهة بدور رقمي جديد
المكتبات لطالما كانت مساحة للتعلّم المجاني والمفتوح، لكن دورها يتجدد اليوم في المجال الرقمي. وفق تقرير TechCrunch، يرى أمناء مكتبات مشاركون في هذه المبادرات أن رواد المكتبات يسألون بشكل متزايد عن:
- كيفية البحث على الإنترنت دون ترك أثر كبير.
- الفرق بين المتصفحات ومحرّكات البحث، وأيها أقل جمعًا للبيانات.
- كيفية استخدام البريد الإلكتروني أو الخدمات السحابية مع مراعاة الخصوصية.
بعض المكتبات باتت تضع ملصقات على أجهزة الكمبيوتر العامة تشرح بلغة بسيطة ماهية التتبع، وما الذي يعنيه زر “أوافق” عند قبول شروط الكوكيز، وكيف يمكن للمستخدم تغيير الإعدادات قبل المتابعة.
الملاحظ أن هذه المبادرات تأتي من مؤسسات عامة غير ربحية، ما يمنحها درجة أعلى من الثقة لدى الجمهور مقارنة بالتطبيقات التجارية التي تقدّم أدوات خصوصية ضمن نماذج عمل معتمدة على الإعلانات.
ما علاقة كل ذلك بالذكاء الاصطناعي؟
الربط بين هذه الورش والذكاء الاصطناعي لا يتوقف عند مسألة الإعلانات فقط. كثير من نماذج الذكاء الاصطناعي التوليدية تُدرَّب على كميات هائلة من البيانات المجمّعة من الإنترنت، تشمل:
- نصوص منشورة في مواقع عامة ومدونات ومنتديات.
- تعليقات المستخدمين في منصات مختلفة.
- صور وفيديوهات يمكن أن تحمل بيانات تعريفية (Metadata).
تقليل الأثر الرقمي الشخصي لا يعني بالضرورة منع استخدام تلك البيانات في التدريب، لكنه يخفّض حجم المحتوى القابل للربط بهوية محددة، ويزيد وعي المستخدم بمصير بياناته.
من ناحية أخرى، تساعد الورش المشاركين على تمييز متى يتعاملون مع أنظمة مدعومة بالذكاء الاصطناعي، سواء في نتائج البحث أو الاقتراحات أو فلاتر البريد الإلكتروني أو أنظمة التوصية في منصات الفيديو والتجارة الإلكترونية، ليكون قرارهم بالاعتماد عليها أو محاولة الحد منها قرارًا واعيًا لا تلقائيًا.
وجهة نظر الخبراء: ليس رفضًا للذكاء الاصطناعي بل إعادة توازن
متخصصون في أخلاقيات التكنولوجيا والحقوق الرقمية يشيرون في تصريحات لوسائل إعلام دولية إلى أن الهدف من هذه المبادرات ليس «قطع العلاقة» مع الذكاء الاصطناعي، بل إعادة توازن بين ما تحصل عليه الشركات من بيانات وما يحتفظ به الأفراد من سيطرة على حياتهم الرقمية.
باحثون من جامعات مثل MIT وStanford تحدثوا في تقارير منشورة في MIT Technology Review وNature عن أهمية «الموافقة الواعية» في جمع البيانات، وضرورة أن يفهم المستخدم بطريقة مبسّطة كيف يمكن استخدام بياناته لاحقًا، سواء في تحسين الخدمات أو في تدريب نماذج ذكاء اصطناعي تجارية.
من هذا المنظور، يمكن النظر إلى ورش «تجنّب الذكاء الاصطناعي» باعتبارها خطوة في اتجاه تمكين المستخدم من اتخاذ قرارات مبنية على معرفة، بدلاً من قبول مفاهيم تقنية معقدة كأمر واقع لا يمكن مناقشته.
ما الذي يمكن أن يتعلمه المستخدم العربي من هذه التجربة؟
1. التحكّم في إعدادات الخصوصية
أول خطوة عملية هي استخدام الأدوات الموجودة أصلًا في المتصفحات وأنظمة التشغيل، مثل:
- تفعيل خاصية Do Not Track حيثما توفرت، مع إدراك أنها ليست ملزمة لكل المواقع.
- تقليل الأذونات الممنوحة للتطبيقات على الهاتف، خاصة ما يتعلق بالموقع الجغرافي والميكروفون والكاميرا.
- استخدام النمط الخاص (Private/Incognito) في التصفّح عند الحاجة، مع فهم أنه لا يمنع مزوّد خدمة الإنترنت من تسجيل النشاط.
2. تنويع الخدمات بدل الاعتماد على شركة واحدة
أحد الدروس الأساسية في هذه الورش هو تجنّب وضع كل البيانات في سلّة شركة واحدة. ينطبق ذلك على:
- استخدام محرك بحث من شركة، وبريد إلكتروني من شركة أخرى، وتطبيق خرائط من مزوّد ثالث متى أمكن.
- تجربة خدمات بديلة مفتوحة المصدر عندما تكون متاحة ومناسبة للاستخدام اليومي.
3. تعزيز المعرفة الرقمية المجتمعية
الوعي الفردي مهم، لكنه يظل محدود الأثر ما لم يُترجَم إلى مبادرات مجتمعية. يمكن للمكتبات العربية، ومراكز الشباب، والمبادرات التقنية المستقلة أن تستفيد من النموذج العالمي عبر:
- تنظيم جلسات مبسطة بلغة مفهومة، تستهدف المستخدم العادي لا المتخصص فقط.
- استخدام أمثلة من التطبيقات الشائعة في المنطقة، مثل تطبيقات التراسل والتجارة الإلكترونية المنتشرة محليًا.
- توفير مواد مكتوبة ومرئية قصيرة تشرح إعدادات الخصوصية خطوة بخطوة.
إلى أين يمكن أن تتجه هذه الحركة؟
من المبكر الحديث عن تحوّل ورش «تجنّب الذكاء الاصطناعي» إلى ظاهرة عالمية واسعة، لكنها تعكس تحوّلًا مهمًا في نظرة الجمهور للتقنيات الذكية. إذا استمر هذا الاتجاه، قد نشهد خلال السنوات المقبلة:
- زيادة الطلب على أدوات وخدمات رقمية تركّز على الخصوصية وقلة جمع البيانات.
- ضغطًا مجتمعيًا وتشريعيًا أكبر على الشركات لتوضيح كيفية استخدام البيانات في تدريب نماذج الذكاء الاصطناعي.
- دورًا أوسع للمكتبات والمؤسسات التعليمية في تعليم المهارات الرقمية الأساسية، بما فيها فهم أثر الذكاء الاصطناعي على الحياة اليومية.
في المقابل، لن تختفي النماذج الذكية من المشهد، بل ستستمر في التوسع داخل محركات البحث، وتطبيقات الإنتاجية، ومنصات التواصل. النقاش الحقيقي يدور حول شكل العلاقة بين المستخدم وهذه النماذج: علاقة خاضعة بالكامل للخوارزميات، أم علاقة أكثر توازنًا يملك فيها المستخدم أدوات للتحكم والاختيار.